حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

غراس يرى في الحرب ظلم الأقوى وماغنوس يخفي شجبه للسلام

(ديوان) ــ مجلة الشعر العربي ــ الألماني، نشرت في عددها السادس/ بغداد 2003 ــ سلسلة مقالات ومحاورات مترجمة مع كتاب وشعراء ألمان، كانت الحرب علي العراق مادتها الأساسية. إن أحدا لا يمتلك رؤية نهائية لعدد كبير من الحقائق، وكأنها أخيرة. فالموقف، والمنهج، كلاهما يؤثران في طريقة التفكير، وفي نتائجه. وقد ظهر هذا (الاختلاف) بين مقالة غونتر غراس (ظلم الأقوي) والكاتب الشاعر هانس ماغنوس في مقالته (دعوة عمياء للسلام). انهما لا يختلفان في إدانة الظلم. لكن هل ذهبا عميقا في تفكيك لماذا الكائن يصبح ظالما، ظالما حد الجور، أو فوق الظلم..؟ سياق المقالين يفسر ذلك. انهما لا يغادران فضاء الأمل، مع ان (الظلم) كــ(الموت) لا ينفصل عن صياغة تمهيدات للمظلومين والموتي. فهل يؤشر هذا السياق، حداثة، كحداثة لا تحدق الي الخلف، ولكنها لا تتردد في التقدم صوب المجهول..؟

غونتر غراس: ظلم الأقوى

في فاتحة مقالته (ظلم الأقوي) يدوّن غونتر غراس: لقد اندلعت حرب كان مخططا لها بعزم وتصميم منذ وقت طويل. كي يستنتج: لم يعد يسري الا قانون الأقوي. واستنادا الي هذا التشخيص، فان من سيقف ضد الحرب، سيعرض للعقاب. فالكاتب يكرر مقولة الرئيس بوش (من ليس معنا فهو علينا) وماذا كان يقول الرئيس العراقي المخلوع، سوي تكرار الشعار ذاته..؟ إن غراس لا يغادر حقيقة البشرية نحو (عصورها الهمجية..) مقارنا، بين اللغة، والصياغة، والنتيجة في نهاية المطاف: المزيد من الإرهاب الشامل، ومزيدا من العنف والعنف المقابل.

ان الكاتب الألماني يتذكر ــ وهو يتساءل: هل هذه هي الولايات المتحدة التي نحتفظ لها نحن الألمان بذكري طيبة ولأسباب عديدة ؟ البلد الذي مّول بسخاء مشروع مارشال لإعادة بناء ألمانيا الغربية..؟ كي يقول: لسنا الوحيدين الذين يلاحظون كيف بهتت هذه الصورة للولايات المتحدة عبر السنين حتي غدت حلما أو صورة مشتهاة، وألان قد تحولت الي صورة مشوهة.

ان غراس يتحدث عن القيم: الديمقراطية، وحقوق الإنسان، التي يؤمن بها قطاع واسع من المواطنين الأمريكيين، الذين يحبون بلادهم.. لكن.. الذي ينتابهم السخط عندما يرون انهيار قيم وطنهم، وانفلات عيار حكومتهم وعربدتها. ان الكاتب يدين موت آلاف النساء والأطفال مقابل الحفاظ علي مصالح اقتصادية وسياسية.

ومع موقف ألمانيا، منذ عام 1990، وقبل الحرب، يقف غراس ككاتب الي جانب الحل السلمي، لأن معارضته للحرب، ودعما للسلام (لن يضيعا هباء) كي يتساءل: ماذا حدث..؟ ان الحجر الذي دحرجناه الي أعلي، يجثم الان علي سفح الجبل. لابد أذن ان ندحرج الحجر مرة أخري، حتي لو انتابتنا الهواجس بأنه سيعاود الهبوط الي السفح بمجرد بلوغه الذروة. علي الأقل هذا الرفض، وهذا الاعتراف الذي لا ينتهي هما ما يتبقيان في استطاعة البشر)

هانس ما غنوس: دعوة للسلام

أما الشاعر والكاتب هانس ماغنوس، فلا يخفي شجبه للسلام الذي يمد بعمر الطاغية. يقول: ان نهاية حكم احد الطغاة، سواء كانت بفعل نهاية هيمنته علي السلطة أو بفعل موته، واحدة من المباهج الضئيلة التي يضمرها التاريخ. فالشاعر يذكرنا ــ باننا ــ بموت الطاغية ــ أي طاغية ــ قد نجونا! لأن حياة الطاغية لا تمثل إلا أن يري اكبر عدد ممكن بفعل ان يلقي هو نفسه قدره المحتوم. ويتساءل: أيحق للمرء أن يبتهج، أم لا يحق ذلك ؟ متابعا: إن لم تكن الصور التي شاهدناها حول الإطاحة بصدام مزورة بالكامل، فإنها تدعو للريبة. فالبهجة شعور لا ينبغي الاستسلام له.. كي لا يخفي دهشته (أمام ظاهرة دعاة السلام وهم يشاهدون بعض العراقيين، من يقف محييا غزاة وطنه!) فيقول: هذا ليس أمرا يصعب تفهمه، فليس هناك من يرغب في ان يكون عرضة للسخرية. ليذكرنا كيف كانت ألمانيا الشرقية دولة مستقرة لن تتزعزع أركانها. وكان الاتحاد السوفيتي عملاقا لا غالب له/ وكان البعض يري في حركة التضامن البولونية تنظيما معكرا للوفاق والتفاهم.. الخ ومرة أخري يذكرنا بما كان يتحدث عنه دعاة السلام، فكانوا يتحدثون عن بعض الوثائق تنذر بوقوع خسائر تبلغ (400000 ــ 200000) وهناك من يضيف الي هذه الأرقام خسارة ما يقارب (200000) من الأرواح بفعل النتائج غير المباشرة للحرب. لكن الحرب، يقول الشاعر الألماني، انتهت بوفاة (1300) ضحية مدنية ــ حسب اعتراف المصادر العراقية (الرسمية) ــ وحسب ما يقال بلغت خسائر الحلفاء بالأرواح(153) جنديا!

ويتطرق الكاتب الي محور (باريس/ برلين/ موسكو) فان الأمريكيين يتهمون هذا المحور بأهدافه المادية الجشعة (فتحقيق الإرباح هو الأمر المسيطر علي تحركاتهم) لافتا النظر الي مصالح ــ روسيا وفرنسا الاقتصادية العظيمة علي العراق ومصالح ألمانيا، حول عقود في تصدير التجهيزات العسكرية للعراق.. كي يستنتج بان بقاء الحصار علي العراق، ينسجم مع دعاة السلام، علي الرغم من أدانتهم المستمرة له. ولو تحقق فعلا ما كان يصبون إليه من منع للحرب، لبقي النظام ولدام الحصار!

إن الكاتب يعترف (ليس هناك ما هو اشد وطأة وأكثر كلفة علي المجتمعات من نظام شمولي. فما يقوم به هذا النظام لا يقتصر علي ما يلحق بالمواطنين من تعذيب وسفك دماء، الي جانب الخسائر المختلفة... ويضرب أمثلة (روسيا 1917/ ألمانيا 1933/ أسبانيا 1936/ إيران 1953/ الأرجنتين 1976/ يوغسلافيا 1991/ الخ) لذا يجد ان التطلع لإقامة نظام ديمقراطي في العراق: اقل واقعية من التعاطف مع النظام الإرهابي العراقي. كي يكتب: وبالتالي فحتي وان حقق الأمريكيون والبريطانيون المعجزات في العراق، فستظل هذه المعجزات، بمنظور البعض، دليلا علي خداعهم وسوء نيتهم.!

ان ذروة مقالة الكاتب تثير القضية التالية ــ وهي تعود الي عام 2003: لا يصب أعداء الحرب جام غضبهم وشديد كراهيتهم علي صدام حسين، بل علي جورج بوش الابن ــ وهذه في الواقع حقيقة تتطلب الشرح والتفسير.. فيقول: ان ذوي الشأن من المتطرفين اليساريين والإسلاميين والقوميين العرب لا يتحدثون عن الدكتاتور وأفعاله طواعية، ولكنهم وإذا ما سئلوا عنه فإنهم يرون ان بوش وصدام من طينة واحدة، لا بل يرون ان الأول، أي بوش، هو الأشد خطرا.

وعلي ما يبدو لم يستطع جل دعاة السلام ان يكتشفوا أسبابا كافية تحتم إنهاء النظام الإرهابي في العراق، وطبعا لا يعني هذا ان هؤلاء كانوا يدعون لذلك النظام بطول العمر، فزعم من هذا القبيل ينطوي علي مبالغة بينة: إن ما يؤاخذون عليه هو انهم كانوا يشهرون بكل خطوة تتخذ علي درب إنهائه من الوجود!

ومن أجل مراجعة للمقالين، تبقي قضية الحرب/ السلام، قابلة للجدل، وغير قابلة للدحض. إذا ما كانت الثقافة تتوخي الذهاب ابعد من انحياز المشتغلين فيها، ودورها الأحادي، في معالجة قضايا لا تنفصل عن الجوهر الإنساني، ومصائر بشرية مشتركة.. فالكاتب غراس، علي سبيل المثال، لا يترك للأمل مغزي يذكر. فالأقوي، بحكم عمل القوة في ذاتها، أو من اجل الآخر (له سلطة الحكم. الا يذكرنا غراس بمحاورة الفقير والغني السومرية حيث شكوي الأول لا تجد استجابة إلا في مواصلة تحمل الشقاء، لأن الآلهة ــ العدالة، منحت البشر سبل الخلاص لا سبل الشكوي وتكرار الأنين الأبدي. بينما لا يختلف ماغنوس الا في طريقة المعالجة. انه لا يستجيب لنداءات السلام مادامت ستترك القوة تعمل عملها عبر رموزها.

انهنا، عمليا، يرغبان بالعثور علي حل، ما، في سياق أقدم فعل تستعيده الذاكرة: هل كان القاتل الأول، طاغية، كي لا تتوقف كافة عوامل امتداد الأسطورة/ الضرورة/ وسبل مواجهتها. غراس أدان الشر الكامن في ظلم الأقوي... وماغنوس، بتفنيد عمل دعاة السلام، لا يغادر رؤية المصائر وهي تبرهن، إنها مازالت محكومة بعواملها. ان الكاتبين الالمانين، لا يصمتان، ولا يتفرجان علي نتائج المحنة أو أسبابها، بل هما، يذكرانا بدور (ما) للثقافة في تفحص معالم عصر لا يندحر فيه الطغاة فقط، بل تتذوق البشرية فيه مصائرها كاملة. لقد قال أنطوان تشيخوف ان الموت مؤلم جداً، ولكن ماذا عنه عندما يأتي قبل الأوان..؟ ان الحرب علي العراق، بعد دحض النظام الذي دام أكثر من ثلاثة عقود (لأن النظام ذاته كان بمثابة شكل وجد عوامله الدولية المعقدة ــ المعلنة والخفية) تفند إنها حصلت لبنية عالم خارج القوة، لأنها ما زالت تلد أشكالا لا تحصي للذنوب والفضائح.

 

عادل كامل - (ألف ياء)


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri