
هل
مات البياتي مسروقاً؟!!
بعد
مرور خمس سنوات على غياب أحد أهم رموز الشعر العربي في دمشق،
تهب الآن رياح هادئة، لتعلن عن موضوع حساس يتعلق بثروة الشاعر
عبد الوهاب البياتي.. وما إذا كان قد مات مسروقاً؟!
رياح
هادئة.. تتقدمها أسئلة حادة.
تفاصيل
متعددة عن المال الضائع للشاعر.
من
كان الجاني ومتى تمت الجناية؟
كم
كان المبلغ المفقود؟
من
كان آخر ندامى البياتي في السهرة الأخيرة قبل حصول الوفاة
في منزله الدمشقي؟
هل
كان البياتي يثق بأحد معارفه، الى الحد الذي يودع عنده قسماً
من أمواله؟
بل..
وهل كان اكتشاف البياتي لسرقة أمواله، سبباً في إصابته بالجلطة
التي أنهت حياته في مقبرة الشيخ محيي الدين عند سفح قاسيون؟
هذه
الأسئلة المحمومة وغيرها من الإشارات نحو مكامن الغموض، ستعطي
إجابات ما عن سرقة قتلت شاعراً بحجم البياتي.
من
هنا.. تحركت عائلة الشاعر عبد الوهاب البياتي للتشاور مع محام
عراقي كبير حول أسباب اختفاء تلك الثروة التي كانت بحوزة البياتي
قبل وفاته بأيام.
المحامي
المكلف بفتح ملف القضية، يعتقد انه من الممكن أن يكون فقدان
الشاعر البياتي لثروته النقدية تلك، هو الذي عرضه للذبحة
القلبية التي أودت بحياته في الثالث من آب أغسطس عام 1999،
فمات بعد اكتشافه لأمرها.
الشاعر
العراقي عبد الرزاق عبد الواحد، يحاول لصق السرقة بأحد أصدقاء
البياتي ممن كانت تربطه به علاقة مد وجزر. فكانت فكرة تعميم
أن يكون ذلك النديم الزائر هو اللص الظريف الذي ذهب بمال الشاعر
.وهي فكرة ما تزال متداولة في مجالس بغداد الأدبية على الرغم
من رائحة الموت التي تغلف العاصمة . ويركز عبد الرزاق عبد
الواحد على تلك الفكرة أينما حل وذهب بلاد الشام الآن!!
لكن..
ربما تتوفر معلومات أخرى عند أحدهم. خاصة الأشخاص الذين كانوا
على علاقته وطيدة بالبياتي في العاصمة السورية، فتكشف عن أن
البياتي كان مفلساً،وهو ما قد يغير مسار القصة كلها.
ولكن
أيضاً.. من الجدير بالذكر أن الأوضاع المالية للمرحوم البياتي
على حد تعبير عائلته كانت جيدة وفوق الريح. فقد جمع الشاعر
مبالغ ممتازة طيلة سني عمره كملحق ثقافي في الخارج تابع لسفارات
العراق قبل حدوث الطلاق ما بين الشاعر والنظام العراقي. وكذلك
نتيجة تمويل العديد من الأطراف له، من خلال الرواتب الثابتة،
ومنها ما قيل عن راتب شهري مقرر من الرئيس الكوبي فيديل كاسترو
نفسه. بالإضافة الى عائدات الجوائز والمكافآت الخاصة، مثل
تلك التي راحت تغدقها عليه المملكة السعودية بعد دخوله مهرجانات
الجنادرية، وكانت مبالغ مهمة، تحاشى تحديدها الدكتور بكر باقادر
مسؤول هيئة الإشراف على المهرجان المذكور.
علاوة
على ذلك.. فهناك نصف مليون دينار أردني قيل أن البياتي قبضها
من صهر الرئيس العراقي حسين كامل، أثناء فترة تمرده في الأردن،
مساعدة مشروطة، هدفها تنظيم صفوف الكتاب والأدباء والصحفيين
العراقيين المعارضين وراء حركته التمردية ضد النظام العراقي
آنذاك.
وكان
قد جرى أول لقاء بين البياتي وحسين كامل في العاصمة عمان على
العشاء في منزل السيد مشعان الجبوري وبحضور رئيس البرلمان
الأردني السابق السيد عاكف الفايز إضافةً إلى وجود شخصيات
عراقية أمثال صلاح عمر العلي وهشام الشاوي.
ومما
يؤكد صحة ذلك ربما، هو إعلان البياتي عن جائزة أدبية باسمه..
حيث يقدم معونات مالية لنشر بعض المجموعات الشعرية لبعض
الشعراء العراقيين ممن كانوا يعيشون في الأردن، بالإضافة لدفع
بعض النفقات لبعض الأدباء العراقيين ممن كانوا يعيشون ظروفاً
بالغة السوء في العاصمة عمان.
وبانضمام
أموال جائزة السلطان عويس الى راتبي كل من وزارة الثقافة السورية
وقيادة قطر العراق الشهريين الى ذلك، يكون البياتي مالكاً
لثروة لم تتحقق لشاعر آخر. خاصة وانه لم يكن باذخاً في حياته،
بعدما اختار من الأمكنة ما يوفر عليه الكثير من المال والتفكير
.
وعلى
الرغم من هذا وذاك.. فان المحامي الذي تتكتم العائلة على
إعلان اسمه لأسباب كثيرة، سينتقل من بغداد إلى العاصمة السورية
دمشق لملاحقة رائحة ((الحرامي)) الذي نال من أموال البياتي،
فأتى على قبض روح الشاعر في تلك الليلة الغامضة.
لا
أحد يعرف عن الحقائق شيئاً. في بغداد لغط كثير فيما يتعلق
بهذه القصة. وقد تنكشف في التاريخ القريب فصول جديدة عن ثروة
البياتي، وأين ذهبت، سواء قبل وفاته أم بعدها.
هادي
الصالحي / بغداد - خاص بالإمبراطور - 28.09.2004
نص
مستعاد
دم
الشاعر
عبد الوهاب البياتي
(
1 )
صوت
الشاعر فوق نحيب الكورس يعلو,
منفردًا,
منحازًا ضد الموت وضد تعاسات البشر الفانين,
بنار
سعادته السوداء يجوب العالم, منفيًّا يتطهر,
لا اسم
له, وله كل الأسماء, بقانون أزلي يتحول,
يقتل
هذي الوحشة, يقضي بالشعر عليها,
كم هو
شرير أن يسكنك الشعر: (إلهي, بين يديك أنا قوس, فاكسرني),
ومحب
محبوب, فاهجرني, كم هو شرير هذا الحب القاسي,
لا اسم
له, وله كل الأسماء,
فتيًّا
كالريح على أبواب المدن المسحورة يأتي أو لا يأتي,
كرماد
حريق يتوهج في قلب الشاعر منطفئًا أو مشتعلاً,
يولد
مبتورًا أو مكتملاً ينمو في أدغال النفس الوحشية
طفلاً
يحبو في أصقاع النور, ليشعل نار الإِبداعْ.
( 2
)
كم
هو شرير أن يسكنك الشعر ويعلو صوتك فوق نحيب الكورس, منفردًا,
يأخذ بالألباب.
(
3 )
ينخرُ
سوس الكلمات
الكتب
الصفراء
فعلامَ
الضجة في سوق الورّاقين, علامَ يزايد هذا الوزّان?
(
4 )
وزنتك
يا وزّان الشعر, فكنت خفيفًا في الميزان
(
5 )
نائية
تلك الأرض, ربيع يزهر فيها وهو مريض,
يُجبر
أن يتفجر موسيقى وزهورًا حمراء وأمطارًا,
وعليها
يتأوه تحت ضياء المصباح الزيتي وتحت الأيقونات,
وحيدًا
مهجورًا عمرُ الخيام; وعائشة تبحث عن وجهي
في مرآة
الزمن المكسور معلِّقة رأسي فوق خيام قبيلتها نذرًا للطير,
ربيع
شهوانيٌّ أسودُ في عينيها يدعوني;
وأنا
في القرن العشرين, بنار صواعق حبي أدعوها,
كمجوسيٍّ
يهذي في أعياد الجسد الأرضية تحت الأقمار السبعة;
في بار
إغريقي, أدفن وجهي في نار ضفائرها الحمراء وأرقص حتى الفجر,
أقول
سلامًا للنار (ولكن النار)
تأخذ
شكل العنقاء, وتصبح عائشة في الفجر رمادًا
وتطير
إلى أرض أخرى, بين يديك أنا قوس,
فاكسرني,
ومحب محبوب, فاهجرني;
كم هو
شرير هذا الحب القاسي, لا اسم له, وله كل الأسماء.
(
6 )
رجل
بالموت مضاء, قلق, تحبسه أعمدة ووهاد وجسور,
يركع
في منتصف الليل أمام العنقاء. هنالك عاصفة تعوي وتزمجر عبر
البار الإغريقي.
- علينا
أن نسرع
- فات
الوقت
- البرد
شديد في الشارع
- لا?
- ماذا
تكتب أنت الآن?
- معذرة
لا أكتب شيئًا, بل لم أكتب منذ انتحرت عائشة أو رحلت, فالموت
فراق,
والعكس
صحيح أيضًا, والشاعر إنسان مثلي أو مثلك, لا تاريخ له, إلاّ
تاريخ الروح.
يمد
الرجل المسكون بضوء الموت يدًا لصديقته ويُسرُّ لها شيئًا,
يضحك.
تبكي. عائشة في المرآة بنار ضفائرها الحمراء ترقص حتى الفجر,
تقول سلامًا, للنار.
(
7 )
ما بين
الشاعر والكومبارس
هذا
الباب المغلق والمتراس.
(
8 )
بدم
الشاعر, هذا الحب القاسي, يكتب تاريخ الروح.
[ من
ديوان (مملكة السنبلة) ]