حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

عبد القادر الجنابي "يرثي" عقيل علي:

وقاحة بلا حدود

ثمّة فئة من البشر يدعوها العرب "آكلي الجيَف". والمقصودون هم مَن يغتذون من كيان الموتى ويستغلّون موتهم لنهش الأحياء. وفي مناسبات عديدة أثبت المتشاعر عبد القادر الجنابي إصراره على الانضواء تحت لواء هذه الفئة من الكائنات شبه الإنسانيّة. ولقد مدّه رحيل الصديق الشاعر العراقي عقيل علي بفرصة جديدة لينهش ويتكالب. ولئن ترفّعنا في مرّات سابقة عن التعليق على نهشه وتكالبه، فإنّ جلال المناسبة الرّاهنة يضطرنا إلى الكلام.

نعم، كلّما رحل شاعر أو فنّان، انبرى الجنابي ليتغذّى على جثّته وهي ساخنة بعد، ولينهال من ثمّ على الأحياء بشتائمه العصابيّة المسعورة. أنْ يتفسّخ الميت ويتحلّل في الطبيعة، فهذا سياق معروف، وقد يكون فيه نماء لفاكهة الأرض. أمّا أن يكون امرؤ متفسّخاً في حياته كالأموات فتلك لعمري حالة نادرة يهبنا الجنابي مثالاً عليها فذّاً. ما تريدون؟ هو رجل عاشق للـ "فرادات" (عنوان الكتاب الذي حاول فيه عبثاً الاندساس في شعر الستّينات العراقيّ)، وتفسّخه هذا هو حيلته الوحيدة ليثبت... فرادته.

هكذا، عندما رحل الشاعر والرسّام التونسيّ فريد العريبيّ قبل ما يقرب من عشرين عاماً صريع داء السرطان، طفق الجنابي يشتم مَن اختلفوا عنه في تأويل خيارات الراحل الروحانيّة. وعدما توفّي، بالمرض نفسه، الشاعر العراقي علي صبيح قبل ما يقرب من خمسة عشر عاماً، دبّج الجنابي مقالة سمجة يتّهم فيها أصدقاء الفقيد بقتلهم إيّاه. وما إن وصله مؤخّراً نبأ رحيل الشاعر عقيل علي حتّى راح يتبجّح في "إيلاف" بأنّه لن يبكيه (ومَن أنتَ أيّها الغبيّ حتّى تتشبّث هكذا بأذيال كلّ راحل؟)، زاعماً أنّ "الشاعور" من أصحاب عقيل هو وحده الذي سيبكيه. ولو بحث المرء في كافة مدارات الشعر العراقيّ المعروفة والمجهولة لَما وجد مَن هو أكثر تشاعراً أو "شاعوريّة" من الجنابي نفسه.

يتذكّر القرّاء أنّ الجنابي كان قد أجهز على عقيل علي منذ أيّام وواراه التراب حيّاً في مقبرة الأفكار التي يمثّل هو حارسها الوفيّ. في ندائي المنشور في "الحياة" البيروتية في 26 من نيسان/أبريل المنصرم تحت عنوان "أنقذوا الشاعر عقيل علي"، كنتُ قد تعفّفتُ عن التوقّف عند فعلة الجنابي النكراء هذه التي تخدش كلّ إحساس حيّ، يومَ نشرَ صورتين تقدّمان الشاعر في حالة مزرية، واضح أنّهما تمّ التقاطهما والشاعر في غمرة رقاده. والحال فالسؤال يطرح اليوم نفسه: هل حظيت هاتان الصورتان بموافقة الشاعر قبل أن تجدا طريقهما إلى النشر؟ يتعلّل البعض بالقول إنّ تلفزيونات العالَم تنشر ضحايا القتل كلّ يوم دون أن تستشير أحداً. لكنْ من قال لهم إنّ التلفزيونات على حقّ؟ أوَ لا يعرفون أنّ انتهاك الصورة لصميم حياة الأفراد والجماعات هو اليوم موضوع تداول فلسفيّ وسوسيولوجيّ وسياسيّ وأخلاقيّ لا يهدأ؟ فيمَ يتخبّط المتخبّطون؟ ومَن يا ترى يحدس، بل مَن يقول لنا ما كانه وقع هاتين الصّورتين بعد نشرهما على عقيل؟ وإذا أردنا الكلام بلغة الجنابي نفسه، أفلم تساهما في قتل عقيل؟

2 -

تشبّه الجنابي في مطلع شبابه بالسورياليّة، وهو الذي لا يرقى وعيه الكيانيّ والشعريّ إلى فهم أدنى مقولات الدادائيّة. أمّا اليوم، إنْ أمكن استعارة التسمية التي وهبها أندريه بروتون لسلفادور دالي، فالجنابي "عابد للدولار" في أرذل "طبعاته": الدولار السعوديّ. "عبد الدينار اللاّ جنابَ له": هذا هو اسمه الذي ينبغي أن نتعارف عليه منذ الآن. وعندما نتحدّث عن العبوديّة فينبغي فهم ذلك بالمعنى الحرفيّ للكلمة: كائن يستيقظ في الصباح ولا همّ له سوى البحث في قمامات "إيلاف" عن جيفة صالحة للنشر قد ينال عليها بضع أوراق خُضر.

عندما تترفّع على الردّ على قويدر غير ذي الجَناب، فإنّه يمعن فيك نهشاً وعضّاً. نزعته المازوخيّة المتأصّلة فيه تجعله لا يحترم إلاّ مَن يلطمه بمقالة أو هجاء. لم يسترح فاضل العزّاوي من سماجته إلاّ بعدما خصّه بمقالة ذائعة الصّيت ذكّره فيها بأنّه لم يكن له من دور بين شعراء الستينات في العراق سوى توزيع الشاي على المجتمعين. ولم يتخلّص خالد المعالي من غلظته إلاّ بأنْ بعث له "سلّة" من الشتائم استغرب الجنابي نفسه أمام الآخرين من سطوتها. ولم ينجُ قادر بو بكري من صحبته الثقيلة إلاّ بأنْ حوّر في جريدة "الحياة" عنوان مجلّة الجنابي المزعومة وسمّاها "الرغبة النباحيّة" بدل "الرغبة الإباحيّة". وقبل ذلك بسنوات، كان العفيف الأخضر قد وزّع بباريس بياناً بسطرين يقول فيه إنّ "أدنى درك يمكن أن ينزل إليه المرء هو أنْ يتعامل والجنابي"، فانقلب الأخير من شاتم له إلى مادح، واليوم هو ناشر لغسيل العفيف على حبائله الألكترونيّة.

لئن استغربَ بعض القرّاء ممّن اعتادوا مزاجنا الرائق وحبّنا للمنهج وعلوّ الأفكار أنْ نستخدم مع الجنابي مثل هذه اللغة، فسنقول لهم إنّ هذا هو "مقتضى الحال". معروفٌ أنّ "زجر النّابح" هو العنوان الذي منحه المعرّي لواحد من شرحين وضعهما بنفسه للزوميّاته.

كلاّ، يا عديم القدرة ويا واهيَ الجناب، لا حقّ لك في أن ترثي أحداً. ذلك أنّك لستَ بين الأحياء من أحد. ومثلك كائن يُرثى وهو حيّ، بل يُرثى له. وفي حرف الجرّ هذا، يتبعه ضمير الغائب، زيادة في المعنى قد تعجز أيّها الجنابي عن إدراكها.

3 -

الخطورة في ترهات السفهاء من أمثال الجنابي هو أنّها تحرف المتأمّل عن معنى الفاجعة وتشغله عن الرّاحل. من هنا يمكن القول إنّ للجنابيّ غيرة مرضيّة حتّى من الرّاحلين، لا يريد لهم أنْ يستأثروا، ولو لبضعة أيّام، بكلام يذكّر بكياناتهم الفريدة ومآثرهم. وإذا صدقَ ما يرويه الشاعر صلاح حسن في صحيفة "الحياة" بتاريخ 17 أيار/مايو الجاري عن احتضار عقيل علي، فإنّك ستشعر بأقصى الخوف على العراق. يبدو أنّ النزيف (كان عقيل مصاباً بتشمّع الكبد بسبب الشّرب) قد حاصر الشّاعر عشية يوم رحيله وألقاه أرضاً. ويبدو أنّ سائق سيّارة إسعافٍ أوّل رفض أن يحمله إلى المستشفى لغرابة مظهره (ما الغرابة في كائن وسيم مهمل الهندام منفوش الشعر؟)، وأنّ سائقاً ثانياً "استحرمَ" نقله لأنّه كان مخموراً. أيجهل زاعمو الإيمان هؤلاء أنّ إسعاف المرضى والجرحى حقّ واجب للجميع بمَن فيهم الأعداء في حالة حرب؟ أيّ عراق هو هذا الذي يتشكّل وسط مشاهد من الدّمار اليوميّ وظلام الأرواح؟

4 -

أعود ثانيةً إلى أندريه بروتون الذي كان يأخذ على رامبو أنّه بابتعاده غير المفسّر عن الشعر أفسح المجال لما لا يُحصى من الأدعياء ليطلقوا ثرثرتهم المتناهية حول صمته. وقد أعاتب عقيلاً بالقول إنّه حوّل آلامه إلى مشهد علنيّ وسمح للجهلاء باختراق مجال روحه. مِن غفلة الشاعر، من براءته، من حوافّ جرحه العميق تسلّل الأدعياء إلى جنائنه الغضّة وأمعنوا في نهش الموتى والتكالب على الأحياء. الجنابيّ هو اليوم لسان حالهم الأخرق ونابحهم المزجور.

 

كاظم جهاد / باريس


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri