حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

ظلم الأقوى ام عدالة الضحية؟

نشرت مجل (ديوان) مجلة الشعر العربي والالماني في عدد 6 تشرين أول 2003 رأيا للكاتب الألماني غونتر غراس الحائز على جائزة نوبل عام 1999 ويبدو انه كان قد خصصه لإعطاء رأي موجز بما جرى ويجري في العراق بعد سقوط الدكتاتورية

في نص مقالي حمل عنوان (محاولة في الحوار) ونظرا الى ان هذه الآراء تعبر عن محاولة غونتراس أن يقدم تصوره من وجهة نظر ألمانية حول كون واقع حال ما جرى في العراق يثير تحفظه وهو بالتالي يتبرع بتقديم جملة من الاعتراضات والنصائح والملاحظات التاريخية فأنني أود ان أتناول ما جاء به بدقة اكثر وصبر وروية وسأقوم بالتعقيب على ما قاله مقعطا بمقطع اذ يستهل الكاتب الألماني الكبير كلامه بالمدخل التالي (لقد اندلعت حرب كان مخططا لها منذ وقت طويل،وضاعت سدى كل النداءات والتحذيرات التي أطلقتها الأمم المتحدة وصدر الامر الى األة عسكرية هائلة الجبروت بشن هجوم وقائي مناف للقانون الدولي ،ولم تجد الاعتراضات سوى اذان صماء بل قوبل التصويت في مجلس الأمن باحتقار وسخرية باعتباره عديم الجدوى ص ـ 052.

ويؤكد هذا الرأي بما لا يقبل الشك مدى تضامن غونتراس مع النظام الدكتاتوري القائم انذاك والذي كان هو بدوره رافضا للحرب عليه تحت ذريعة الشريعة الدولية ومجلس الأمم المتحدة متناسيا ما قام به هو شخصيا وبرعاية القائد نفسه الذي لايتغير ولا يتبدل عندما قام بغزو الكويت وقتل أبناءها واستباح عرضها وأرضها وسماءها في 2 أب 1990 وقد قوبلت كل النداءات والتحذيرات التي أطلقتها الأمم المتحدة سدى ولم يمنع النظام الدكتاتوري القائم آنذاك من (إصدار الأمر الى آلة عسكرية عربية هائلة الجبروت يشن هجوم غاشم لا مقدمات فيه على دولة صغيرة امنة هي الجارة الكويت اذا ما اخذنا بنفس سياق كلام غونترغراس نفسه الذي يواصل كلامه قائلا (بدءا من العشرين من مارس اذار 2003 لم يعد يسري الا قانون الأقوى واستنادا الى هذا القانون الظالم يمتلك الاقوى السلطة لشراء الراغبين في الحرب ومكافأتهم واحتقار عدم الراغبين فيها بل ومعاقبتهم ص 52 من المجلة.

وهذا الكلام لا يختلف عن القول بأننا كشعب عراقي نستطيع ان نؤشر انه بدءا من 17 تموز من القرن الماضي لم يعد يسري في العراق الا قانون الأقوى واستنادا الى هذا القانون الظالم يمتلك الاقوى السلطة لشراء الراغبين واجبار غير الراغبين على تاييد الفكر الواحد والقائد الواحد والقرار الواحد بضرب القوى الوطنية العراقية وحرث الارض للمقابر الجماعية وبناء السجون لنكتب عليها شعار وحدة وحرية واشتراكية ويكون العقاب قائم على عدالة التوزيع بين كل ابناء شعبنا العراقي الذي لا يجيد قطعا اللغة الألمانية!

ويواصل غونترغراس كلامه بذات الدقة والموضوعية ليقول (ان مقولة الرئيس الأميركي الحالي: من ليس معنا فهو علينا) تخيم على كل ما يحدث الآن كصدى ات من العصور الهمجية ص 52.

ولا يعلم غونترغراس بأن شعارا كهذا الذي استخدمه الرئيس بوش القائل (من ليس معنا فهو علينا) انما يعود تاريخ تاليفه والعمل به الى بداية السبيعنيات بالتاريخ العراقي والذي جاء معززا بـ(نفذ ثم ناقش) و(كل العراقيين بعثيون وان لم ينتموا) وغيرها فهو لم يكن دليلا على ان ما يحدث الان كصدى ات من العصور الهمجية.

بتعبير غونترغراس وانما هو ات من العصر الهمجي الدكتاتوري التي سوغ بحماقاته وسوء تقديره للإنسان والتاريخ ما ذهب ضحيته شعب باكلمه وهذا ما يؤكده غونترغراس نفسه قائلا (ليس غريبا اذن ان تتقارب المفردات التي يستخدمها المعتدون مع مفردات لغة الأعداء) وهذه الجملة تؤكد بان روح العدائية ستبقى واحدة الا ان هناك عدوانا على معتد وعلى طاغية وسفاح وهناك عدوان اخر هو على الانسان نفسه او على ضحية او بريء ولكن غونتراس يفكر بدءا بانطلاقة من مبدأ كراهية الحرب ونحن اكثر الشعوب في العالم كراهية لها ولم يمنع ذلك قيام الدكتاتورية بها بمناسبة وبلا مناسبة.

وفي الوقت الذي يقول فيه غونترغراس كلاما قاسيا على اميركا قائلا (نشاهد الانهيار الاخلاقي للقوة الوحيدة في العالم وتسيطر علينا الهواجس بان لهذا الجنون المنظم عاقبة اكيدة : المزيد من الارهاب الشامل ومزيدا من العنف والعنف المقابل نفس الصفحة.

يعود غونترغراس يتساءل مستدركا (هل هذه هي الولايات المتحدة التي نحتفظ لها نحن الالمان بذكرى طيبة ولاسباب عديدة؟ البلد الذي مول بسخاء مشروع مارشال لاعادة بناء المانيا الغريبة؟ هل هذه هي الولايات المتحدة التي كانت لسنوات طويلة المعلم الحليم لمادة الديمقراطية .نفس الصفحة.

وعبر هذه التساؤلات يؤكد غونترغراس الطابع البناء للولايات المتحدة الا انه يعيب عليها ان تقدم مساعدات عسكرية لشعب لم يعد قادرا على الحفاظ على ابسط متطلبات حياته شعب يقتل بالالاف من اجل مسيرة عسكرياتية هي اشد ضراوة فان غونترغراس هنا،يشيد بمساعدة اميركا لشعبه المانيا الا انه لايرغب بان يتفهم لماذا؟ وكيف؟ وتحت اي ظروف قاهرة وقعت الحرب التي لم يكن يفضلها الشعب العراقي ولم يكن يجد بديلا عنها كذلك!؟

والأغرب من ذلك فان غونترغراس يتحدث عن مشاعر الشعب الاميركي وينظر الى تلك المشاعر بمزيد من الرقة والانسانية دون ان يفكر بالاسلوب ذاته بمشاعر الالاف من العراقيين الذين لم يسمعوا ذات يوم بشخص غونترغراس الحائز على جائزة نوبل او على جائزة الحياة والحرية عندما كانوا يقتلون بالالاف ويقبرون وتقطع اذانهم ولم يفكر اي كاتب عربي او أجنبي او أعجمي على تعريض مصالحه للخطر من اجل كلمة طيبة او رحمة واجبة او حتى شفقة انسانية !

وهكذا يعبر غونترغراس عن مشاعره المخلصة للاميركيين قائلا (ان قطاعا واسعا من المواطنين الاميركيين الذين يحبون بلادهم ينتابهم السخط عندما يرون انهيار قيم وطنهم وانفلات عيار حكومتهم وعربدتها .ص 53

ومع ذلك فان غونترغراس يفسر ما حدث بهذا الاسلوب الشفاف والسريع عندما يتطرق الى (صدام) بجملة واحدة وبالشكل التالي(كلا ليست معاداة اميركا هي ما تضر بسمعة هذا البلد (اي اميركا) ليست الدكتاتور صدام وليست بلاده التي نزع منها معظم اسلحتها هي التي تهدد معظم قوى الارض انه الرئيس بوش وادارته الذين يعملون على انهيار القيم الديمقراطية ،انهم هي الذين يلحقون الضرر ببلادهم ويتجاهلون الامم المتحدة ،ويرعبون العالم بحرب منافية للقانون الدولي.ص 53

ويبدو ان غونترغراس هنا يريدنا ان نحرر العالم من الدكتاتورية بطبلة من صفيح ،فهو لايفكر باضرار (صدام) وما احدثه من ويلات وكيف لم يطلع على مجازره وخروقاته وحماقاته ولم تمكن صدام من امتلاك اسلحة دمار شامل لما وجد بلدا امنا ولازهرة ولاماء ولاغيمة وصحراء .. ان ما يفكر به غونترغراس انما ينم عن انانية مطلقة صحيح ان ما فعلته اميركا ليس هو الحل الصحيح لكنه وعلى رأي لاينتز انما هو افضل الحلول الممكنة ومع ذلك وبالرغم من ذلك فاننا نقوم الان بالعراق كشعب وكمثقفين كذلك من الاستفادة بما جرى لنا في السابق ونحن ما زلنا نؤسس بقوة ما بعد الياس الدولة العراقية الجديدة وان وجود قوات التحالف في العراق انما هو وجود مؤقت وعندما يصار الى تحقيق دستورنا العراقي الجديد وبناء قواتنا المسلحة الوطنية حينها لن نتردد في احلال سيادتنا كاملة والشعب الذي عاش عصورا من الظلام لن يفرط ابداد بشمعة واحدة.

واخيرا شكرا لك ايها الكاتب الألماني الكبير الذي وصل بك الكبر الى درجة انك لا ترى ابعد من نظارتك الطبية وأنت في محاولتك هذه لفتح الحوار إنما اثبت لي على الأقل صحة المثل القائل.

ما حك جلدك مثل ضفرك (حتى ولو كان ذلك ظفر غونترغراس الذي يتحسس جائزة نوبل ويحك أشدائها كل يوم.

 

خضير ميري - الصباح - 06.04.2005


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri