ثقافة انتحارية

هل هم ثلاثة فحسب الروائيون المصريون الذين اعتذروا عن حضور مؤتمر الرواية في المغرب احتجاجا على زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي شالوم للمغرب. إذا كانوا ثلاثة فهو بيان الثلاثة جريا على تسمية البيان الذي صدر ضد اعلان القاهرة الثقافي <<بيان الستة>>. لكن العدد ليس نهائيا فقد جاء في مقالة ياسين عدنان في <<الحياة>>، ان اثنين من الثلاثة سبق لهما أن اعتذرا قبل زيارة شالوم. إذن يبقى واحد. لكن مقالة عدنان تقول ان بين الموقعين من لم يدع. قد يصل الرقم الى صفر. مع ذلك فإن البيان أثار سجالا حاميا. ليس العدد مهما إذن فمهما كان رقم الموقعين ولو كان البيان بيان اللاأحد فإن اثره سيبقى هو هو. ذلك ان اعتراضا على زيارة وزير إسرائيلي في هذا الوقت سيكون مدويا ومؤثرا بصرف النظر عن موقعيه. إذاً يربح البيان لمجرد انه كذلك ولا يهم كثيرا من وقعه ومن لم يوقعه، لو كان العدد ثلاثة من سبعة او ثمانية فالأمر يبقى نفسه. للمعترضين والمعتذرين حجة لا يملكها القابلون ولا يقدر القابلون على مواجهتها. ثمة ردود لا تمكن مقاومتها إذ انها تحك على حساسية ملازمة وتستفز شيئا غائرا في الوجدان والذاكرة. يكفي ان تطرق الباب، يكفي ان تلفظ الاسم ليأتيك الجواب سريعا ولتربح الموقف.
من منا لا يحتج على زيارة شالوم للمغرب في وقت تتساقط فيه القنابل على رؤوس الفلسطينيين، لكن احتجاج الروائيين المصريين المعترضين موجه الى أدباء المغرب واتحاد أدبائه الذي ينظم التظاهرة، وهؤلاء أصدروا بيانا بعشرات التواقيع ضد زيارة شالوم، احتجاج الروائيين المصريين يبدو احتجاجا على الشعب المغربي، وسيقدّر الشعب المغربي أنه احتجاج عليه ما دام يؤخذ في هذا بجريرة حكامه. بل سيبدو احتجاجاً على الرباط عاصمة ثقافية وعلى المثقفين المغاربة في جملتهم. أما المفارقة التي تفقأ العين فهي ان مصر هي البلد الأول الذي صالح إسرائيل وسار الآخرون في ركابها. وإذا كان شالوم حضر إلى المغرب فإنه قائم قاعد في مصر ممثلاً بسفارته وسفيره، ولا يهم هنا أن نذكر ان مصر استقبلت تقريباً كل المسؤولين الإسرائيليين بلا حرج. مع ذلك عادت الجامعة العربية إليها ولا يزال أدباؤها يبحثون في عودة اتحاد الأدباء العرب الى عاصمتها، ومناسباتها الثقافية، عامرة بالأدباء والكتّاب بما في ذلك أكثرهم راديكالية. معرضها الدولي الكبير ومؤتمراتها الخصبة المتلاحقة. ولم يؤاخذها أحد ولا آخذ مثقفيها بجريرة السفارة الإسرائيلية ولكن الجميع قدروا للمثقفين المصريين والمؤسسات الثقافية المصرية ممانعتها لأي مشاركة إسرائيلية في التظاهرات والمناسبات الثقافية ما دامت الدبابات والجرافات والمدافع والطائرات الإسرائيلية تعمل هدماً وتدميراً وقتلاً في المدن والمخيمات الفلسطينية.
مفارقة لم تفت بالطبع موقعي البيان لكنها لم تحرجهم. ولم يهتموا حتى بتفنيدها. انها سؤال غيرهم ولا بأس من أن يلقوها على عاتق غيرهم. أجاب صنع الله ابراهيم حين سئل عما يحصل اذا اعتمد الأدباء العرب المنطق نفسه بحرفيته وقاطعوا مؤتمر الرواية المصرية المقبل (غريبة هي المصادفات)، بسبب ان مصر تستقبل مسؤولين إسرائيليين ولأن على أرضها سفارة إسرائيلية، أجاب صنع الله ابراهيم بحسب جريدة <<الحياة>> <<هم أحرار في تبني أي موقف>> لم يسأل أحد صنع الله ولا السادة الموقعين والذين ظاهروهم على تواقيعهم إذا كانوا هم سيحضرون مؤتمر الرواية المصري ما دامت بلادهم لا تزال تستقبل وزراء اسرائيليين وترضى بسفارة اسرائيلية.
<<هم أحرار>> ونحن أحرار. كل على كيفه ولا مكان لسؤال، عنزة ولو طارت. انها مفارقة بالطبع ومنطق مقلوب ولكن من يبالي. لا بأس ان نقول في المغرب ما لم نقله في مصر او نحاسب المغرب على ما لا تحاسب عليه مصر. لكن ماذا نفعل بالاردن وقطر وموريتانيا والجزائر وفلسطين (نعم فلسطين) وكل تلك البلاد التي تستقبل مسؤولين اسرائيليين، لا يهم.
أعرف ان محمود امين العالم رجل لين ولم يعرف عنه تصلب او عناد، وأن ابراهيم اصلان ليس رجل استعراض ولا مزايدات، وأن صنع الله ابراهيم رجل مبادئ. اعرف انهم جميعاً ليسوا بصدد مزايدة ولا استعراض، وأنهم قالوا ما قالوا في لحظة حنق مشروعة. لقد رأوا بيوتاً تسقط على رؤوس الاطفال فصاحوا ولم يهتموا اين ستصيب صيحتهم ومن ستصيبه. لم يحسبوا غالباً ماذا ستجر هذه الصيحة عليهم وعلى سواهم <<نحن أحرار وهم أحرار>>. اذا كانت ستؤذي أولا اشباههم وستصفق بالدرجة الاولى الموقف المعادي لزيارة شالوم. لا يهمهم اذا كانت ستستفز مشاعر اقليمية وستحشر الرافضين لزيارة شالوم في زاوية عمياء. وستسلبهم اقوى حججهم: التفاهم مع المحيط العربي. ما زال هذا المحيط لا يفهم ولا يتفاهم <<لا بأس هم احرار ونحن احرار>> من فترة ليست بعيدة انتهى مؤتمر في مصر انعقد تحت لافتة مبتكرة <<نحو خطاب عربي جديد>> الى اعلان ثقافي لم يكن جديدا بل خسر كل ما تواتر المثقفون العرب على ذكره عادة. رغم ذلك استفز الاعلان مثقفين مصريين اصدروا <<بيان الستة>> احتجاجاً وكان بياناً في مقابل عشرات وربما مئات لكنه مع ذلك استقطب النقاش ورغم كل شيء كان بيان الستة ومقالات من ظاهروهم عليه مليئة بالخروق. قال الاعلان الثقافي انه ضد الاحتلال الاميركي للعراق لكن كان احرى به ان يحصر موضوعه في العراق ولا يخلط به أمرا آخر. لماذا؟ أليست فلسطين على الأقل أيضا قضية. أليست الديمقراطية أيضا قضية. فقط العراق ومن يجادل فهو أميركي. أما أخطر ما وجدوه في الاعلان الثقافي فهو تجديد الفكر الإسلامي وغضبوا. غضب الذين كانوا منذ قليل يواجهون الجماعة الإسلامية في مشروع حرب أهلية دام سنوات. كانوا من قليل يئنون من قتل الأجانب واغتيال الليبراليين وقتل المسيحيين بلا هوادة. انهم الآن لا يقبلون عبارة <<تجديد الفكر الإسلامي>> لأن هذا بحسبهم مطلب أميركا من المسلمين. لكنه أيضا مطلب الإمام محمد عبده ومالك بن نبي ومحمد حسين فضل الله أيضا. لقد غدا يساريو الأمس سلفيين صالحين بنعمة حماس والجهاد. هؤلاء يقاتلون إسرائيل لكن مسلمين صالحين أيضا هم الذين قتلوا محمد باقر الحكيم وفجروا الأمم المتحدة في العراق وخطفوا النساء من أهلهن وأزواجهن في الجزائر وفجروا بهن جهارا وقتلوا الناس بلا تهمة ولا شبهة واغتالوا فرج فودة وكل من نطق بالفرنسية وقتلوا زهرة كاظمي وخنقوا الأدباء في إيران. هل نصفق لهم. هل نؤيد سننهم في التكفير او نمتنع عن نقدها لمجرد انهم ضد أميركا وإسرائيل. أليسوا قادرين بالحمية نفسها على قتل مسلمين صالحين مثلهم او تبرير قتلهم على الأقل.
نتكلم عن الذين يفجرون أنفسهم في عمليات ضد الإسرائيليين ونقول ان هذه سياسة اليأس. لا لأن الذين يقومون بها يودون بأنفسهم ويختارون المصير ذاته لهم ولأعدائهم، بل لأن أسلوبا كهذا قوته في مشهد القتل نفسه ودوي الحدث. لكن لا حساب بالطبع للنتائج ولا الظرف. الأرجح ان التضحية بالنفس لا تعترف بحساب. المرء حينذاك يلقي جثته وجثث أعدائه في الميزان ويأمل ان يلغي هذا ميزان القوي ويحيل الحسابات كلها هراءً. لكن الذي يحصل ان ما لا نعتبره حسابا لن يتخذه الاعداء حسابا لهم. الذي يحصل ان الانتحار نفسه ليس بلا نتائج، وأنه نهاية صاحبه لا نهاية الصراع. وفي النهاية فإن المشهد الدولي سرعان ما يغدو شيئا ما في المعادلة ورقما في الصراع.
هل يمكن أن نجد في المقابل فكرا من النوع نفسه، فكرا انتحاريا، أي فكرا لا يهتم إلا بلحظته المشهدية ولا يعنيه أن يموت في لحظته. إن ما يهمه هو أن يسمع صوت انفجاره ولو كان ذلك صوت نهايته. هل يمكن أن نجد في المقابل فكرا نهايته في ذاته ولا يبالي بأي حساب وأي موازين وأي ظرف. في ظني أن الثقافة العربية السائدة هي اليوم في عنق الزجاجة، أو لنقل إنها تقريبا ثقافة اليأس. وإذا زدنا قلنا إنها ثقافة الموت البطولي أو غير البطولي. فمن فترة بعيدة وكل ما يحصل في هذه الثقافة هو إنقاذ الكلمات المقدسة من حطام الواقع، إنقاذ الكليشيه والجملة الوطنية من الحريق.
أدار المثقف الصغير الذي أنجبته الحركات القومية تجربة طنانة التبشير والخطابة السياسية عمدتها. انحلت الثقافة في عدد محدود معاد من الكليشيهات يعاد إنتاجه في كل مجال. لقد حلت سياسة مبسطة واصطلاحية محل الدين. ومن الشعر الى الرواية الى الفكر كان العلم القومي نفسه يتكرر حرفيا بدون فوارق كثيرة. بات معلم المدرسة بالدين القومي الذي يحمله مقابل الكاهن والشيخ. لقد وجدت ثقافة سهل تعميمها ونقلها ووجد نموذج نصف المثقف الذي انتشر بلا هوادة وغدا مستهلكا كبيرا لهذا النوع من <<العلم>> القومي. في وسعنا أن نفكر أن هذه الثقافة الوظيفية التي تواطأ على إنتاجها الماركسيون والقوميون كانت في النهاية ذات حدود استهلاكية تعبوية. كانت حبل كلام ببغاويا ودائرة مفرغة وليس في الوسع مراكمتها أو البناء منها وعليها. لذا بدا أن لحظة البداية، لحظة المبدأ الأول، ولحظة الأقطاب اللفظية لا تتحرك ولا تريم. بل بدا في أحيان أن لحظة الثقافة فصامية وبسيكوتيكية، إذ إنها من ناحية ذات منطق خاص لا يساير أي واقع ولا يحتكم لأي حساب. ثم إنها لحظة تصديق حرفي لا مجاز فيها فكأن للرطانة والكلمات قوة الفعل وكأنها تتحقق بمجرد تكرارها ونطقها. الأرجح أن مرجعية هذه الرطانة كانت دائما في ذاتها وقوتها في نفسها وبنيتها اللفظية والفكرية والبلاغية قلما تنصرف أو تتحرك وقلما تمتثل للواقع ومستجداته. لكننا لا نجد وقتا تتجلى فيه فصامية هذه الثقافة بقدر ما نجده اليوم. أدى العجز المتراكم والخسائر المتلاحقة الى سيادة هذه الأبنية بلا وسيط ولا مسافة أدبية أو بلاغية. سادت بحرفها ولفظها وغدت لكثيرين واقعهم الوحيد. مقابل سياسة اليأس لماذا لا نبحث عن ثقافة اليأس. ألسنا نجدها في نوع من شعاراتية صافية كاملة لا تنظر الى أي ظرف أو نتيجة أو ميزان أو حساب. غايتها في دويها اللفظي. في الذكر اللامتناهي للكلمة ذاتها، والإيمان الحرفي بها. يغدو شخص كصدام حسين بلا تاريخ ويقبل بدون غضاضة صورة المقاوم والبطل الوطني وتتحلق حوله وحول صورته جماعات وشعوب. ويكفي أن يسقط على عمليات مثلث الفلوجة اسم المقاومة حتى تغدو مقدسة ولو اغتالت الحكيم مع 80 مصليا ولو فجر انتحاري نفسه في مقر الأمم المتحدة. تغدو الحركة الإسلامية بلا تاريخ أيضا ولا يبقى لها اسم سوى المقاومة. وبالطريقة نفسها نجد المثقفين أنفسهم يديرون من بيروت معركة العراق وفلسطين بدون سؤال عن موازين القوى وعن الظرف. لقد انتصرت الكليشيه تماما وهي الآن سيدة الى أن تنفجر. فثمة ثقافة لا تسأل ماذا يعني تخريب العراق ومنعه من أن يلملم نفسه ويقوم بخطواته المتمهلة نحو تأسيس مجتمع ودولة. أفي وسعه وهو مجرد فوضى سديمية أن يواجه الأميركيين ويستحق استقلاله. ثمة ثقافة لا تسأل ماذا لو استمرت مواجهة الإسرائيليين بالحجارة. أكنا بحاجة الى عنف شارون الرهيب لنحصل على قدر من الاعتراف بنا. ثقافة لا تسأل على الإطلاق. إنها تحمل ألفاظها وأصنامها الى الجدار حيث تأمل أن يعمي الدوي العدو، أو تنفجر الفكرة من تلقائها.

 

عباس بيضون - ملحق السفير - 03.10.2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri