
نبوءات
الشاعر أدونيس وبصيرة الإله تموز
من جديد وتحت عنوان
(طقس القتل) كتب الشاعر العربي أدونيس في جريدة (الحياة)
يوم السبت الموافق للأول من آذار عام 2006، وهو لحظة من
التاريخ يتوجّب وضعها في سياق غياب الحكومة والصراع على
الدولة، اشتداد حمى الطوائف، وتصاعد العنف، كتب يقول:
"يتواصل في العراق
"طقس" القتل. (ولا أريد هنا أن أشير إلى "تاريخ" العراق
في هذا الإطار). غير أن ما يُحيِّر حقاً هو أن كثيراً من
الكتّاب والمفكرين والشعراء العرب وبخاصة العراقيين، لا
يريدون أن يتأملوا في هذا "الطقس"، أو حتى أن يروه. لكن،
ألا نحتاج، هنا، إلى "صحة" البصر، لكي تكتمل "صحة" البصيرة".
انتهى.
من الدهاء أن يختار
أدونيس كلمته أعلاه في هذا الوقت عينه، لأنه يظن في الغالب
أنْ لا أحدَ بقادرٍ اللحظة على أن ينبس ببنت شفة خلاف ما
يقول، حيث كل شيء يؤكد نظرياً فرضيّاته التي أوغلتْ في الإيلام
كثيراً من دون ذرّة من الإنصاف بشأن طقس القتل في (تاريخ
العراق).
دهاءٌ مزدوجٌ: من
جهة اختيار التوقيت ومن جهة اختيار المفردات. كل شيء يبدو
وهو يحقق نبوءة العرّاف.
لكن العرّاف الذي
يختار توكيد نبوءته القديمة في هذا الوقت عينه، يعرف يقيناً
أنه يخاطب مفكرين وشعراء عراقيين خاصة، وهم في الوضع الأشد
إيلاماً، موضوعين في المأزق الأكثر صعوبة، وفي الزمن الأكثر
وحشة وخسة في تاريخ شعب وأمة. هذا التوقيت غير ملائم لقول
ما يقول الشاعر السوري إذا لم يكن من خيارات الشيطان.
المثقف أو الشاعر
العراقي أعزل ومبعد مرتين وفي زمنين، مرة في المنفى بين
ظهراني أخوته العرّافين في المنافي، ومرة بين ظهراني أخوة
فيهم الطغاةُ والقتلة. وفي الحالتين ما انفكت الأصابع تشدّ
على رقبته وتدفعه إلى الحائط مطالبة إياه، وهو في وضعية
الخنق تلك، بصحة البصر والبصيرة.
سيبرهن الزمن على
أن طقس القتل هو من تأليف ثلة حكمتْ طويلاً، أطول مما تحتمل
روح الآدمي الحر، وأنهم والظلام الذي يواليهم هم من ينشر
هذا الطقس، ليس في العراق وحده وإنما في العالم كله.
أن يقول العرّاف
أن (الكثير) من المفكّرين والشعراء العراقيين لا يريدون
تأمّل هذا الطقس، يدلّ بشكل لا لبسَ فيه على أنه لم يقرأ
الكثير منهم اليوم وبالأمس.
بأعلى الصوت يمكن
للعرّاف تأشير طقوس وممارسات وتقاليد غير مريحة في العراق،
وهو ما لم يتوقف (الكثير) من المثقفين العراقيين عن الإشارة
إليه، لكن من المستهجن الكلام بهذا الإطلاق الميتافيزيقي
عن شعب ومثقفيه وكأنهما خارج التاريخ وبدعة من البُدِع الفريدة
في الجغرافيا والتاريخ. يلحّ أدونيس إلحاحاً ذا مغزى في
الإشارة إلى التاريخ.
سيبرهن الزمن من
دون شك، أقرب مما يعتقد البعض ممن يتشفى بشعب وبمثقفيه،
من هو فاقد البصر والبصيرة.
لماذا يختار اليوم
أستاذنا أدونيس أن يكون خصماً للألم العميق؟. ألا يمكن أن
يصير حليفاً للحكمة متعددة المعاني؟
شاكر لعيبي