
كم تدفع الشاعرات
لقاء شعرهنّ؟
لم أستغرب كثيراً
من مضمون ما كتبته قبل أيام في كيكا، والمقارنة البلاغية
(لم تخرج عن هذا النطاق) بين من هم شعراء وشاعرات.
لم أستغرب لأنني تعودت
أن تلقى نساؤنا وبناتنا نصيباً هائلاً من الاقصاء والتجاهل
والنظرة الفوقية في الخطاب الذكوري السائد،هذا على صعيد
عام. أما في المجال الثقافي فقد شُرِّحت نصوص الشاعرات وحياتهن
في بعض الاحيان فوق طاولات البارات والمقاهي الثقافية والنتيجة
أننا أعدنا جميعاً إنتاج الخطاب العربي السائد القائل بتفوق
الرجل وعبقريته ودونية المرأة ومحدوديتها.
ضحكت كثيراً من تخيل
صورة الشاعرة التي تحدثت عنها يتبعها رجال الامن كالخدم.
ويقف المطار على رِجْلٍ كما نقول لاستقبالها وتسخَّر لها
كل وسائل الراحة والاستمتاع وكأنها هبطت للتو من كوكب مخملي.
عن أية شاعرات تتحدث
يا عزيزي؟؟ هل سمعت يوماً بمعاناة الشاعرات على الحدود العربية
من المحيط الى الخليج؟ هل تعرف أن العديد منهن ممنوعات من
السفر وملاحقات من قبل أنظمة القمع العربية ،ومن قبل دولة
الديمقراطية الزائفة اسرائيل؟ وعلى عكس الصورة التي قدمتها
بأن المؤتمرات والمهرجانات تصلها إلى غرفة النوم تجد نفسها
محرومة من التواصل الثقافي والانساني والابداعي مع ملتقيات
كثيرة قد تدعى اليها؟
هل تعرف أن شاعرات
مبدعات من الخليج العربي لا يستطعن السفر إلا بمحرم؟؟ نعم
حتى وإن كانت تذهب إلى مناسبة أو مهرجان شعري لا يعني شيئاً
لهذا المحرم.
وماذا عن المعاناة
الطويلة لمبدعات وكاتبات عراقيات طوال فترة الحكم الصدامي
السابقة؟ والمعاناة الطويلة الان مع الاحتلال وظروفه القاسية؟
هل تعرف أن عدداً
من الشاعرات والمبدعات قلن لا للنشر والشهرة والدعوات المفتوحة
الى مختلف المهرجانات إن كانت على حساب الجسد أو المبدأ.
وبدلاً من الحديث عن بعض ظواهر الدعارة الثقافية المقنعة
نتحدث عن شاعرات يجلسن بالدرجة الاولى في الطائرات؟؟
هل سمعت عن المبدعات
العربيات اللواتي مسحت بهن شوارع العواصم العربية العظيمة
(القاهرة ودمشق مثلاً) لأنهن أخذن موقفاً ضد كل ما يجري
من احتلال وقمع وقهر ،ولأنهن يَعين أن الدور النضالي الانساني
لا ينفصل عن الدور الابداعي والكتابي؟
قبل أسابيع قرأت عن
الكاتبة السورية سمر يزبك التي نكّل بها لأنها شاركت في
اعتصام في العاصمة السورية وقلة قليلة كتبت عن هذا الموضوع
الخاص بنضال امرأة مبدعة، بينما نالت أحداث أخرى أقل شاناً
وأهمية نصيبها من الشعللة والبهرجة لأن أبطالها ببساطة ذكور،وهكذا
تصبح البطولة نفسها مجسدة على شكل ذكر.
الشاعرات اللواتي
تحدثت عنهن في موضوعك ربما كنّ قلة ولا ننكر وجودها لأنها
جزء من حالة عامة ولكن ألا يوجد في المقابل شعراء تحولوا
الى أساطير تهلل الدنيا كلها لهم، وان حدث ونُشر نص ركيك
لهم، لا يجرؤ أحد على المس بهم وبقامتهم الرفيعة .وممارساتهم
لا تختلف عما وصفت به الشاعرات في نصك؟ لم لا يذكر هؤلاء
كلهم ويتم الحديث عن فساد وتسلط وقمع ثقافي وصنمية بشعة
بدلاً من تحويل الامر إلى مقارنة بين الرجل الصالح والمرأة
الشريرة؟
الاجدر بنا جميعاً
أن ننمي لغة مختلفة اتجاه ما يجري حولنا وأن نعي أن حالة
من الفساد والهوس تصيب حالتنا الثقافية ونحن بحاجة لوقفة
حقيقية ومراجعة لظروفها المختلفة بدلاً من لعب أدوار تقسيمية
لن تساعد كثيراً إلا في ازدياد الهوة بين الرجل والمرأة
من ناحية ،وبين كل اتجاهين مختلفين في مجتمعاتنا من ناحية
أخرى.
النساء المبدعات والشاعرات
العربيات يتسع أفقهنّ أرحب بكثير مما صورت.
وهن يواصلن يوماً
بعد يوم عملية ولادتهن الصعبة للخروج من القمقم.
رجاء غانم دنف / شاعرة
من فلسطين.