حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

قصف 'الأخوة'
في الملتقي الشعري البديل

قال عبدالمنعم رمضان: انهم عدميون!
قلت: ولماذا تتكلم باسمهم؟!
قال: لا أتكلم باسم أحد، ولانيابة عن أحد.. فقط يشغلني مستقبل الشعر.
عبدالمنعم رمضان المشغول علي امتداد حياته بضبط المسافة بينه وبين المؤسسة، بينه وبين خطواته، وبين خطواته والشارع، وبينه وبين نفسه.. ليس واضحا تماما، يسكن بيتا لايغادره، وغرفة يحرص علي اسدال ستائرها أو يطل من خلف شباكها الصغير.. كيف له ان ينتقل مباشرة إلي قاعة فؤاد مرسي بحزب التجمع الوطني الوحدوي الاشتراكي..!

كيف له هو الفردي بامتياز ان يهتف لجماعية ظاهرة، ويعلن الاحتياج العام (حتي لاتستطيع أي عاصفة.. أي إعصار، أي ريح ان تقتلعنا كافراد).. ويعلن الحاجة إلي تضامن الشعراء (نحن في حاجة إلي ان نتضامن.. ان نلتصق.. ان نغني اغانينا ذات الوجوه والألسنة التي عددها بعددنا، وان تتشابك ايدينا، في حاجة إلي المشي معا دون ان نتجاهل اننا مختلفون).. كيف له وهو الشاعر الخاص، المعادي لكل ما هو عمومي وعام.. الشاعر العام.. الجمهور العام.. والرأي العام.. ان يخوض مظاهرة جماعية قوامها شعراء غاضبون؟!

حلمي سالم الشريك الآخر المنظم لامسيات الشعر البديل.. رئيس تحرير مجلة (ادب ونقد) الصادرة عن حزب التجمع الوطني الاشتراكي.. هو صاحب الارض، وصاحب المكان، وطوابير طويلة من الشعراء الشباب يجرون خلفه..

حلمي سالم صاحب كتاب (الحداثة اخت التسامح).. الرحب المؤمن بالتنوع والتعدد، والتجاور، والمقتنع بجدوي الحركات الجماعية.. هو نفسه الذي قام بشطب بعض الشعراء من المشاركة في أمسيات البديل، أو علي الأقل استجاب لضغوط استبعادهم (صمم عبدالمنعم رمضان علي استبعاد الشاعر أحمد الشهاوي، وصمم حلمي سالم علي حضوره.. ثم كان الاستبعاد الذي فجر استبعادات اخري وانسحابات وبيانات مضادة)... حلمي سالم بدا متورطا داخل الملتقي البديل، بعيدا عن صورته، وخارج هيئته التي نعرفها جميعا!

عبدالمنعم رمضان وحلمي سالم شاعران سبعينيان.. الاول ينتمي لجماعة (اصوات) والثاني ينتمي لجماعة (اضاءة).. ولكل منهما اقتراحه الجمالي الجاد.. فكيف لهما التدبير لملتقي هزلي بهذه الصورة.. هكذا تساءل البعض في دهشة!!

والملتقي هزيل وهزلي بالفعل، فالمقدمات والاهداف الصغيرة لابد ان تنتهي الي نتائج صغيرة..
افتقد الملتقي البديل (6:8 مارس) السؤال الحقيقي.. سؤال الشعر.. ليس ثمة معني يحدد ملامح الأمسيات الشعرية وهويتها.. ليس ثمة معيار واضح لمشاركة الشعراء، حضورهم أو غيابهم.. ليس ثمة مشروع جدي.. ليس ثمة قصيدة تشغل بال أحد، قضايا الشعر غائبة.. والشعراء الذين اقيم من اجلهم الملتقي (الاجيال الجديدة من الشعراء) غابوا علي الأكثر، وهو المعني المؤكد لابتعاد الملتقي عن اهتمام وشواغل هؤلاء الشعراء.

الاخوة المفتعلة

المشهد الشعري يعاني الارتباك، هو ما اشار اليه البيان الافتتاحي للملتقي (فالذاكرة مشوشة، والشعر فيها ليس ابيض مثل الحلم، ولا أزرق مثل السماء، ولم يكن حتي أسود مثل الليل)..

القصيدة ليس سهلا الامساك بها (داخل الملتقي أو خارجه) والقصيدة الشابة خاصة تستعصي علي التحديد.. فالحدود منتهكة بين الشعر وبين النثر، لانعرف اين يبدأ اي منهما ولا أين ينتهيان. لا أحد يعرف تماما الهدف الذي اجتمع عليه الملتقي البديل.. لا أحد يعرف من هم المجتمعون ، وكيف لهم ان يلتقوا.. المشهد مليء بالفرقاء.. افراد متناثرة ، لاتشغلهم (الأخوة) ولا (الابوة) ولا (البنوة) الروحية.. تلك المفردات التي تبعثرت علي امتداد الملتقي البديل بلا معني او بمعاني مبددة.. بقايا خطاب سبعيني لجماعات الحماية.

أكثر من بيان وأكثر من صوت..خلافات دون اختلاف وصراعات دون موضوع... بيان افتتاحي كتبه عبدالمنعم رمضان (بيان سبعيني تماما) قام شعراء الثمانينات بقصفه في البيان الختامي (صراع دائر وقديم بين الجيلين لم يحسم بعد).. بينما لم يعلن شعراء التسعينيات كعادتهم.. لابيانات .. لا أسباب .. ولامشاركات .. فلا يوجد اهتمام حقيقي لديهم بما يجري داخل الملتقي البديل.. او ان اهتماماتهم في مكان آخر خارج هذه الوصاية وتلك الاخوة المفتعلة..
يقول الشاعر عماد فؤاد في مقدمة (انطولوجيا قصيدة النثر المصرية) تصدر في الجزائر خلال الاسابيع القادمة.. (ان قصيدة النثر المصرية تتواجد في الظل، وتنأي بنفسها عن اضواء النيون المشعة في ردهات المهرجانات واحتفالات المؤسسات الثقافية الرسمية.. صرنا نتعرف بعضنا الي بعض مثل لصوص الحانات، ومجرمي الطريق.. نخط سطورنا ثم نمحوها، لنخطها من جديد.. نحن في عرف الاخرين اولاد ضلال، اصوات لم تتشكل بعد، وكيانات لم تكتمل.. ونحن نعرف انفسنا، نقول بابتسامة: نعم نحن رعاة ظلال وحارسو عزلات ايضا).. شعراء قصيدة النثر أو الاجيال الشابة من الشعراء، لم يعنهم الملتقي الذي اقيم من اجلهم، او اقيم باسمهم ودفاعا عنهم وعن تهميشهم (أو هكذا أعلن)..

لايوجد هدف واضح وصريح .. ولعل الواضح ليس بريئا تماما، وهو محاولة احتواء الشعراء الشباب، وانتزاع اعجابهم واعلان الوصاية.. لكن الامر لم يكن بمثل هذه السهولة، فلم تفلح في تمريره (الابوه) المدعاة. والاخوة التي لاوجود لها.

البديل الوحيد المطروح علي طاولة اللقاء، لم يكن البديل الشعري ولكن البديل التنظيمي.. اتفاقات، واختلافات، والتباسات ومشاركات وصراع صلاحيات، وحضور وغياب لاسماء الشعراء.. كل شيء إلا الحوار الحقيقي، الفاعل والفعال حول الشعر وقضاياه.... غاب الفعل الشعري الحقيقي واقصد القصيدة ذاتها.. ومرة اخري ينهار الوضوح لبطل الغضب عنوانا صاخبا لملتقي اختلف فيه الغاضبون.

الشعراء ينسفون الملتقي

غضب الشعراء من استبعاد المؤسسة الثقافية لهم.. عندما اقام المجلس الاعلي للثقافة ملتقي الشعر الدولي (16:19 فبراير) وتجاهل الكثير من الشعراء المصريين خاصة التيارات الحديثة، والاجيال الشابة، وشعراء قصيدة النثر..
لكن الغضب الذي اعلن عن نفسه في ملتقي بديل افتقد المعايير والاسباب الموضوعية، مكررا نفس اخطاء المؤسسة وبصورة افدح.. والغضب الذي اظهره البعض من التمثيلية الرديئة التي اقامها المجلس الاعلي للثقافة لتتويج محمود درويش بجائزة الملتقي الشعري (ويستحقها دون حاجة إلي تمثيليات وعروض مسرحية) البعض من هؤلاء كان علي استعداد ان يقبل نفس التمثيلية الرديئة اذا كانت احتفالات التتويج تخص الشاعر ادونيس. البعض اعلن غضبه من استبعاد المؤسسة الثقافية، وتهميشها للشعراء، علي الرغم من ان كثيرا من هؤلاء الشعراء يتأكد حضوره الشعري داخل الهامش بعيدا عن سلطة المؤسسة.

هكذا اعلن الملتقي البديل (الغضب).. لكن مؤتمرات ردود الفعل ببساطة ليست مؤتمرات، والمواقف ذات خطوط الرجعة ليست مواقف، انها فقط ألاعيب لفت الانتباه.. ومحاولات فرض الوصاية، وهو مالم يقبله الشعراء الشباب ، فغابوا عن أمسيات الملتقي البديل.. واعلن البعض الذي شارك احتجاجه الصارخ في البيان الختامي.. (لانرضي بالملتقي البديل، لانه ان كان رده فعلا علي سلوك المؤسسة.. اننا في حاجة الي فعل حقيقي قائم بذاته ولذاته).
هذا هو الخطأ.. لافعل حقيقي قائم بذاته ولذاته.. ومراوغة ضبط المسافة بين المثقف والسلطة فقدت فاعليتها، وهو ايضا ما رفضه الكثير من الشعراء في الملتقي البديل.. (الوصاية) بداية­ خاطئة.. الوصاية علي الغضب والوصاية علي الشعر، وصاية الشعراء المنظمين.. وصاية الآباء.. ووصاية الشعراء الكبار .. الشعراء النجوم..

طلب المنظمون لامسيات البديل من الشاعر سعدي يوسف كتابة رسالة إلي الملتقي، فارسل من لندن تحية مثالية إلي جمع من الشعراء لايعرف اسباب اجتماعه.. (نصف الرسالة الاخير، قصيدة كتبها في بيروت عام 1979).. وطالب المنظمون من الشاعر وديع سعادة المقيم في استراليا ان يوجه كلمة للملتقي فغرق في الانفعال الشخصي.. ولدواع انتخابية قفز الروائي فؤاد قنديل إلي المنصة (حيث انتخابات اتحاد الكتاب علي الابواب) برغم ضعف علاقته ليس فقط بالشعر والشعراء ولكن ايضا بالغضب والغاضبين.. وبالطبع كانت كلمته بيانا شديد السخونة، عالي الصوت ليلائم كذب المشهد..

وقف الشعراء الشباب علي مبعدة، لايعنيهم الصخب الدائر حولهم.. في مؤتمر المؤسسة الرسمية تم استبعادهم، وفي ملتقي الشعر البديل قاموا باستبعاد انفسهم.. فالملتقي باختصار ليس ملتقاهم، والسؤال ليس سؤالهم.. كما ان الفعل الشعري المقترح داخل أمسيات الشعر البديل، لايناسبهم ولايعبر تماما عن افكارهم ورؤاهم.. مرة اخري هي طريقة سبعينية قديمة يرفضونها او يرفضون وصايتها الشعراء الذين حرصوا علي الحضور هم علي الاكثر شعراء الثمانينيات (فتحي عبدالله، ابراهيم داود، محمود قرني، عاطف عبدالعزيز، كريم عبدالسلام، وعزمي عبدالوهاب).. ربما بحكم المرارة ورغبة اعلان الوجود وملاحقة الضوء.. قاموا بكتابة البيان الختامي بمشاركة سياسية من حسني عبدالرحيم.. كان بيانهم احتجاجيا علي البيان الافتتاحي الذي يناوش المسافة.. رفضوا الملتقي البديل.. ورفضوا الوصاية.. ورد الفعل.. ورفضوا المسافة وضبطها.. وتحركوا في اطار من الوعي السياسي.. قلبوا السحر علي الساحر، معلنين بهدوء فشل الملتقي البديل وفشل امسياته.

 

عبلة الرويني - عن (أخبار الأدب)


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.