
لمناسبة
صدور أنطولوجيا الشعر المغربي
للشاعر عبد اللطيف اللعبي:
قناصة
نحن فعلا، لكن للحب
أنجز الشاعر
المغربي عبد اللطيف اللعبي، المقيم بباريس، أنطولوجيا شعرية
باللغة الفرنسية، حاول من خلالها رصد التجربة الشعرية المغربية
منذ الاستقلال إلي اليوم، كما حدد ذلك في عنوان كتابه. وقد
ضمت هذه الأنطولوجيا واحدا وخمسين شاعرا وشاعرة يمثلون نماذج
من الأجيال ولغات الكتابة بالمغرب، التي حددها المؤلف في
اللغة العربية، العامية، الأمازيغية ثم اللغة الفرنسية.
الأكيد أن
هذا العمل الصادر عن دار لا ديفيرونس للنشر، والذي جاء في
270 صفحة من القطع المتوسط، يمكننا اعتباره نافذة ثانية
في طبعتها الفرنسية، بعد النافذة الأولى العربية التي سبق
للشاعرين مصطفي النيسابوري وصلاح بوسريف أن أنجزاها باسم
بيت الشعر بالمغرب في وقت سابق. كما يمكننا اعتبارها، وبكثير
من الأريحية، إضافة جديدة ستدعم، ولا شك، المشهد الشعري
المغربي، وتعرف به علي نطاق أوسع.
لقد استعملت
كلمة نافذة بخلفية التأكيد علي حدود مجال الرؤية التي يمكن
أن يتيحها هذا العمل كزاوية للنظر وللاطلاع علي هذا المنجز
الشعري، وهي الزاوية / النافذة التي تبقي دائما محكومة بالجزء
وليس الكل، وبالانتقائي وليس الموضوعي الذي يفرض، بطبيعته،
الانحياز إلي تحكيم القارئ والمراهنة علي ذكائه، عوض توجيهه
بقناعات وتصنيفات مسبقة قد تكون فاقدة لأي رائحة إجرائية.
وأنا أستحضر
كل ذلك، أتذكر طبيعة النقاش الذي أثاره المنجز الأول العربي
والذي لم يكن مساندا كليا لضيق مجال تلك النافذة، لما ميزها
من انتقائية معيبة، في نظر المنتقدين، والتي كانت نتيجتها
تغييب شعراء كثيرين من عمل كان عنوانه يشي بشيء أكبر منه.
لذلك، وحسب النظرة الأولية للنافذة الثانية الفرنسية، وبعد
قراءة الحوار الذي أجراه الشاعر المغربي عبد الإله الصالحي
مع صاحبها عبد اللطيف اللعبي بجريدة القدس العربي أخيرا
علي خلفية هذا الإصدار، يمكن أن نقف عند نفس الملاحظات التي
لا حقت العمل الأول.
فقلد حاول
الشاعر اللعبي، من خلال تقديمه لعمله، أن يوضح الخلفيات
والأبعاد التي دفعته لإنجاز هذه الأنطولوجيا ، وكذا المجهود
الذي بذله ليكون عمله هذا يملك من الموضوعية ومن الإحاطة
ما يجعله يعطي نظرة وافية وملمة بمنجز القصيدة المغربية
المعاصرة. والحال أن طموحا كهذا كان يفترض في الشاعر أن
يكون لديه بعض السخاء المعرفي يخصص بموجبه هامشا، ولو هامشا
أقول، للاختيارات الشكلية التي وسمت القصيدة المغربية الحديثة،
والتي كان لها تأثيرها الكبير في صياغة التراكم الشعري الحاصل
اليوم.
فالأكيد
أن أية تجربة شعرية كيف ما كان شكلها وكيف ما كانت لغة كتابتها
لا تنبثق هكذا بضربة شمس. فالمسألة، كما تعلمنا ذلك في الدروس
الأولية، هي نتاج لصراعات واحتكاك أشكال وتجارب ورؤي وأجيال،
لم تكن لتحسم في شكل من الأشكال أو أن تكرس أسماء دون أخري
لولا هذا المجهود المعرفي والشعري الذي رافق الكتابة الإبداعية
منذ اكتشافاتها الباكرة. لذلك، فإن اعتبار الشاعر اللعبي
الخوض في التعريف بمثل هذه النقاشات هو كلام فارغ ومضيعة
للوقت... وبالتالي قد يشوش علي القارئ الغربي وتضيعه في
متاهات هو في غني عنها قد لا يمكن فهمه، إلا بكونه هروب
إلي الأمام، وبالتالي محاولة للتنصل من الإجابة عن سؤال
/ أسئلة قد تفيد نفس القارئ الغربي الذي يحرص الشاعر اللعبي
علي حياديته وعلي صفاء ذهنه.
أما بخصوص
خلفية اختيار الأسماء الواردة في هذا العمل، فحديث الشاعر
اللعبي عن استحالة تحقيق الموضوعية المطلقة... أمر معقول
وفيه غير قليل من الانسجام، علي اعتبار أن الأمر، كما لمح
إلي ذلك، يبقي مرهونا بانحياز شخصي تمليه الضائقة الشعرية
للكاتب وميولاته الفنية وحدود اطلاعه علي منجز الشعر المغربي
الحديث خاصة. لكن ما لا يمكن فهمه بيسر هو حديثة عن حرصه
علي اختيار القصائد التي يمكن أن تعبر إلي اللغة الفرنسية
بيسر وبأقل الأضرار الممكنة من دون أن تفقد رونقها وخصوصيتها
(هكذا). فإذن، الحكمة ليست في شعرية أو جودة أو حتي خصوصية
نصوص أصحاب الحظوة، ولكن في يسرها أو عسرها علي الترجمة
فقط لا غير، وهذا أمر نعتبره ممارسة تعسفية تساهم في إفراغ
التجربة الشعرية، علي الأقل للشعراء الذين وقع عليهم الاختيار،
من قيمتها الإبداعية الحقيقية التي قد تكون حاضرة وبقوة
في غير تلك النصوص التي شملتها الترجمة (وبالمناسبة، ذلك
ما عبر عنه بعض الذين ترجمت نصوصهم، لأنهم كانوا يحبذون
نصوصا أخري غير تلك التي ترجمت).
وفي جواب
عن استبعاد بعض الأسماء، يرد الشاعر اللعبي بكونه لم يستبعد
أحدا هكذا وبلغة جازمة وقطعية، وكأن من شملهم اختياره هم
فقط من يساهمون في إثراء التجربة الشعرية المغربية الحديثة،
وما عداهم لا يستحقون حتى الإشارة ولو من قبيل أن هذا العمل
هو فقط مختارات من المشهد الشعري المغربي، وليس عملا شاملا
يرصد تجارب كل الأسماء الشعرية المغربية المواكبة والتي
لها حضور شعري مكرس.
وعلي هذه
الخلفية الانتقائية دائما، يذهب الشاعر اللعبي أبعد من ذلك
حين يعطي لنفسه الحق في وضع بعض المقارنات التي لا تستقيم،
حين يضع تجربة الشاعر علال الحجام، وهو شاعر سبعيني له ما
يكفي من الحضور والتميز بين شعراء جيله من المكرسين، جنبا
إلي جنب مع تجربة الشاعر مبارك وساط، وهو أيضا شاعر مُجيد
ومتميز، مما يعتبر إساءة للشاعرين معا، علي اعتبار أن لا
قاسم فنيا يجمع بينهما، إذا ما استثنينا كونهما يكتبان الشعر
وليس شيئا آخر، كما لا يمكن فهم شروط المفاضلة التي أراد
اللعبي فرضها علي قراء عمله المفترضين بين شاعرين كل واحد
منهما له صوته الخاص به وأسلوبه في الكتابة وفي التعاطي
مع الذاكرة الشعرية الإنسانية. فالأكيد أن إجراء كهذا ومن
طرف شاعر (يا حسرة) يفتقد إلي كثير من الحس الشعري حتي لا
يسوقنا اللسان إلي قول شيء آخر.
وفي حديثه
عن السبب في عدم إدراج إسم محمد حمودان بـ الأنطولوجيا،
وحمودان بالمناسبة شاعر تسعيني مقيم بباريس له ديوانان شعريان
باللغة الفرنسية، وسبق للشاعر اللعبي أن قدم له أحدهما،
يقول بالحرف الواحد في سياق الحوار محمد حمودان كان قد نشر
ديوانين عندما كنت بصدد وضع اللمسات النهائية علي مشروع
الأنطولوجيا. لهذا فضلت مثلا رشيدة المدني بدل حمودان وأنا
أتحمل مسؤولية اختياري. بمعني، أن السبب في اختيار رشيدة
المدني هو كون حمودان قد نشر ديوانين مثلا! (ولقارئ هذه
المقالة أن يفهم، إذا كان هذا التفسير مقنعا بطبيعة الحال).
ثم يضيف: وليس هناك حمودان فقط، فقد استبعدت شعراء آخرين
يكتبون بالفرنسية منهم علي الصقلي وعبد الله بونفور وشعراء
آخرون ، هذا في الوقت الذي سبق له أن أشار، قبل هذا الجواب،
بأنه لم يستبعد أحدا! مشددا، في سياق لاحق، علي أن توفير
أنطولوجيا شاملة (وأنا أقف هنا بعض الشيء عند كلمة شاملة!)
عن الشعر المغربي، يعني حضورها في الساحة الشعرية العالمية
ولفت الانتباه إليها... إلخ.
وبهذه الخلفية
الانتقائية، مرة ثانية، يوضح الشاعر اللعبي، بخصوص الأسماء
المغيبة، ويقول بالحرف الواحد بالنسبة للأسماء الأخري، أعود
وأذكرك بأنني حر في اختياراتي وبأن الأسماء التي وردت في
الأنطولوجيا تعبر عن اتجاهات شعرية وليست فقط تجارب شخصية
. وهنا نود أن نسأل الشاعر اللعبي بدورنا عن مفهومه لـ التجربة
الشخصية ؟ وهل التجربة الشخصية يمكنها أن تكون عائقا في
تشكيل وعي جماعي ومشترك مع تجــارب مماثلة في صياغة اتجاه
شعري خاص بها ككتابة وكخصوصية؟ وهل مفهوم الاتجاه الشعري
لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق الكتابة التي تعكس الهموم
والانشغالات الجماعية كشرط للإبداع؟ ألا يمكن اعتبار الكتابة
الشخصية جزءاً لا يتجزأ وغير منفصل عما يمكن أن تعيشه وتحياه،
كتجارب وكنمط حضور، كائنات أخري قد تكون متفرقة في هذه الأرض
الواسعة؟ وكيف يمكن قراءة تجربة السجن، التي ذقت قساوتها،
علي سبيل المثال لا الحصر، بما هي سلب للحرية وتجريد للإنسان
من إنسانيته، أليست تجربة شخصية يتطلع من خلالها الذي عاني
منها إلي البحث عن نقط الشبه والالتقاء مع من يفترض أنهم
عاشوا مثلها ولو في ظروف وسياقات مختلفة؟ ألا يمكن اعتبار
ما أسميته بـ التجربة الشخصية، والتي جاءت في سياق حديثك
محملة بغير قليل من الاستهانة والدونية، نوعا من التميز
عما هو سائد ونمطي ومشترك؟
إنها فقط
ملاحظات وأسئلة بيضاء، أتمني أن يتسع لها صدر الشاعر الذي
فيك، عوض استباق الاحتمالات الممكنة وغير الممكنة، كتلك
التي تصورت بموجبها بأن ثمة قناصة ينتظرونك عند المنعطف!
حتي بدا الأمر كما لو كنت تكابد إحساسا مريرا بكونك ارتكبت
جرما في حق غيرك. من المفروض أن يكون بالك مرتاحا لأنك قمت
بمجهود أنطولوجي تحترم عليه، ثم لأن الأمر لا يتعلق باقتسام
تركة أنفاس أو غيرها من التجارب التي كانت ذات يوم وذهبت
إلي حال سبيلها، أو تصفية حسابات متوهمة (ليست في رأسي أنا
علي الأقل، كما أنني لست معنيا بها حتي وإن وجدت).
عزيز أزغاي
/ شاعر من المغرب