باعة
النقد المتجولون!
عندما يجري
تصنيف النقاد ولو علي صعيد اجرائي، يتصدّر القائمة أكاديميون
ويليهم مشتغلون في الصحافة الثقافية، ونادرا ما يحظي الناقد
الموسوعي العصي علي التصنيف باهتمام يليق به، لأن للأكاديمي
معيارا صريحا يمكن الاحتكام اليه، والصحافي المشتغل في النقد
والعرض والمتابعة سرعان ما يجد نفسه كالمنبت الذي لا أدبا
أبقي ولا صحافة بلغ!
ما اعنيه
بباعة النقد المتجولين يتجاوز المعني والدلالات المباشرة
لهذا الوصف، وان كان هناك أكثر من مشترك واحد بين البائعين،
كلاهما يبدل زبائنه كل يوم، ويعيش من وجبة الي وجبة بلا
استراتيجية او مشروع، او رؤية تستشرف الآتي، وقد لعبت ثلاث
هجرات عربية ـ عربية علي الأقل دورا أساسيا في افراز هذه
الشريحة من النقاد المتجولين، الذين يحملون علي عرباتهم
عروضا وقرارات جاهزة، كل ما في الأمر ان هناك فراغات للأسماء..
وعناوين الكتب، وقد لاحظت مؤخرا بفضل التجوال المتكرر في
الوطن العربي، ان هناك نقادا يلبسون لكل قطر لبوسه، وكأنهم
يبررون بهذا التأقلم الخادع اسباب أقامتهم في هذا البلد
العربي او ذاك..
فمن عاش
منهم أعواما في الأردن مثلا، لم يكتب عن المكان والزمان
والخيال والصورة لدي اي شاعر او كاتب من البلد الذي اقام
فيه، لكنه ما إن غادر المكان حتي استبدل الزبائن، وهذا بحد
ذاته نمط إنتاج ثقافي جديد، يمكن تسميته بشكل اولي نمط انتاج
الهجرات الموسمية، ولم يسلم حتي الأكاديميون الذين حكم عليهم
بالتجوال بين الجامعات العربية ومن خلال لعبة الأواني المستطرقة
من هذه العدوي، فما يكتبونه من نقد او متابعات او تبشير
عبر مقدمات تسويقية عديمة الصلة بالنقد مرتهن للمكان الذي
يجدون أنفسهم، والأذى المزدوج الذي ترتب علي نمط الإنتاج
الثقافي هذا، هو أن الناقد العارف بتضاريس الثقافة وتمايز
القامات في بلده، لا يقول شيئا عن ما يعرف، لكنه يحاول قول
كل شيء عن ما لا يعرف، خصوصا اذا اجتذبته الفخاخ، التي غالبا
ما تستدرج ذوي حاسّة الشم المدرّبة.
***
ان من قالوا
بأن النقد إفراز حضاري وذهني اشد تعقيدا من الإبداع، كانوا
علي حق، لأن المفاضلة قدر تعلقها بالنقد الكلاسيكي تتطلب
دراية معمّقة بالمنجز الإبداعي، والصعود الي منصة القضاء
وإصدار الفتاوى النقدية يشترط فائضا من المعرفة، فالنقد
يحلل ويفكك ولا يركّب، او يلفّق، وان لم يكن علي قدر أهل
العزم، فان الحصيلة تكون ثرثرة او كلاما يتناسل من بعضه
علي هوامش المتون!!
وقد أصبحت
عبارات مستعملة من طراز هذه المجموعة تكتسب أهميتها من كذا،
او تلك الرواية تمتاز بكذا معممة، وتطفو علي سطح بحر من
الحبر، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ ـ رغم فظاعته ـ فقد
أصبح لدينا ما يسمي قصيدة القصائد ورواية الروايات وقصة
القصص.... لأن أدبيات المفاضلة لا بد ان تنتهي الي هذه الهرمية
المعكوسة!
وقد أضرّ
باعة النقد المتجولون بالعديد من المبدعين العرب في مختلف
ميادين الكتابة، مما دفع البعض منهم الي رصد كل ما يكتب
عنه حتي لو كان صمتا ثرثارا في صحيفة واصداره في كتب علي
نفقته، لأن حالة الشلل السري التي يستشعرها تتطلب مثل هذه
العكازات، وقبل فترة قصيرة قرأت اكثر من عشر مقالات ضمها
كتاب واحد عن أحدهم، ووجدت ان تلك المقالات تتغذى علي النصوص
التي تنقدها او تقدمها، وتفقرها ايضا، لأنها عزلاء من اية
جماليات يمكن الأركان اليها وان كانت مدججة حتي النخاع بمعجم
الاطراءات المجانية!
فمن يضحك
علي من في هذه الحفلة التنكرية وهذا الكرنفال النقدي؟
نمط الإنتاج
النقدي الجديد قد لا يكون اقتصاديا علي نحو مباشر ووفق التقسيمات
الكلاسيكية لأنماط الإنتاج ومنها النمط الآسيوي بالمعني
الذي عالجه ماركس مثلا، لكنه لا يخلو من جذر اقتصادي، ما
دام الأمر يتعلق بالحاجة وبالبحث عن أجر سواء كان ماديا
مباشرا او معنويا ذا بعد اجتماعي او سياسي!
وقد سمعت
مرارا من مبدعين عرب كبار، مثل محمود درويش وأدونيس وسعدي
يوسف أنهم لم يقرأوا نقدا يعتدّ به عن منجزاتهم، رغم وفرة
ما كتب عنهم، والأطرف من هذا ان بعضهم قال بأنه لم يستطع
إكمال قراءة كتاب أو أطروحة أكاديمية حول شعره.
فما الحكاية؟
وأين هو النقد الذي يعوّل عليه لغربلة كل هذا الزؤان وبعض
هذا القمح؟
باعة النقد
المتجولون غالبا ما يعزفون عن زبائن لهم دراية بالبضاعة
المعروضة، فهم شغوفون باصطياد زبائن من طراز آخر، قد يغريهم
الأكثر والأوفر والأرخص، بحيث يعودون الي بيوتهم بأكياس
منتفخة حتي لو كان الدّود جزءا من الحمولة!
**
نعرف ان
حكاية النقد العربي منذ البواكير الجاهلية كانت أمثولة في
الانحياز، والخشية من العقاب اذا كان الحكم لا يروق لصاحب
النصّ، فقد دفعت أم جندب حياتها الزوجية وعوقبت بالطلاق
لأنها فاضلت بين قصيدة لأمرئ القيس وعلقمة الفحل، ومن يدري؟
لعلّ من عرفوا تلك الحكاية تلقحوا بها ضد الموضوعية والجهر
بالحقيقة،
من هنا نستطيع
أن نفهم لماذا كتب الكثير من النقد عن شعراء وروائيين من
ذوي المناصب الرسمية، ومن حقنا ان نتساءل اليوم عن هؤلاء
الذين قتلوا شعر شفيق الكمالي نقدا، أين هم وأين الشعر الذي
اجتذبهم كما تجتذب قطعة الحلوي الذباب؟
ان النقاد
العرب الذين يتشبثون بالجمر، ويجازفون بالاخلاص لمهنتهم
قليلون، ومهجورون ايضا لأنهم لم يجيدوا فن الصفقات السريّة
بين الكاتب والمكتوب عنه، هؤلاء نادرا ما نعثر عليهم في
مهرجانات ولقاءات موسمية، لكننا بالتأكيد نعثر علي حصيلة
كدحهم ونتعلم منهم الكثير من خلال ما يكتبون، حتي لو كانت
كتاباتهم أسيرة منابر محدودة التداول، ولا تفتح لها ابواب
الحدود علي مصاريعها!
ولا ندري
لماذا اصبح قدر النقاد الأكثر شهرة وخبرة في شيخوختهم ان
يودعوا العمر بمقدمات غالبا ما تكون صكوك براءة لمؤلفات
نيئات! فهل نحصد حتي من خلال هذه الظاهرة نتائج كبت متعدد
الأبعاد؟ وما يشبه تسديد المديونيات بأثر رجعي؟
نفهم مثلا
ان بعض النقاد يتصابون، بالمعني الفكري، بحيث يريدون ان
يتداركوا ما فات وان يقبضوا علي شيء من الجديد حتي لو كان
ذيله فقط، لكن التصابي الآخر وذا الهاجس الجنسوي هو ضرب
من الانتحار العقلي، وتوظيف الخبرة من أجل المزيد من الفجاجة
!
***
آخر صرعات
النقد المعروض علي العربات هو ما اكتشفه بعض الشعراء مؤخرا،
وهو أن يكتبوا بين موسم وآخر أو مهرجان وآخر مقالات انطباعية
أشبه بما كان يسمي أدب الرسائل، وهذا المستوي من النقد المُداجي
والاسترضائي الذي لا يتجاوز تدليك النرجسيات البريّة وغير
المروّضة بتثقيف الذات، بات مفضوحا وبلا أية ورقة توت او
زيتون !
قبل خمسة
عقود كان الشعراء العرب الحديثون والمحاصرون بإرهاب الاتباعيين
وتكفيرهم والنيّل من وطنيتهم، يكتبون عن بعضهم، من أجل ترسيخ
حساسية جديدة، وكان بعضهم ينقد البعض الآخر بصرامة لا حدود
لها، نذكر علي سبيل المثال ما كتبه انسي الحاج عن البياتي
او ما كتبه كاظم جواد وبلند الحيدري وآخرون!
لقد كانت
كتابة الشعراء عن الشعراء تجربة بالغة الأهمية لأنها كتابة
من الداخل، ومن العمق وبها قدر كبير من التصادي ، أما الآن
فقد يتجاهل شاعر عشرات الدواوين ومئات القصائد التي ينشرها
زملاؤه، لكنه يقرأ بالمجهر نصا متواضعا لأحد اولي الأمر
من رعاة المهرجانات، او المشتغلين في إدارة الثقافة لا الثقافة!
يعزّ علينا
ان نبقي في نطاق هذا التجريد، لكن التواطؤ الذي تحول الي
ناموس سائد في ايامنا وفي ثقافتنا يحول أحيانا دون التورط
بالتسميات، خصوصا بعد أن سمعنا عن شعراء وكتاب يلجأون الي
المحاكم والقضاء لأن النقد الذي كتب عنهم يسيء الي سمعتهم،
وهذا التصور البدائي للعلاقة بين الكاتب والمكتوب، يدفعنا
مجددا الي مساءلة منظّري الحداثة وما بعدها عن ما يبشرون
به بمعزل عن الأرض التي يقفون عليها!
***
لا أذكر
إنني قرأت مقالة واحدة عن البياتي او خليل حاوي او عبد الصبور
او بلند بعد رحيلهم، باستثناء تلك الكتابات الرثائية الإنشائية
التي تقول كل شيء كي لا تقول شيئا محددا، هذا بالرغم من
أن هؤلاء الشعراء كانوا مجالا حيويا بامتياز لنقد يبدأ بهم
وقد ينتهي عندهم ايضا، نعرف أن الموتى يكفّون عن كل شيء
الا ما تبقي منهم وكان جديرا بالبقاء والنشور، لكن المسألة
تتخطي ثنائية الناقد الحي والمبدع الميّت، ما دام النقد
قد تحول بالفعل الي نمط انتاج اقتصادي، ذي قشرة جمالية هشّة!
وبالعودة
الي ما أسميناه (باعة النقد المتجولون) فإن الكثير مما يبدو
غامضا وملتبسا يصبح قابلا للفهم تحت إضاءة ساطعة اذا ادركنا
ما يجري التواطؤ عليه، والسكوت عنه، وهو باختصار فائض الحاجة
لا فائض المعرفة، وفائض الممالأة لا فائض المجابهة!
والسؤال
هو كم سيبقي من هذا النقد المحمول علي عربات تجوب العواصم
والمهرجانات والمناسبات؟
وبأية حجة
يقنع شاعر لا يقرأ له سواه نفسه بأن ما يكتب عنه يصدر عن
رؤي نقدية، وبدوافع بريئة؟
ما نخشاه
هو ان يصبح الأكاديميون المتجولون في جامعات العرب باعة
نقد متجولين أيضا، فالعدوي أشد فتكا من أية مناعة في حقبة
بدأت تدشن تاريخا آخر قد يكون بالفعل اللا تاريخ او ما بعد
التاريخ انسجاما مع فلسفة الما بعديات!!!
خيري منصور
/ وكالة الصحافة العربية