شاعرية
المجاز العاري
المقولة
التي تجعل الطفولة اساس الحياة وركيزتها الأهم والتي جاء سيغموند
فرويد ليرفعها الى رتبة الحقيقة العلمية، تنسحب بدورها على الشعر
والفن في وجه عام. اذ لا شاعرية غنية من دون طفولة غنية، بحيث
يمكننا ان نعدّل الحكمة المعروفة على الشكل الآتي: "قل لي أي
طفولة عشت أقل لك أي شاعر أنت". فالشعر يتكون على الارجح في
تلك المناطق الداكنة التي يختلط فيها ضوء الشمس بمياه الظلمات،
ولمعان النجوم الاول بغرق الاقدام الصغيرة في الدروب الموحلة.
في تلك المرحلة فقط تكتسي الموهبة البيضاء العارية بلحم المخيلة
البض ودم اللغة البدائي الذي يحاول الخروج من حدود التأتأة الى
رحابة التعبير. وفي تلك المرحلة فقط يتم النقش المبكر على حجر
البدايات الذي يحتفظ بنواته الصلبة الى نهاية العمر.
ليس
صدفة اذاً ان يخرج معظم شعراء العالم المعروفين من الارياف والقرى
النائية ،وان تنفتح لهم، والى ما لا نهاية، الابواب الخلفية
للحياة التي لا تنضب. ففي تلك الاماكن فقط يمكن الروح ان تحلق
في فضاء السعادة الطلق وان تنصب أفخاخها وكمائنها للطيور كما
للمفردات، لعطر الوردة كما لشميم اللغة، ولخرير المياه كما لانسياب
الموسيقى في جسد الكتابة. كل شيء هناك مفتوح على داخله وعلى
ما هو خارج عنه في وقت واحد. العشبة تصغي الى روحها العطشى فيما
هي ترهف سمعها للمطر الذي يتهيأ للنزول من احشاء الغيوم. الشجرة
تتكلم اكثر من لغة واحدة تتخاطب من خلالها مع تراب الاعماق واختلاجاته
المتنوعة في أقاصي الظلمة واخرى تحدّث بها الريح، وثالثة أشبه
بالشعر تعبّر فيها عن الرغبة في السفر والضجر من الاقامة. ثمة
مساحات كافية لكي تخرج القصيدة من احشاء الاغاني والمآتم والاعراس
وقصص الحب التي تنتهي غالباً بالزواج او الموت. ومساحات اخرى
في الحقول وخلف قطعان الماعز وأسراب النحل البري وتحت نحيب النساء
المهجورات، وكل ما يشكل القاع الحقيقي لاولئك الذين اصبحوا في
ما بعد شعراء العالم وحالميه الكبار.
الشعراء
في هذا المعنى ليسوا سوى الابناء الشرعيين لأبوة الطفل الذي
في داخلهم. الطريف في الامر ان بقاء الأب على قيد الحياة شرط
ضروري لبقاء الابن، الذي يحتاج لكي يحتفظ بجذوة الشعر الى ان
ينقّب باستمرار في ذلك العالم الوردي الذي يتأثث من حواضر الطفولة
وكائناتها الجميلة. وهو ما يشير اليه الناقد فرانس هيلينز بقوله:
"ليست الطفولة شيئاً يموت فينا وينحلّ" ما ان ينتهي دوره. انها
ليست ذكرى، انها الكنز الاكثر حياة. وهي تستمر بإغنائنا رغماً
عنا. وويل لمن لا يقدر ان يستعيد طفولته او ان يدركها من جديد
في داخله. كجسد في جسده الخاص او كدم جديد في الدم القديم".
هذا
البعد الرمزي للطفولة هو الذي يغذّي وردة الابداع باستمرار ويعصمها
من ذبول محقق. ثم، أليس الشعر نفسه نوعاً من العودة الى لغة
البداهة وبحثاً عن الفطرة الاولى التي تُراكم السنوات فوقها
طبقات كثيفة من الصدأ. وكما يقشر النحات الحجر بحثاً عن لبّ
المادة وجوهرها الخالص فإن الشاعر يقشر اللغة، كما الحياة، من
موادها الزائدة وفضلاتها المتراكمة وصولاً الى النواة التي تشع
في غياهب الاعماق. إن شعراً لا يتعمد في الماء الكوني للطفولة
الصافية سيظل، مهما امتلك صاحبه من مهارات، محكوماً بالبلادة
والتخثر والجفاف الذهني.
اجمل
ما كتبه الشعراء في هذا المعنى مدين لما خلّفته الطفولة وراءها
من أصداء وترجيعات. كذلك كان الامر مع السياب الذي حوّل نفسه
الى "معمدان" آخر لمجرى بويب النحيل، او مع خليل حاوي الذي رأى
في صورة المرأة الغجرية انعكاساً للجمال غير المحسوس الذي يتفتح
كالثمرة في برية العالم النائية، او مع أدونيس الذي هتف في مطلع
سيرته "لم تكن الارض جسداً كانت جرحاً" وراح يضمد بأوراق قصّابين
ونعناعها ومائها القديم ما تركته المنافي على جسده من خدوش.
اما شاعر الاردن الراحل مصطفى وهبي التل، الملقب بعرار، فقد
آثر ان يترك بلاطات الملوك ليلتحق بمضارب الغجر المتنقلين بين
الجبال والاودية بحثاً عن الشيفرة السرية لشاعرية القلب والمشافهة
والمجاز العاري. وللاسباب نفسها وجد كل من بوشكين وغارثيا لوركا
في حياة الغجر واشعارهم وأغانيهم ما يصلهم بالحبل السري لفردوس
القصيدة المفقودة.
من
دون تلك الحياة التي تلمع هناك. تلك الحياة التي تغطي وجودنا
الارضي "بشعرها الطويل حتى الينابيع"، وفق أنسي الحاج، والتي
بأظافرها الليلية المجردة تميط اللثام عن الذهب الموارى في تراب
النسيان. من دون ذلك كله كيف كنا سنتحمّل عار كوننا أحياء في
هذا الزمان العاهر؟!
شـوقـي
بـزيـع - ملحق النهار