
رسائل
متشابكة، 1937 ـ 1940" صدرت حديثاً في باريس
حكاية
العشق السرية بين بووار وتلميذها
"مراسلات متشابكة"
كتاب صدر في باريس منذ أيام يروي قصة حب لا زالت أصداؤها
حتى اليوم تثير جدلاً لأن بطلتها ليست ككل البطلات: انها
سيمون دو بووار الأديبة والمفكرة الفرنسية التي هزّت باريس
بمواقفها وبفلسفتها الوجودية التي استمدت جذورها من صديقها
وعشيقها وزميلها في الفلسفة والوجودية جان ـ بول سارتر.
بووار وسارتر تحابّا، عاشا في منزل واحد وآمنا في عز شبابهما
وحتى آخر حياتهما بفلسفة حب خاصة جداً. منذ أعوام، كانت
مفاجأة كبيرة لمعاصريهم ولأبناء الأجيال التي جاءت بعدهما
وتأثرت بعلاقتهما أن ثمة عشيقاً أميركياً لبووار أغرمت به
حتى الجنون وكتبت له عن رغبتها في التخلي عن كل شيء، عن
الفلسفة وعن التحدي الكبير الذي تعيشه مع مجتمعها وعن حبها
لسارتر وعن جميع التزاماتها "لتكون جارية تحت قدميه" ـ حسب
تعبيرها في احدى الرسائل إليه ـ لكن العلاقة بقيت سرية ولم
تكتمل فصولها إذ انتهت سريعاً. أما اليوم، ثمة علاقة جديدة
تتكشف للعلن بين بووار وأحد تلامذتها عبر رسائل نشرت في
كتاب "مراسلات متشابكة" أعدّته وقدّمت له سيلي لوبون دو
بووار وصدر عن دار غاليمار. وفي ذلك الحين، كانت سيمون في
الثلاثين والشاب الطالب في الثانية والعشرين. تحابّا، تراسلا
وتواعدا طوال الفترة الممتدة بين 1937 و1940. كانت هي أستاذة
الفلسفة في "معهد موليير" في باريس وكانت تعيش منذ قرابة
ثمانية أعوام مع أستاذ آخر يدعى جان ـ بول سارتر، بدأ صيته
يذيع مع صدور كتابه "الغثيان". وكان سارتر قد أطلق عليها
لقب "الكاستور" أو "القندس" لأنها غالباً ما كانت ترتدي
قبعة من فرو القندس. كانت علاقتهما علنية بمعنى انفتاحها
على وسائل الإعلام والوسط الثقافي الباريسي المتعطش في ذلك
الحين الى أمثلة حيّة لفلسفة الوجودية التي ضربت عرض الحائط
بكل الموازين والأخلاقيات السائدة. وكان شعارهما: ثنائي
مخلص بالروح وحرّ بالجسد لشفافية العلاقة.
أما الطالب جاك ـ
لوران بوست، فكان ابن قسّ والأخير في عائلة تتألف من عشرة
أولاد. في مدرسة "هافر" كان تلميذ سارتر وقد سحره هذا الأخير
بقدرته على التغيير، فقد أحدث انقلابات في المدرسة، كان
يغير في البرنامج التعليمي، يدعو طلابه الى مغادرة الصف
والى الجلوس في المقهى ليشرح لهم نظريات هيغل وغيره، فلحق
به الى باريس ليتابع عن كثب تطورات "المدرسة الوجودية".
في باريس تعرّف الى "الكاستور" وكانا يمارسان معاً هواية
أو رياضة المشي وغالباً ما سافرا سوية في رحلات في الطبيعة
امتدت الى ساعات بل أيام. احدى الرسائل التي وصلت سارتر
في تلك الفترة جاء فيها: "حصل معي أمر غريب وغير متوقع في
هذه الرحلة وهو أنني أقمت علاقة جنسية مع "بوست الصغير"
منذ ثلاثة أيام...". أما سارتر المخلص للاتفاقية القائمة
بين الاثنين فقد تلقى الخبر ببساطة. تطوّرت العلاقة لكن
بوست كان على علاقة أيضاً بزميلة له تدعى أولغا كوزاكييتش
ولم يشأ قطعها معها، مما أبعده في نهاية الأمر عن المرأة
ـ الفيلسوف التي تكبره بنحو ثمانية أعوام والتي عاش معها
تجربة في الحب والعشق لا يمكن أن تتكرر بسهولة. بعد أن افترقا،
بدأت المراسلة بينهما. كان كل واحد يكتب للآخر عن كل شيء،
عن أسفاره، عن أفكاره، عن علاقات أخرى الى أن انتهت المراسلات
في العام 1940. أما بقية القصة التي ليست مجهولة بالنسبة
لبووار إذ أن شهرتها جعلت وسائل الإعلام تلاحق أخبارها حتى
وفاتها. أما بوست، فبعد أن عاش الحرب العالمية الثانية في
باريس، عمل في مجلة "فتال" وكان مراسل حرب لديها، كما أنه
أصدر مؤلفات خاصة كان أبرزها "المهنة الأخيرة" وعُرف ككاتب
سيناريو لأفلام سينمائية. عمل في النقد السينمائي في مجلة
"النويل أوبسراتور" لفترة 15 عاماً.
المقاطع التي ننقلها
هنا الى العربية تعود الى مراسلات من العام 1939، أولها
رسالة كتبتها بووار بعد رحلة لها مع سارتر الى جبال البيرينيه،
رسائل تحدثت فيها الى جانب حبها العميق لبوست عن بدايات
الحرب وخوفها منها، كما تصف بووار في هذه الرسائل وبشكل
رائع تلك المرحلة الحاسمة التي بدأت فيها الحرب: كيف عاشتها
باريس؟ وكيف تلقتها هي وسارتر؟
الى السيد بوش، الإثنين 28 آب 1939، من آميان:
يا صغيري بوست الحبيب
(...) تركنا منطقة جوان ـ لي ـ بان الثلاثاء الماضي
وأمضينا ثلاثة أيام في البيرينيه حيث كتبت لكَ رسالتي الأخيرة.
كان الوضع سيئاً للغاية حتى مساء الجمعة فعدنا أدراجنا من
الرحلة. لم أشأ أن أضيّع أي فرصة صغيرة لرؤيتك، كما أنني
لم أرغب في ترك سارتر في منطقة "فوا" و"لوشون" (...) السبت
صباحاً، غادرنا الى باريس، كانت الأخبار أفضل قليلاً من
السابق، فقضينا نهاراً كاملاً في التنزه في "السان جيرمان
ـ دي ـ بريه" وفي "المونبارناس" و"مونمارتر"، وبدا لنا أن
الناس أقل هيجاناً من الذين صادفناهم في الريف (...) بالأمس،
كان الوضع أسوأ، إذ انتقلت الصحف بأخبارها من الأمل الى
الخوف بطريقة رهيبة (...) باريس ميتة تقريباً، المطاعم والمحلات
مقفلة، لكن يبدو لي أن هناك رائحة الفرصة الصيفية أكثر منها
رائحة الحرب. أما المقاهي وصالات السينما فهي تعج بالناس
المبتهجين. أعتقد أنه لا أحد يؤمن بالحرب، حتى سارتر، فهو
لا يؤمن بها. ومن الطبيعي أننا اليوم نافذو الصبر وعصبيون
بانتظار جواب هتلر (...) أنتَ كتبت لي رسائل ناعمة، يا صغيري
بوش، وأنا أشعر بحبك بقوة كبيرة. أتمنى أن تمنحك رسالتي
أيضاً سعادة مماثلة. الى الغد. أقبلكَ بشغف.
الإثنين مساء
(...) هناك آلاف من الأخبار لأسردها لكَ عن باريس، لكنني
أنا أيضاً غاضبة الى حد كبير ما يمنعني من الكتابة بشكل
جيد، مقهى "كافي فلور" في وضع جيد ويسليني أكثر من أي وقت
مضى. هذه الليلة، انياس كابري العائدة من جوان ـ لي ـ بان
تبدو محاطة بمعجبيها وهي تتحدث الى رونو دوجوونال وتقول
له: "وهل تؤمن أنت بهذا؟" لا أحد يؤمن كثيراً (بالحرب) والكل
يعالج الموضوع بلا مبالاة. صونيا تعلق على الموضوع مؤكدة
أنه لا يمكن ان تغادر الى الجبل، فهذا يشعرها بالملل الكبير.
سيلفيا باتاي، بثوبها الأزرق المزهو بالورود تضحك مثل الملائكة.
كان هناك بروتون أيضاً وكان يضع نظارتين سوداوين ضخمتين.
وكانت زوجة ـ "الصدفة" شقراء وسوريالية أكثر من أي وقت وأيضاً
كان معهما ابنتهما الصغيرة ابنة الثلاثة أعوام. طفلة لطيفة
ومسلية وبروتون وزوجته كانا يلعبان دور الوالدين البورجوازيين.
كل مقهى "الكافي فلور" كان يداعب الطفلة. "الصبي ذو الرأس
القتيل" أخذ سارتر الى زاوية المقهى وقال له بصوت منخفض
معتذراً" منه عن عدم اضاءة الجهة الأمامية للمقهى: "إنه
أمر الضابط"! شرح له.
الخميس31 آب...
(...) أردت أن أتحدث معك ـ كيف أنت؟ بماذا تفكر؟ هذا
الانتظار يعطي الحياة لوناً غريباً. أحياناً، أشعر أن احساساً
مشابهاً لأحاسيسي حيال حوادث الجبال وسكك الحديد، حيث اعتقد
دوماً أن الأمر لا يمكن أن يحدث معي، كذلك أفكر أن الحرب
لا يمكن أن تصيبني شخصياً. ثم لا ألبث بعد لحظات أن أشعر
بالعكس وأن كل شيء ممكن وأحس ان حياتي تتخبط في نوع من العدمية
مثل قصة عبثية وهذا يجعلني أشعر من وقت الى آخر بالفضولية
الكبيرة ثم بالخوف (...)
السبت 2 أيلول
ها نحن الآن ـ أوصلت سارتر منذ وقت قصير الى محطة القطار،
ويبدو لي أن الأمور ليست واقعية، فأردت ان أكتب لك من دون
أن أعرف إذا كنت أستطيع ذلك، وأعتقد أنني بمجرد حركة أو
اشارة صغيرة (صورة، ذكرى تعود) سوف أتناثر قطعات. حتى الآن
لم أشعر بالانهيار ولا حتى لدقيقة واحدة ولكن يبدو لي الأمر
وكأنني امتلك عموداً قوياً داخلي، ركيزة قاسية والفراغ من
حولها. الأهم أنه لا يسعني ان أتذكر وجهك وأنت ترتدي القبعة
العسكرية وهذا الحزن الذي يلفك وأنت في الثكنة العسكرية،
ولا يسعني حتى تذكر وجهك الضاحك حين كنا في "كاسّي". ولا
شيء ولا شيء. سوف أخبرك بالأمر. في صباح الأمس، كنت أنهيت
رسالتي الموجهة اليك وانا أتناول فطوري، ثم انتقلت الى "الدوم"
وكنت أتصفح مجلة "ماريان ـ ماغازين" وأنا أحتسي فنجان قهوة،
حين سمعت صبياً يعلن من أمام المقهى: "لقد أعلنوا الحرب
على بولونيا". كانت الساعة في حدود الحادية عشرة صباحاً.
كان هناك زبون في المقهى قد دخل وبيده "باري ـ ميدي"، فتراكضنا
جميعنا لنقرأ ما في العناوين، وقرأنا الخبر بالأحرف الكبيرة.
كان سارتر مع واند، وحين ساءت الأحوال وافاني الى الفندق،
وركضت الى هناك من جهتي، والغريب ان الناس في الشارع كانوا
لا زالوا يجهلون الخبر ويتصرفون بطبيعية، الغريب انني شعرت
اني وحدي عرفت بالخبر (...) ثم انتظرت سارتر في مقهى صغير
امام مدخل مترو "ياسي"، تقريباً خلا الشارع من الناس في
تلك الاحياء الغنية، رأيت فقط سرباً من السيارات المغادرة
والمحملة بالحقائب الضخمة. وبعد وقت قصير، رأيت خيالاً لأحدهم
يتقدم بحنو، كان سارتر يرتدي بذلة زرقاء وفي يده حقيبتان.
كان مطابقاً لصورته الاعتيادية وجذاباً. هل تتذكر "السيد
الريشة" الذي كان يضحكك هناك بالقرب من الخيمة؟ حسناً! في
تلك اللحظة كان سارتر مثل "السيد الريشة" (...)
كنا تعبين للغاية وحوالي الساعة العاشرة مساء استسلمنا لنوم
عميق.
(...) استفقنا نحو
الساعة الثالثة فجراً، والليل الدامس يحيط بنا. كنا في "الروم"
وشعرت ان المكان يشبه الى حد ما أمكنة "دوس باسوس". كل باريس
كانت سوداء وهامدة، الى أن سمعنا صوتاً ضعيفاً يأتي من صوب
المقاهي حيث بعض العاهرات الساهرات تضحك على أمل استمرارية
المهنة. شربنا القهوة، ثم عدنا في سيارة أجرة الى "ساحة
هيبر" في ليلة جميلة. هنا كان الأجواء شبيهة بأجواء كافكا،
ولم يكن أحد أمام الساحة سوى جنديين (...) كل شيء كان حالماً
ورومنطيقياً وشاعرياً حنوناً، كانت رحلة جميلة بحق.
في المحطة، كان البهو فارغاً. سأل سارتر عن موعد قطار "نانسي"
وكان في حدود السادسة والنصف، أي كان لدينا نحو ساعة للانتظار.
كان سارتر يبدو لي وكأنه مسافر من دون تفكير عميق بالموضوع
وكأنه يسافر وحده. شربنا قهوة ثم غادرنا وكان النهار قد
أشرق جيداً (...) تركني سارتر ليصعد في قطاره، شعرت بلحظة
قلق وحزن وهو يغادر ثم استدرت ومشيت وأنا أنظر الى أمام.
تخيل أجمل صباحية خريف في باريس، كانت كذلك وكأنها ايضاً
عودة من فرصة سعيدة. مشيت ومشيت مع احساسي بأن كل شيء كان
يتقدم ما دمت أنا أمشي وأتقدم وشعرت أنه علي أن أمشي من
دون توقف.
ترجمة:
كوليت مرشليان / المستقبل