
إنه
يكتب عن بغداد
حسن داود عراقي آخر
يضل طريقه إلى بيروت
وهذا عراقي آخر....
ألم أقل لك إنك ستجد الكثير عندنا!
قلت في نفسي لإجاريه
في سخريته، ربما، أو لرغبتي في كلامٍ سمعت بعض حروفه: ولم
لا، هو حسن، وأبوه داود، ونحن في العراق نستخدم الاسمين
معاً. ألسنا بلاد الطوائف والتمازج الطائفي معاً. حسن ذو
أصول " شيعية " إسلامية واضحة، وداود هو أحد أنبياء اليهود
المذكورين في القرآن، مما لا توجد تحفظات دينية تمنع الأخذ
بأسمائهم. أخذت الكتاب مع غيره من كتبٍ اشتريتها على عجلٍ
من مكتبة (مدبولي) في وسط القاهرة وعدت إلى مكان السكن.
لا أتذكر الآن، بعد
سنتين ويزيد، ما الذي جعلني أحسم أمري وأقرر إن حسن داود
كاتب عراقي (آخر) كما قال لي مدير المكتبة، أهو نظام التسمية،
أم القراءة السريعة لبعض مقاطع الكتاب، وهو مجموعة قصص جُمعت
في عنوان رئيس هو " تحت شرفة إنجي ". لكني أتذكر جيداً،
إني قررت، لاحقاً، إن حسن داود ليس بكاتب عراقي، على الرغم
من إني تمنيت أن يكون كذلك بعد قراءة سريعة لبعض قصص المجموعة.
ليكن " داود " ما يكون، المهم إنه كاتب غير عراقي، والأهم
أنه غير داخل في دراستي. وانتهى الأمر إلى حينٍ حتى شاءت
الصدفة أن ألتقي بحسن، وفي القاهرة أيضاً. قدمني إليه الكاتب
العراقي
(نجم والي)، وحينها لم أتردد أن أخبره بقصة اسمه، وجدته
قد استاء من القصة، أو من روايتي لها، لاسيما بعد أن مازحه
(والي)، بأني لم أشترِ كتابه سوى لاعتقادي إنه
عراقي. وفي جملة (والي) إشارة واضحة إنه كاتب غير مهم، أو
على الأقل إنه غير معروف عربياً.
الآن أستعيد كلمات
مدير مكتبة مدبولي، وأنا أقرأ لـ "حسن" مقاله في ملحق (نوافذ)
الصادر عن جريدة المستقبل اللبنانية. المقال حمل عنواناً
فيه طابع الاستفزاز، مثلما فيه قدراً كبيراً من الألم "
في إن بغداد مثل بيروت فكرة وليست مدينة ". قال، وابتسامة
باهته على شفتيه، وهذا عراقي آخر. لم أسأله آنذاك من أين
عرفت أن حسن داود كاتب عراقي؟! المشكلة إني، كذلك، اقتنعت
برأيه، ولم أكن قد سمعت باسم حسن داود من قبل. وكأن الاسم،
بمفرده حيناً، أو بنظامه التركيبي، يحمل معه جغرافيته، أو
بأدق " وطنه ". وللجغرافية هنا دلالة وحضور الثقافة، التي
تهيأ، سلفاً، أسماءنا كجزء من الرأسمال الرمزي للمجتمع الواحد
الكبير، أو للمجتمعات المندرجة ضمنه. وبالتأكيد يبقى للغة،
لاسيما انشعاباتها اللهجية، حضور وافر في تشكيل وتراكم رأسمالنا
الرمزي، ولكن تظل الجغرافية، بصيغتها الاجتماعية خاصةً،
الأقدر في هذا الموضوع.
يكتب " حسن " مقاله
تعقيباً على فلم العراقي (عدي رشيد)، ولم يتسنَّ لي مشاهدته،
مثلما لم تُتح لي فرصة كافية لقراءة قصص وروايات حسن، وأظنّها
ليست بالكثيرة. حسبما وصلني من كلامه، فإن الفلم تستغرقه
مساحة الظلام الشاسع والمترامي ليلاً في بغداد، التي لم
تخرج من حربها الطويلة بعد، بينما خرجت بيروت من حربها للتو.
العراقي عدي رشيد يرصد بغداد من شقةٍ تطلُّ على دجلة، فيما
يرصد حسن البيروتي (هل هو من بيروت حقاً؟) بيروته من حربٍ
انتهت اليوم لتبدأ غداً.
المدينتان تشغلهما
عن نفسيهما ظاهرة الحرب المعلنة، أو، المؤجلة بصيغة الهدنة
حتى تشتعل الحرب من جديد، تجعل الحرب من المدينتين فكرتين
متماثلتين، إحداهما قديمة، تظهر لنا بصياغات حديثة متعددة،
لكنها لا تلبث أن ترتد إلى صيغتها المثلى، بغداد المستباحة
او المدمرة. صورة نمطية لم يفلح الراحل علي الوردي في موسوعته
الأهم " لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث " أن يتخلص
منها. مدينة لا تنتظر شاعراً جوالاً، لأن أغلب شعرائها ورواتها
في أوقاتها الأحدث، ماتوا إما حزناً، أو صمتاً، أو هجراً،
ليكتب قصيدةً، لا تصل إلينا، في موت بغداد المتكرر. إنها
فقط فكرة بغداد عن نفسها، وعن نفسها أيضاً.
والثانية، التي أجهل
عنها كل شيء، تاريخ ميلادها، وجهة إصدار هوية أحوالها المدنية،
وأين نشأت، وماذا تعلمت، وهل هي صاحبة مؤهل جامعي، وما هي
هويتها : كونها مسيحية أو إسلامية شيعية أو إسلامية سنية،
والأهم هل لبيروت ميتات متعددة مثل بغداد؟! تسعى الثانية،
خلف حداثةٍ فائضة، لإخفاء فشلها في أن تكون لها صيغة أولى
أو أساس. لبيروت صورتان تقتربان من حدود النمطية، الأولى
ثقافية ذات سمة أدبية شعرية بدرجة رئيسة، والثانية استهلاكية.
هاتان الصورتان تحضران بقوة كلما ذُكر اسم بيروت، على الأقل
بالنسبة لي، وهما يدمجان، أو، يُغيبان صوراً أخرى، أهمها
صورة بيروت كونها الضلع الثاني أو الثالث في المنفى العراقي
حسب سعدي يوسف. في طفولتي، مثلما في طفولة ولدي الذي لم
يأتِ بعد، وما أظنه سيفعلها، تشكلت لدي فكرة أولية تدعي
إن تاريخ هذه المنطقة تحكمه أربع عواصم، ثلاثٌ منها متجاورة
، هي: بغداد دمشق بيروت، والرابعة البعيدة بعض الشيء، هي
القاهرة، فيما يبقى المغرب العربي بعيداً، وتشحب العواصم
الأخرى. لا أعرف بالضبط من أين جاءت الصورتين السابقتين،
بيروت النموذج الثقافي العربي بامتياز بالغ، حتى إنها، بنظرة
تستجلي بواطن الأمور ومساراتها، فاقت القاهرة المدينة الأشهر
ثقافياً. ولا عجب، من ثم، أن تنتهي عندنا الدراسات الأكثر
جدية، على قلتها إلى إقرار حقيقة تاريخية بالغة الأهمية،
إن الهجرات الثقافية الأكثر فاعلية في حركة النهضة العربية
مطلع القرن الماضي، قد انطلقت من بيروت، التي هي لبنان،
ودمشق، ولا ننسى إن دمشق وبيروت كانتا تؤلفان منطقةً واحدة
اسمها " سوريا الكبرى "، باتجاه القاهرة. مجمل المنجز الثقافي
البارز، الذي قُدّر للقاهرة أن تحوز عليه، قد أنجزه أولئك
المهاجرين. ولكن لماذا اختار المهاجرون الشوام، وهم، في
الأغلب، من الأقليات الدينية التي كان لها اتصال دائم مع
الثقافة الأوربية، مدينة القاهرة، ولِمَ لم يذهبوا إلى بغداد
مثلاً؟ سؤالٌ تسكت عنه أغلب الدراسات. لقد فرَّ أغلب أولئك
المهاجرين من الاضطهاد الديني تارةً، أو من مجتمعٍ أغلق
أبوابه بوجه أي محاولة تغيير. والسؤال الأهم، هل كانت القاهرة،
آنذاك، تتوفر على قدر معقول من الحرية، أم إن للموضوع جانباً
آخر، يمس القضايا المسكوت عنها في مصر، وأهمها وجود طائفة
مسيحية معقولة فيها. بيقينٍ عالٍ أقول إن الإجابة، التي
لا أدّعيها، عن سؤالاتي السابقة، ستكشف حتماً الحقيقة الوحيدة،
والمهملة، أو بأدق، الممنوعة من الظهور والتجلي، والتي هي،
كذلك، ما يشدّ بغداد إلى بيروت، أو بالعكس، ويجعل منهما
حالةً واحدة أو فكرةً واحدة، هي إن القاهرة، المدينة بحق،
قد نجحت أن تكون عاصمة مصر، بعد أن، وربما قبلها من يدري،
نجحت مصر في أن تتوحد حول ظاهرة الأمة. وهو ما أخفقت به
بغداد وبيروت على السواء.
تختصر هذه المقولة
مآسٍ كثيرة، يصعب عدّها، كان على بغداد أن تسير إليها، وتشكل
منها تاريخاً طويلاً، لا تدّعيه بيروت، من العذاب. لا شيء
سوى العذاب في تاريخ بغداد، عذاب مدينةٍ أخفقت في صياغة
فهم تاريخي لمقولة الأمة، التي هي أهم ركائز وحدة العراق.
وأحسب إن الراحل " عبود الشالجي " قد جانب الصواب، بأن سمّى
موسوعته ذات المجلدات السبع بـ" موسوعة العذاب "، وكان عليه
أن يسميها " تاريخ العذاب في بغداد "، ليؤرخ لظاهرتين، عذاب
الإنسان البغدادي وتعذيبه، وعذاب بغداد في سعيها أن تكون
مدينة.
لم تنجح بيروت، مثلما
أخفقت من قبلها بغداد في أن تكون مدينة. إنهما ظاهرتان يجمعهما
الاختلاف، بقدر ما يفرقهما التماثل. لقد حكم التاريخ على
بيروت أن تُظهر عورتها، وفي المقابل حكم القمع على بغداد
أن توهم نفسها، قبل الآخرين، إنها صارت عاصمة. وما بين الحكمين
القدر ذاته من التباعد والاقتراب، وربما التماثل. لم أدرس
الشعر اللبناني " لماذا لا أقول البيروتي؟! "، على أهميته
البالغة، لأقف عند تجليات بيروت فيه، أو بدقّةٍ
أكثر، لأعرف أيّهما أكثر حضوراً: بيروت أم لبنان. لكني أعرف
أن صورة لبنان شاحبة تماماً، وإن شئت الحق، فإن لبنان لا
يملك صورةً واضحة في الشعر العربي الحديث. بيروت هي الحاضرة
دائماً. ولعلني في غنىً عن ذكر الأمثلة، فإنها كثيرة، بل
إني على يقين إن بيروت، هي المدينة الأكثر حضوراً من سواها
في الشعر العربي. وتلك إحدى أهم تجلياتها، إنها قد تحولت،
بفعل قدرتها البالغة على تغييب لبنان وابتلاعه، إلى " منفى
"، اجتذب قدراً كبيراً من المطرودين من دويلاتهم الناشئة
حديثاً تماماً مثل حداثة بيروت. وليس غريباً إن معظم هؤلاء
المنفيين هم من مثقفي اليسار. حدث هذا الأمر مع المثقفين
الفلسطينيين والمصريين، مثلما حدث مع المثقفين العراقيين.
ألم أقل إن بيروت طردت، من قبل، مثقفيها إلى القاهرة، ثم
أخذت تعي، لاحقاً، أهمية استحصالها على ثيمات أخرى للنفي
والإقصاء كي تبقى على قيد الحياة. وليس في الأمر نوعٌ من
التضامن كما يكتب البعض، لأن بيروت لا تتضامن مع أحد، قدر
تضامنها مع نفسها، أو بأدق، قدر حاجتها إلى هواءٍ إضافي
يستجلبه المطرودون معهم إلى بيروت.
يكتب البعض إن بيروت
حالة مختلفة، وربما أرادوا فكرة مختلفة، فيها قدر معقول
من الحرية المفقودة في غيرها من الحالات العربية المتشابهة،
بضمنها بغداد، والأهم القاهرة. ولقد استجاب دستورها لحالة
الاختلاف المستوطنة فيها، فأسقط من مواده فقرات الدين، وغيّب
موضوع العروبة. وفي هذا الكلام قدر كبير من الصواب، مثلما
فيه قدر مماثل، أو يزيد، من الهرطقة، لأنه يسكت عن الأسباب
ويجاهر بالنتائج، والأخطر إنه يضيّع القيمة الأبرز لبيروت
كونها منفى الثقافة العربية. فليست بيروت حالة ناشزة عن
الوضع العربي، وإن أوهمت الآخرين بذلك، بقدر كونها حالة
استكمالية، بل وضرورية، لوضع العرب المتردي في عصرهم الأحدث،
الذي هو، بحق، أكثر عصورهم انحطاطاً. تظهر بيروت كحالة استثنائية
في الشعر العربي الحديث، مثل حالة العرب الاستثنائية دائماً.
ولا أظن إن شاعراً عربياً ذا قيمة لم يكتب عن بيروت، ولم
يجعلها جنّته الموعودة. ولا أدري أيّة نتائج كارثية سيخرج
بها باحثٌ جاد يدرس صورة بيروت وتجلياتها في مخيال العرب،
وربما يكون الحكام العرب، هم أول من سترعبهم تلك النتائج،
لأنها ستظهر للعالم كله، مقدار البلى الذي أصاب مؤخراتهم
من جرّاء جلوسهم لقرون على كراسٍ لم تجلب لمؤخراتهم سوى
التهرؤ وأمراض أخرى، ولشعوبهم القمع والأحلام الفائضة بجنة
الخالق حيناً، وجنات الأرض، وأهمها بيروت حيناً آخر. ومن
هنا تمسك الشعر العربي بظاهرة بيروت، فهي الحالة العربية
الوحيدة التي لم تصل بعد، وما أظنها تستطيع الوصول، إلى
ظاهرة الدولة. ظلّت بيروت وساكنوها، وأهمهم لبنان، تعاني
من مشكلة غياب الدولة، أو من وجودها الكارتوني، على النقيض،
تماماً، من أخواتها العربيات. ومثلما إن بغداد ضحية القمع
المتولد من ظاهرة الدولة، فإن بيروت ضحية أيضاً، ولكنها
ضحية من نوعٍ آخر غير مسبوق، لم يشهد مثيله تاريخ مدننا
العربية، منذ المدينة المنورّة حتى آخر مدن العرب في جناتهم
الموعودة. وحدها بيروت تسقط على نفسها ضحية حريتها الجامحة،
أو بأدق، ضحية حاجة العرب أن يكونوا أحراراً. ألم أقل إن
بيروت حالة استكمالية !
ثمّة صورة أخرى لبيروت
لا تختلف كثيراً عن السابقة. صورة ابتدعتها السينما العربية،
ورسخها مخيال محموم، وذاكرة تختزل تاريخاً طويلاً من الكبت.
صورة المرأة الغنية، النظيفة، اللاهية عن أي شيءٍ سوى جسدها،
والمغناجة حد الوجع. صورة بيروت العابثة التي تستبدل أحبتها
مثلما تستبدل فساتينها. بيروت الجميلة التي تضاهي أخواتها
العربيات بعشق البحر الأبيض المتوسط لها، إذ لا مدينة عربية
تصمد طويلاً أمام خيارات الأبيض المتوسط سوى بيروت. إنها
بيروت الواحدة الوحيدة، التي يجاهر المتوسطون من الجهة الأخرى،
إنهم على صلةٍ أو علاقةٍ بها. وربما، لأجل هذا، تجد أبناءها،
هم، الأكثر تشرداً من غيرهم حتى فاقهم العراقيون. في خيالاتي
المحمومة عن بيروت لا تظهر عندي بهيئة الأم، دون أن يعني
هذا إن بيروت لم تُنجب، ولم يكن لديها أطفالٌ كثيرون. لقد
كبروا، بعضهم مات في الحرب، بينما جنح آخرون إلى التنكر
لأمومةٍ لا تدعيها بيروت، غادروها منذ قرون، واستبدلوا حليبها
بآخرٍ، فأراحوا أنفسهم، وحملوا عنها عبء تأنيب الضمير، فيما
المهم عندها أن يبقى صدرها جميلاً، دون أن تخربّه حاجة طفلٍ
صغير لرضعة حليب. أتصوّر بيروت امرأة أنيقة، فاحشة الجمال،
تستيقظ متأخرةً من نومها بعد ليلةٍ حمراء، مثلي تماماً،
غير إنّ لياليَّ لا حمار فيها ولا بياض، هي سوداء، بل وكالحة
السواد. لماذا لا أقول الحقيقة، إني أتصور بيروت واحدةً
من المذيعات العربيات وهنَّ في الغالب من بيروت – لبنان،
اللواتي يقدمن أنوثتهنَّ قبل أيِّ خبرٍ أو معلومة. قال لي
صديقٌ قبل سنوات إنه سيذهب إلى بيروت، وسيطلب من صديقته
البيروتية أن تعلمه جميع فنون الغزل، التي ستمكنه من اجتذاب
صديقات أخريات. لم أسأله، آنذاك، إن كان يعتقد إن بيروت
منطقة مغلقة على نساءٍ ينتظرن الرجال الفاتحين. لكني أتذكر
جيداً إني قلت له، وأنا أغادره، إنه قد مضى زمن المطرودين،
ولا تفتحُ، الآن، بيروت أبوابها سوى لنمطين من الرجال، أمراء
البترول، والمتوسطيين، الذين يتسللون خلسةً من فراشها إلى
قصر الإليزيه. لا زال صديقي قابعاً في مكانه، لم يذهب إلى
بيروت غازياً، ولم يغادر قناعاته، لكنه يفكر الآن بالسفر
إلى (دبي)، لم أناقشه في رغبته بعد أن تفرقت بنا السبل،
غير إني أقول له في نفسي كلما رأيته، اذهب وسترى إن (دبي)،
التي لا تفهم من اسمها سوى الحياد الجارح، فلا أنوثة ولا
ذكوره، نسخة مقلدة من بيروت. إنها صورة عن (مدينة) أنتجها
نمط
" بيروت "، وإن شئت الدقّة، فهي نتيجة الخيال البدوي الذي
سحرته بيروت، فأراد تقليدها بقصد امتلاكها. وهو الخيال ذاته
الذي أوحى لأهم شعراء الصحراء العربية، الأعشى قيس، بمطلع
معلقته الأعظم " ودّع هريرةَ إنّ الركبَ مُرتحلٌ ". ولا
أدري إن كان " الأعشى " قد فكر بامرأة جميلة مثل بيروت التقاها
ذات يومٍ، أو لعلها قد أطلّت عليه في إحدى أحلامه، عندما
قال بيته الأهم " كإنَّ مشيتها من بيتِ جارتِها مرَّ السحابةِ
لا ريثٌ ولا عجِلُ ".
ربما... من يدري، طالما إن الشعر في إحدى جوانبه تعبيرٌ
عمّا ينقصنا ونحتاجهُ. ألم يقُل الحطيئة، عندما استهجن عليه
أصدقاؤه معاشرته لامرأة قبيحة، إنها التي قلتُ فيها كذا.
وقد قصد واحدةً من أهم قصائده في الغزل، وربما في الشعر
العربي أيضاً.
هل قدر بيروت أن تكون
جميلة، لتعتاش عليها خيالاتُنا البدوية، لا أدري... لكني
أعلم جيداً إن الصورتين السابقتين لبيروت، لا تمتان بصلةٍ
لبغداد. الاسم العربي الأشهر،
والأقدم، حيث لا اسم يسبقه سوى ثلاثةٍ: المدنية المنورة،
والكوفة، ثم البصرة. والأخيران عراقيان كذلك. بغداد مركز
العباسيين الذي سادوا منه العالم في حينه، والأهم إنها مركز
العراق، البلد الذي لم يستطع التاريخ، في مراحله جميعها،
أن يغيبه: غازياً ومحتلاً، قوياً وضعيفاً. وما أظن منطقةً
جغرافية بعينها تختزل التاريخ كما العراق، مثلما لا أظن
أن بلداً آخر غير العراق يمتلك هذا القدر المخيف من التعدد
والتنوع الثقافي الحضاري، ألا يسمون متحفه الوطني في بغداد
بـ" متحف المتاحف "، وهو الرابع عالمياً من حيث المساحة،
والأول، دون منازع، من حيث الأهمية. ولولا احتلال بغداد
(لأخير) لكان الأول مساحةً بعد استكمال مخططات توسيعه، وهي
الأكبر في تاريخه، لتكون لديه إطلالة بارزة على شارع حيفا،
أحد أهم إضافات (لبعث) على بغداد. ولا أراني مبالغاً، إن
ادعيتُ، إن مصر بكل ما وهبها الإعلام العربي، وأغلبه مُدار
من إعلاميين مصريين، والغربي، من عراقةٍ وأهميةٍ استثنائيتين
في العصر الحديث، حتى مصر لا تمتلك عُشر ما لدى العراق،
وليس في الأمر ثمّة مبالغة، ولا، وهو الأهم، أيّة إساءة،
فالحضارة المصرية " القديمة "، حتماً، ذات بصماتٍ ثلاث،
وفي أحسن الأحوال ثمّةَ بصمتين إضافيتين. يمكن للمطلع أن
يعدّها على الأصابع، ولكن كم بصمة للعراق. سألتُ الدكتور
(هديب غزالة)، الأستاذ المختص بالتاريخ القديم، والباحث
العارف، فهزّ لي رأسهُ وقال: كثير... كثير... كثير وتلك
هي المشكلة!؟
عراقي آخر، شاءت الصدفة
أن يولد في مصر ويحمل جنسيتها، لكنه بعد زيارة عمل إلى بغداد،
اعتنق الحالة العراقية، وتزوج منه، وفي آخر أيامه كتب وصيته،
التي لا أظنُّ أحداً قد قرأها سوى القليل من طلابه، ومن
قرأ كتابه القيّم والمهمل، الذي يعدّه بعض المنصفين الأخ
غير الشقيق لكتاب جمال حمدان " عبقرية المكان " عن موقع
مصر، وهو " الموقع الجغرافي للعراق وأثره في سير أحداثه
التاريخية ". طلب الدكتور " إبراهيم شريف " في وصيته أن
يُدفن في العراق، ولا أدري إن كان قد حدد مكاناً بعينه.
ويا للمفارقة المؤلمة، المصري يطلبُ أن يُدفن في العراق،
بينما العراقي لا يُدفن في بلده، أو لا يُدفن مطلقاً. ولا
عجب، بعدها أن سعت حكومة
بغداد، التي لم تجد، وقد أدركت الثمانين، ما يتسع من وقتها
لاحترام رعاياها، فكيف بها، وقد جهدت في تكريم " شريف "،
نظير خدماته، بأن استضافته في مديرية أمنها بتهمة محترمة،
طالما كرّمت بها أبناءها، هي التجسس، فكانت مكافأة مجزية
لنهاية خدمته، أن وضعت جثته بتابوتٍ وأرسلته إلى القاهرة.
يكتب الدكتور إبراهيم شريف، إن الشرق الأوسط يشكّل، بمجموعه،
منطقةً جغرافية واحدة، يحتل منها العراق مكانة المركز. الجغرافية،
إذن، تحكم الجميع: السكان وحركتهم (لماذا لا أقول هجرتهم
نحو العراق)، صناعة التاريخ، ثم حضارة ببصمات عديدة. وليس
بمقدور أحد أن يفلت من قدره، وللعراق قدرٌ واحد، أن يكون
متعدداً ومختلفاً. يذهب البعض إلى أن سمتي التعدد والاختلاف
هما من شكّلتا خصوصية العراق، وهما، وفي المقابل، أهم أسباب
ظاهرة القمع المستشري في تاريخه المديد. فمنذ توحيده الأول
على يد (ون الأكدي)، حتى صيغة الدكتاتور، والقمع هو السبيل
الأوحد لوحدة العراق، بل ولظهوره السياسي الطاغي. لا يقدم
لنا تاريخه الحافل من سبيلٍ آخر للوحدة سوى القمع، ولا أدري
أهو حكم الجغرافية أم حكم التاريخ؟ ألم يقل الدكتور " غزالة
" إن العراق ذا بصماتٍ كثيرة... وكثيرة، وتلك هي المشكلة،
التي تبدأ، أو لا تبدأ، بموضوعة الحكم، ولا تنتهي بظاهرة
العنف سبيلاً للاحتجاج ولقمعه معاً، ألم يحاجج " طه حسين
" الوزير آنذاك للمعارف العراقية " محمد رضا الشبيبي "،
بأنه لم يجد في تاريخ العراق سوى العنف والغضب، وهو ما يفسّر
لديه " ثورية " العراقي، التي حرمته من قيام مؤسسات سياسية
راسخة تتولى إدارة شؤونه، فردّ عليه " الشبيبي " بأنّه لم
يجد، هو الآخر، في تاريخ مصر سوى شخصية راكنة بتلذذ لسلطة
الحاكم، وهو ما يفسّر لديه، أيضاً، قيام مؤسسات سياسية تولّت
إدارة شؤون مصر. وفي كلام " الشبيبي " إشارة، وإن ضمناً،
إلى الخاصية الأساس التي ميّزت حضارة مصر وثقافتها عن حضارة
العراق وثقافته، كون الأولى أولدها مكانٌ منسجم أخرج لنا
حضارة منسجمة، فيما الثانية ضحيّة مكان مفارق
تماماً، أنتج لنا حضارة مفارقة حقاً. هل أقول إن شخصية مصر،
وبالتالي، المصري، منسجمة مع نفسها، على خلاف شخصية العراق،
وبالتالي، العراقي، ذات الصيغة المفارقة والمختلفة، تماماً،
مع نفسها... ربما لا أدري، لكنني أعلم جيداً إن قدراً وافراً
من الهرطقات، ومثلها، بل، ويزيد من أكاذيبٍ لفّقها عراقيون
عن بلدهم، وعربٌ عن
مخلّصهم المنتظر، وأجانبٌ ينتظرون الفتنة القادمة، أو، المقيمة
ليزيدوا خزائنهم مما يملكون في متاحفهم من إرث العراق، ثم
ليكتبوا عن عراقٍ مُتخيّل: عجائبي، فلكلوري، إسلامي، نهضوي،
ودكتاتوري. كلهم يكتبون عن العراق ؛ لأن الكتابة عنه، تشبه،
إن لم تتطابق تماماً، مع موضوعة البحث عن الذهب، الحقيقي،
وما يتشبّه به: الأسود،
الأبيض، والقائمة طويلة لا تنتهي بالعراق ذاته. الجميع يكتب
عن الشهرة الواسعة التي حاز عليها العراق، أو إنه يكتب بأثرها.
إنهم يُغرقوننا بكتاباتهم، العرب بإنشاءاتٍ عثّة إلاّ ما
ندر، والأجانب بصورتهم عن الشرق نموذج العراق، وفي المقابل
لا تتوفر كتابات العراقيين عن بلادهم، باستثناءات قليلة
ومحدودة في مقدمتها الوردي وطه باقر وبعض الدراسات الشحيحة
حد النفاد في الأدب (دراسات عبد الإله أحمد في القصة العراقية
مثلاً)، على فهم تاريخي – ثقافي لإشكالات العراق، وأولها
فكرته الغامضة عن منطقة بغداد، التي يظهر إن الجغرافية قد
حكمتها، كذلك، مثلما حكمت من قبل العراق. يشطر (دجلة) بغداد
شطرين، الكرخ والرصافة. اختارت العقلية العسكرية الكرخَ
منهما ليكون مركز الحكم وإقامة الخليفة (لحاكم) فيه، وجعلت،
في المقابل، الرصافة معسكراً مفتوحاً لجيوشها. ولابد إنها
قد فكرّت ملياً بوضع دجلة كحاجزٍ وحدٍ طبيعي يمنع الأعداء،
وهم هنا، في الغالب، من أبناء المنطقة ذاتها، بغداد أو غيرها،
من الوصول إلى مركز الحكم و " إسقاط " المدينة.
أغلب
" مدن العراق " تشكلّت بالطريقة ذاتها، إنها " مُصممة "
وفق مزاج ورغبة العقلية
" الحاكمة "، وهي، في الأعم، عقلية عسكرية، وكأن " مدن "
العراق تقدم للباحث إحدى أهم تجليات السلطة فيه. لا أظنّ
إن تغييراً جدياً قد أصاب شكل بغداد، والأهم، فكرتها عن
نفسها منذ ظهورها الأول حتى صيغة صدام حسين. بغداد هي ذاتها،
لأن العراق هو ذاته. حقاً لقد اتسعت بغداد كثيراً، توسعت
أقضيتها نواحيها، حتى أصبح لدينا ثلاثة أشكالٍ لبغداد: بغداد
الكرخ، بغداد الرصافة، بغداد الثورة، التي ارتبط اسمها بالراحل
" عبد الكريم قاسم "، وبقناة الجيش التي حُفرت في عهده،
والتي أصبحت تسمى الآن
بـ " مدينة الصدر ". الغريب إن الأشكال السابقة مفصولة عن
بعضها بحاجز نهري، والأغرب إن الصيغة الرسمية والشعبية قد
مالت إلى إطلاق صفة " المدينة " على منطقة الثورة، وكأنها
تؤكد انفصال الأخيرة عن بغداد سكانياً، والمهم، ثقافياً.
فهي " مدينة "
الثورة، ثم " مدينة " صدام، وليس بآخرها " مدينة " الصدر.
وفي المقابل تختفي، رسمياً وشعبياً، صفة " المدينة " من
الكرخ والرصافة. ألم أقل إن فكرة " المدينة " في العراق،
وبغداد تحديداً، تفضح شكل الحاكم ونمط السلطة، وإن تغيرت
الأسماء والوجوه.
لم تتغير " فكرة "
بغداد، ظلّ دجلة يخترقها من الوسط، يتركها خلفه، في الماضي
القريب، كان يفيض عليها غاضباً، ربما لأنها جاهرت دوماً
بتحدّيه، بيقينها الذي لا تملّ من تكراره، إنها " مدينة
" و " واحدة "، تقول له عند عتباتها الأخيرة: عبثاً تحاول،
وهو، الفرِح بمنظر بيوتها المبتلّة، يضحك منها، ويقول: سنرى
من منّا العابث!؟ وعلى مسافةٍ ليست بالبعيدة من عبث الاثنين:
دجلة وبغداد معاً، تستقر الحقيقة الوحيدة المؤكدة حتى الآن،
إن جميع محاولات تغيير " بغداد " انتهت إلى فشلٍ ذريع، فالتصاميم
التي توالت من مطلع أربعينيات القرن الماضي حتى آخرها عام
1979، استقرت، في النهاية، على أدراجٍ مُهملة وقديمة في
أمانتها. اللافت إن بعض التفسيرات تُعزي هذا الفشل المتكرر
إلى الهجرات المتلاحقة إلى بغداد، هجرة السكّان، ولاحقاً
هجرة الحكّام إليها. مثل هذا التفسير، وغيره، يسكت، على
وجاهته، عن الأمر الأهم هنا، إن بغداد نتاج العراق، أو نتاج
فكرته عن نفسه، وبضمنها فكرته عن المكان الذي شغله تاريخياً،
وشكّلهُ ثقافياً. ومن العجب أن لا تشغل فكرة
" المدينة " وتشكّلاتها الثقافية في الحضارة العراقية أذهان
الباحثين العراقيين، لاسيما وأنهم أول من اخترع فكرة " دولة
المدينة " كأول شكل سياسي للحكم. وسؤالي المُلح هنا، ما
الفكرة التي شكّلها العراق عن مدنه الأولى: الوركاء، نُفّر،
أكد، بابل...، أهي الفكرة ذاتها التي شكّلها عن مدنه اللاحقة،
وآخرها بغداد؟
لا أدري، ولا أدعي
أني أملك الإجابة. فالعراق المُختلف عن غيره، والذي يملك
إجاباتٍ كثيرة أخرى، مختلفة، بل ومتناقضة عن نفسه، وعن أسئلةٍ
أخرى لا تحضر الآن في أذهان المشغولين به، والذي سيفاجئهم
العراق دائماً بإجاباته " الواقعية "، تماما، مثلما يفعل
الآن، والأهم، الذين عاشوا فيه، وشكّلوا، فضلاً عن مكانه
المفارق، ظاهرتهُ، ومنها مدنه، التي لم يصل إلينا أخبار
الكثير منها، مثلما لم تصل إلينا حقائق أخرى عنه، أو لم
نصل إليها حتى الآن. أظن إن أهم تلك الحقائق المفقودة، أو
بأصح، اللامُفكّر بها، هي نمط الثقافة التي سادت العراق
في قرونه الأخيرة، الثمانية، أو، السبعة، وربما الخمسة،
والتي لا أدري إن كانت استمراراً للنمط، أو، إحدى أنماط
ثقافته السابقة، وهل أعاد المكان تكرار مشهد الصراع السابق
بين أنماطه الثقافية السابقة، والنمط الوافد، أو المتحوّل
عنها؟ تحتاج تلك القرون إلى دراسات اركيولوجية عالية الكفاءة،
تستكمل جهود العلاّمة " علي الوردي ". وهي، كما أزعم، التاريخ
الأكثر أهمية في تشكّل العراق الحديث، والتي توصَف في غير
دراسة بـ " ظاهرة التخلّف " الملازمة للعراق الحديث، على
الرغم من محاولاته الجادّة، بل والرائدة على صعيد المنطقة،
في مطلع القرن الماضي، للتخلص منها دون جدوى. من المؤسف،
أن المثقفين العراقيين، وهم في الأعم، لا يُشكلون، بمجموعهم،
فئة اجتماعية واحدة، ولا أقول طبقة اجتماعية، تستغرقهم قناعات
بالية عن سلطةٍ أولى للثقافة، وبالتالي، للمثقف، إزاء سلطةٍ
ثانية للسياسة، وبالتالي، للسياسي يريدون الآن استعادتها
بعد احتجاجات مضمرة قُدّر لها، لاحقاً، أن تتحول إلى ضجيج
لا طائل منه، ضد نظامٍ يصفونه
بـ " الدكتاتوري ".
والأغرب أنهم يشيرون إلى الأهمية الاستثنائية التي تحظى
بها دراسات
" الوردي "، ومن بعده الفلسطيني ذو الأم العراقية " حنّا
بطاطو "، ولكنهم يسكتون، أو بأصح، لا يفكرون، بالحقيقة الأهم
التي خرج بها الوردي، وإن لم يذكرها صراحةً، وجاء بطاطو،
بعده، ليؤكدها، هي إن السياسة وسلطاتها كلّها، نتاج أصيل
للثقافة، أو بأدق، للنمط المهيمن في العراق منذ قرون، وليس
العكس. لقد استيقظت بغداد ليلة التاسع من نيسان، لا على
ضجيج الدبابة الأمريكية، كما يدعي الإعلام العربي المأزوم،
أصلاً، بعقدة المدن العربية المقهورة، ولا على عظامها المُهشّمة
من جرّاء سقوطها المدوّي على بلاط القصر الجمهوري، ولكن
على حقيقةٍ أخرى، مختلفة، وبعيدة تماماً عن أوهام المثقف
" العربي " بعامّةٍ، و " العراقي " بخاصّة عن بغداد والعراق،
إنها أخذت تستعيد ذاكرتها، أو بأدّق، تستعيد ميتتها الأخيرة،
أن تكون مدينة....
ملاحظة: نشر في جريدة
" المستقبل " اللبنانية، بتاريخ - الأحد 5 تشرين الثاني
2006 - العدد 2436. ولقد أجرى الأستاذ " حسن داود " بعض
التغيرات، شملت عنوان المقال فأصبح " بيروت وبغداد... إحداها
في مرآة الأخرى "، وقسما من مقدمة المقال. والتغيرات، أو،
الحذوفات من المقال، لا تندرج في باب " الرقابة " أو " تعسف
" المحرر إنما تنسجم مع مبدا " التواضع " المستحكم في عمل
" الأستاذ " حسن داود ؛ كون العنوان والبداية تتحدثان عنه.
وها انذا أعيد نشر المقال كما هو، بعد اخذ الموافقة منه.
حمزة عليوي / كاتب من
العراق