
المعتمد
بن عباد علي الانترنيت
بين
الاستقلال السياحي الأسباني و المثلية الجنسية الأوروبية!
التراث الأدبي العربي
غني ومتشعب، لكن كثيرا منه لا يزال مهمشاً لاعتبارات أيديولوجية،
دينية، أو مذهبية. أما المعروف والمتداول من هذا التراث،
سواء المشرقي منه أو المغربي، فقد اختلف تداوله بين الشرق
والغرب. ورغم ما حققه العرب والمسلمون من نجاح علي صعيد
التحقيق والتدريس، فالواقع أن المستشرقين لا يزالون متفوقين
عليهم في المجموع. لقد بسط المستشرقون تميزهم الأكاديمي
علي ألف ليلة وليلة والمقامات والموشحات والتاريخ الأدبي
والجغرافي والأدب الشعبي وأبي نواس قزمان وابن عربي والحلاج
والجاحظ وابن منقذ والتوحيدي وابن طفيل وابن حزم وابن الفارض
ونجيب محفوظ إلخ بشكل أوقع الدارسين المشارقة والمغاربة
في حالة شرود معظم الوقت. وقد أدي هذا الاحتكار الأكاديمي
للتراث العربي من الخارج إلي حدوث بعض الانزلاقات، بعضها
عفوي والآخر متعمد، في التحقيق والتأريخ، في التعريف والتأويل
والتلقين. وسيظل الامر كذلك طالما بقيت الجهات الحاملة لهذا
التراث لا تقرأ وتكتب وتُدرّّس وتحاضر الا باللغة العربية،
وبمناهج تقليدية واجترارية، غير قادرة علي شذب التراث من
الأساطير والخرافات المحمولة في بطون أمهات الكتب العربية
كخطوة أولي نحو قراءة (جديدة؟!) تعتمد علي العقل والحجاج.
الطريق نحو تقويم هذا الاعوجاج الخطير يمر في رأينا، بعد
تفادي البكاء علي الأطلال، عبر إتقان اللغات والكتابة والمحاضرة
بها، وتبني مناهج بيداغوجية ونقدية اكثر صرامة ودقة، والانخراط
في عالم المعلوميات وركوب الانترنيت للاطلاع علي المنشور
في بحورها، للاستفادة أولا، ثم للإسهام بما تيسر من جديد
أو أمكن من رد يقوم علي المجادلة القويمة.
المعتمد (بن عباد)
اسم شائع ورائج جدا في العالم العربي تعميما والمغرب تخصيصا،
إذ تحمله المحلبة والمجزرة والمطعم والشارع والحي والاقامة،
كما تحمله المؤسسة التعليمية الخاصة والعمومية ووكالة الأسفار
والدليل أو الطريق السياحي والفندق والمكتب المهني والتجاري
والمجموعة الغنائية والأغنية واللوحة. يحمله المعرض الفني
والمهرجان الأدبي او الغنائي وبرنامج التعاون أو الشراكة
بين بلدين والجمعية غير الحكومية والمجلة الأدبية والدورة
الأكاديمية او العلمية، مثلما يحمله النص الإبداعي عنوانا
أو تناصا وتحمله الشخصية الشعرية والسردية والمسرحية. بمعني
أن المعتمِد اسم معتمَد رسميا وشعبيا، ولو أن البواعث علي
تبني هذا الاسم ليست نفسها في كل الحالات. فتارة لجمال الاسم
ورنينه أو لأسطوريته، وأخري لحمولته الأندلسية والجيوسياسية
وثالثة لأبعاده الإنسانية الدرامية وما إليها من حالات.
المهم ان اسم المعتمد حاضر في عقول وعيون الناس، علي المستويين
الشعبي والرسمي. ولكن هل يعني هذا أن المسؤولين علي دراسة
الرجل في سياق ظروفه التاريخية من حيث هو شاعر ومَلِك من
ملوك الأندلس وأسير أغمات بالمغرب قاموا بواجبهم حيال شخصه
ودوره السياسي وشعره ونهايته المأساوية؟
الحقيقة أن هذا لم
يحدث، بحجة أن الدراسات الموضوعة تقوم علي التمجيد والإشادة
بالشخص وبشعره، والتعاطف معه في محنته، أو علي إلقاء اللوم
عليه بدعوى انه سلم الأندلس للمسيحيين، أو علي الوقوف موقفا
وسطا يتعاطف مع المتعمد ويتفهم خطوة السلطان المغربي يوسف
بن تاشفين الذي نفاه إلي أغمات (علي بعد 35 كلم من مراكش).
بعبارة أخري، التأويلات والمواقف تفتقر في الغالب إلي العمق
والموضوعية والشمولية، وتطغي عليها الرومانسية والعاطفة،
حيث نادرا ما تتطرق لأوضاع الشعب أيام هذا الملك ولمواقفه
السياسية إزاء الزحف المسيحي، ولا تتوقف عند إسهامه في سقوط
الأندلس حتى استعان بالفرنجة ضد بني جلدته، والدواعي الحقيقية
التي تسببت في نفيه وأسرته. كما أنها تقع في التسطيح والإسقاط
عند تقويم شعره، وتمر مر الكرام علي تقلباته المزاجية التي
حكمت جل تصرفاته. يضاف إلي ذلك التسليم بكثير من الأساطير
التي حملتها إلينا قلائد العقيان و الذخيرة و نفح الطيب
و وفيات الأعيان باعتبارها أمّّ المصادر حول سيرة وأدب المعتمد
بن عباد.
مهما يكن من أمر،
قصدنا في هذه الورقة هو الوقوف علي تعامل المواقع الانترنيتية
مع المعتمد بن عباد. حاولنا الاطلاع علي الإشارات الواردة
حول هذا الملك الشاعر بعدة لغات، وهي تحديدا : الأسبانية
والبرتغالية والإيطالية والفرنسية والإنكليزية والألمانية
والهولندية. دخلنا في حقل غوغل Google، واعتمدنا في ولوج
المواقع بالأساس اسم المعتمد مفتاحا مع تنويعات تضيف اللغة
المقصودة و/أو كلمة شعر و/ أو أخري مرتبطة بالأمير الشاعر.
وفي نهاية المطاف، خرجنا بالملاحظات العامة الآتية :
1 ـ المعتمد في شبه
الجزيرة الايبيرية (إسبانيا والبرتغال) يتعرض لاستغلال بشع،
بعضه مفهوم والآخر غير مشروع، في مجال السياحة والتجارة،
حيث تعتمده الوزارات والجهات المعنية لاستقطاب السواح والترويج
لمنطقة معينة ومدينة بعينها وموقع أو مأثور بعينه وتسويق
أكل وفندق معينين وما إلي ذلك من أساليب الاتجار المربحة
بهذه الماركة التجارية غير المسجلة. هذا الاستغلال التجاري
لاسم المعتمد تقوم به أيضا، وإن نجدة اقل بكثير، وكالات
الأسفار ومكاتب السياحة في دول أوروبية أخري عند الترويج
للسياحة نحو إسبانيا والبرتغال والمغرب.
2 ـ ثمة استغلال نوعي
آخر للمعتمِد. يتعلق الأمر بربط اسمه، بكل ما يحمله من دلالة
تاريخية من المنظور السياسي والديني، بالشذوذ الجنسي (مع
الشاعر ابن عمار تخصيصا) في سياق يكرس هذا التوجه في مجالات
العلاقات الاجتماعية. والملاحظ أن هناك تشديدا كبيرا علي
إثبات أن الشذوذ الجنسي وارد علي أعلي المستويات في المجتمع
الإسلامي، وأنه ليس سلوكا شاذا علي الاطلاق، ومن ثم وجب
علي الجميع (والمسلمين تخصيصا) الاعتراف بهذا السلوك العادي
ما دام التاريخ الأندلسي (والإسلامي) يشهد علي وجود هذه
الظاهرة حتى لدي خليفة الله في الأرض. إنه بكل موضوعية مشروع
تضليلي، لا تهمه قيمة الشاعر ولا محنة أسرته ولا ما بينهما
بقدر ما يهمه تكريس الشذوذ الجنسي وفرض واقع ليس موجودا
بجعل ما هو شاذ أمرا مألوفا، حتي ولو تطلب ذلك تحريف التاريخ
وتزويره وتحويره بنية مبيتة.
3 ـ من المنظور السياسي
والأكاديمي، هناك اهتمام كبير بالمعتمد بن في البرتغال،
وأكبر في إسبانيا، ولا باس به في إيطاليا وفرنسا وألمانيا
وهولندا وبريطانيا العظمي. وسنتطرق بعد قليل لتفاصيل هذا
الاهتمام وأسباب تفاوته.
بعد الإقرار بأن المعتمد
يُعتمد للدعاية التجارية والجنسية الشاذة بجميع اللغات المذكورة
سلفا، مع تفاوت في الحدة والكثافة، يمكن تصنيف الإشارات
التي إلي المعتمد علي الانترنيت في مستويين نوعيين اثنين،
يهم الأول منهما المواقع بالإنكليزية والألمانية والهولندية
والثاني المواقع بالأسبانية والبرتغالية والإيطالية والفرنسية.
المواقع الأولى تتطرق لملك اشبيلية وتسرد معطيات عن سيرته،
كما تقدم أحيانا نماذج مترجَمة من شعر المعتمد، تتجه صوب
تقديم المعتمد في صورة ملك مُسلم شاذ جنسيا في خطة واضحة
إلي حد الاستفزاز من أصحاب المواقع لنيل كل الدعم لاختيارهم
الخاص في الحياة. لذا كان من المنطقي أن نمر سريعا إلي المستوي
الثاني، لما يتميز به من جدية وعمق تعميما.
المواقع الإيطالية
والفرنسية، علي قلتها، تذكر بدورها تميز المعتمد في مجال
الثقافة، ومواقفه من الزحف المسيحي، واستنجاده بالمرابطين،
ثم المسألة التي عاشها علي يد يوسف بن تاشفين؛ مع العلم
أن البعض منها يذكر عنف المزاج لدي المعتمد، مستحضرة في
هذا السياق صورة المعتمد وهو يهوي علي راس ابن عمار بفأس
حادة ليرديه قتيلا، أو يزين حدائقه برؤوس بشرية (قُطفت بعدما
أينعت؟). كما أن هناك إشارات أكاديمية إلي شعره وقيمته الخاصة
في الأدب الاندلسي، وكذا بعض الترجمات التي أنجزت من شعره،
لعل أبرزها كتاب قوافي (Rime) الذي يحتوي علي مترجمات من
شعر المعتمد وضعها الايطاليان فِنتشنصو بيانصا ومريا تيريزا
ماسْكَري. وبدون أن نترك المجال الاكاديمي، نشير إلي أن
الأسبان اهتموا بالمعتمد ترجمة ودراسة بدرجة أكبر، فترجم
له إميليو غرثيا غومث، ومن بعده مريا تيريسا روبييرا ماطا
في طبعة مزدوجة اللسان، وآخرون غيرهما.
كما أن شعره لا زال
يدرسه ويدرّّسه جامعيون أسبان في شعب اللغات والآداب السامية/
الشرقية. علاوة علي ذلك، لاحظنا أيضا علي صفحات الانترنيت
اهتماما كبيرا بالمعتمد في علاقته بيهود الاندلس، حيث يتم
الحديث عن تسامح ملك اشبيلية مع هذه الأقلية ومعاملته العادلة
لها. ولد المعتمد بن عباد سنة 1040م (أو 1039) بمدينة باجة
(Beja) البرتغالية (وليس بإشبيلية كما يقول ميشال عاصي في
كتابه الشعر والبيئة في الأندلس). ورغم أن دولة البرتغال
لم تتأسس إلا عام 1145، فإن بعض البرتغاليين حريصون علي
اعتبار المعتمد شاعرا برتغاليا- عربيا، مفتخرين به أيما
افتخار. ومن الأدلة القاطعة علي ذلك أنهم، إضافة إلي ترجمة
أشعاره ودراستها وتدريسها إلي اليوم، أقاموا في 1928 حفلا
رسميا كبيرا في مدينة شلْب (العبادية) تكريما للرجل. وقد
كان من الحاضرين شخص إسباني يدعي بلاص إنفانتي Blas Infabte،
سافر من إشبيلية إلي شلب (Silves) خصيصا لهذا الغرض. وقبل
ذلك بأربع سنوات، أي في 1924، كان بلاص إنفانتي تحدي ظروف
الحرب بين قوات المجاهد عبد الكريم الخطابي وجيوش الاستعمار
الأسباني بالمغرب فقام بزيارة إلي أغمات للترحم علي المعتمد؛
كما زار خلال العودة جامع الكتبية بمراكش ومآثر أخري ذكرته
بالأندلس. وقبل زيارة أغمات، كان هذا الأندلسي الجديد، إن
صحت العبارة، قد أصدر كتيبا بعنوان: المعتمد، آخر ملوك إشبيلية.
وعقب زيارته لأغمات، أقدم علي تعلم اللغة العربية والاهتمام
بالمخطوط العربي وبكل ما هو أندلسي، وكرّّس جهوده للتعريف
به والدفاع عنه، إيمانا منه بأن المسلمين لم يغزو إسبانيا
بالقوة بل بالثقافة، وبأن ما قام به المسيحيون حتي 1492
لم يكن استردادا بأي حال. تري من يكون بلاص إنفانتي وما
سر هذا الاهتمام المتفرد بالأندلس وأعلامه؟
بلاص إنفانتي (1885
ـ 1936) هو الأب الروحي للأندلس الحالية، التي تتخذ من إشبيلية
عاصمة لها. تحترمه في الواقع التيارات السياسية جميعها،
اليمينية واليسارية، المعتدلة والمتطرفة، لأنه نادي بالهوية
الاندلسية وسعي إلي تحدي معالمها. فقد دعا إلي تحقيق أندلس
حديثة تفتخر بماضيها وتعتز به، بدل أن تتنكر له، في تصور
سياسي يعتبر التراث الاسلامي بالأندلس، بجميع مكوناته البشرية
والعقدية واللغوية والثقافية، القاعدة التي ترتكز عليها
أندلس اليوم. ولما كان المعتمد بن عباد آخر مَلك أندلسي
حكم إشبيلية، اعتبره بلاص إنفانتي رمزا قويا للارض التي
تنتمي إليها وللتراث الذي تركه للسلف، دليلا علي غني حضاري
عظيم تتشكل منه هوية الاندلسيين اليوم. ولم يكتف بلاص إنفانتي
بسبر أغوار مرحلة أندلسية استغنت بالحضارة اليونانية ومضت،
بل سعي إلي تأسيس فكرة أندلس حديثة تكون بمثابة استمرار
لها، فرفع شعار الاندلس وظل يكتب ويناضل في سبيل الامة الاندلسية
وتوكيد هويتها إلي أن اغتالته القوات الفاشية عقب الانقلاب
العسكري لفرانكو عام 1936. مات بلاص انفانتي دون أن يري
مشروعه النور، غير أن أفكاره بقيت حية تنتظر في المنفي،
خلال حكم الجنرال فرانكو (1936 ـ 1975)، قبل أن تعود لتتحقق
بالشكل البارز الذي نعرفه اليوم علي أرض الواقع. وفي 28
شباط (فبراير) من كل سنة، يحتفل الاندلسيون بيوم الاندلس،
مستحضرين بلاص انفانتي والمعتمد بن عباد وغيرهما ممن ينتمون
إلي الأمة الأندلسية. ومثلما يترحم الاندلسيون، والاشبيليون
تخصيصا، علي قبر الزعيم بلاص انفانتي بإشبيلية جرت العادة
أن يترحم زوار أغمات من الاشبيليين علي المعتمد بوضع وردة
علي قبره تقديرا وإجلالا لأحد مواطنيهم البارزين.
كما جرت العادة أن
ينهي الدارسون (العرب تخصيصا) كتاباتهم حول المعتمد بأبيات
من شعره توكيدا علي مأساة جارفة لشخصية جارفة. إلا أننا
اخترنا أن نختلف شيئا ما ونورد بدل ذلك أبياتا مثيرة وعميقة
الدلالة نظمها بلاص انفانتي، الأندلسي المسكون بالمعتمد.
هذه الأبيات هي في الواقع النشيد الوطني المعتمد رسميا بالأندلس
إلي اليوم الذي وضعه بلاص انفانتي للأمة الأندلسية المعاصرة
وعينه علي الأندلس الخالدة وقلبُه مع أهاليها الغائبين الحاضرين.
الراية البيضاء الخضراء
ها هي تعود بعد قرون
من الحرب
لتقول بالسلام والأمل
تحت شمس أرضنا الحبيبة.
قوموا أيها الأندلسيون!
طالبوا بالأرض والحرية!
قفوا من أجل أندلس
حره،
من أجل إسبانيا وسائر
الإنسانية.
نحن الأندلسيين نريد
أن
نكون كما كنا في الماضي:
ناسا من نور، نمنح
الناس
الروح ليكونوا كائنات
بشريهْ.
كاتب وأكاديمي من
المغرب
د. إسماعيل العثماني
- القدس العربي