جاك داراس:
مؤثرات جديدة في الشعر

عندما بدأت اعمال مهرجان جرش للثقافة والفنون في شقيها الشعري والنقدي، كانت هنالك اشياء يتقضي الاشارة اليها. وأجد عنوان مقالتي قاصرا عما اود التعبير عنه، فهذه المؤثرات ليست جديدة تماما، وليست غريبة عن تراثنا تماما ايضا، لكنها غير مستعملة في شعرنا المعاصر، ولفت نظري انها جزء اساسي من الشعر الاجنبي الذي قرأ في مهرجان جرش في دورته الثانية والعشرين لهذا العام. في هذا المهرجان، كان هنالك صنفان من الشعراء: الشعراء العرب الذين كانوا مجرد قارئين، لا يعيرون للمؤثرات اي عناية، والشعراء الاجانب (جاك داراس من فرنسا، وسارة ماغواير من بريطانيا، ويانغ ليان من الصين، وجوزبي كونتي من ايطاليا) الذين كانوا قارئين وممثلين للمعني ولايحاءات الشعر في الوقت نفسه. الصنف العربي، كان يغفل عن استثمار الحركة في تمثيل معني الشعر وصوره وايحاءاته القريبة والبعيدة معا. اما الصنف الاجنبي، فالحركة لا تقل اهمية عن صوت الشعر وكلماته ومعانيه وصوره، كأن الشعر في عرفهم هو: الحركة + الكلمة. الصنف العربي، يفقد جزءا من استجابة المستمع (المتلقي)، في حين ان الصنف الاجنبي، يدرك اهمية استجابة ذلك المستمع. وعلي الرغم من ان ادونيس قد احاط نفسه ببعض المؤثرات في اثناء قراءته لقصيدتين، هما: قبر من اجل نيويورك، وشهوة تتقدم في خرائط المادة، الاولي مكتوبة في 1971، والثانية في 1987، الا ان هذه المؤثرات ظلت خارجية، لكنها اكثر ترغيبا في خلق الاستجابة لدي المستمع. ولا يعني هذا، ان ادونيس كان غافلا عن المؤثرات النابعة من الشعر نفسه، فهو قد قرأ واحدا بعد ان دمج النصين معا في عملية مونتاج شعري رائع. كأنه قرأ نصا واحدا، بنفس واحد، بدأ بكلمة وانتهي بوقفة شعرية هي خاتمة قراءته كلها. تلاعب ادونيس بالنصين، حذف ما حذف منهما، لتستمر القراءة في انسيابية، ويجري الاستماع بانسيابية ايضا. لم تكن محذوفات ادونيس دونما مؤثرات خارجية، تتعلق في التلقي في المكان الذي قرأ فيه شعره. وحفرت قراءة ادونيس عندي قضيتين: التلقي الشفاهي للشعر في اثناء انشاده، ودلالة ما يحذفه الشاعر في اثناء انشاده. وهاتان القضيتان علي قدر كبير من الاهمية، ارجو ان يتسني لي تناولهما في مقالات منفصلة اخري.

- 2 -
في الجلسة الشعرية الاولي التي انعقدت في (بيت الشعر)، قرأ الشاعر الفرنسي جاك داراس مجموعة من نصوصه الشعرية بعد وصلة عزف منفرد علي آلة العود. قبل ان يقرأ تصورت ان حضوري وحضور جمع من المستمعين العرب ليس سوي حضور بروتوكولي حسب، ووضعت في حسباني ان حدود تأثيرات هذا الشاعر لا تتخطي الجانب الصوتي للغة. بيد ان القاعة التي غصت بالحاضرين، كانت مشدودة الانتباه اليه، وهو ينشد شعره. وتنوع تلقي المستمعين اليه بين:
ـ معجب بصوره ومعانيه، وذاك هو المستمع الذي يجيد اللغة الفرنسية، كما هو حال القسين اللذين جلسا الي جانبي، وكانا يتفاعلان مع ما كان يقرأ.
ـ وبين مستمع مبهور ومصدوم بهذه الحركات التي كان يؤديها وهو ينشد شعره، فهي علي غير ما كان يتوقع. قارئ تشكلت ذائقته، ومعايير تلقيه عبر اجيال من قراءة الشعر وانشاده، وهو الان يصاب بخيبة انتظار لما كان يتوقعه من نموذج شعري ينشد امامه. وها هو الان يضحك بملء شدقيه، عندما يشاهد جاك داراس يمزج المؤثرات بالشعر.
اذن، ما هي هذه المؤثرات؟ ببساطة، جاك داراس يرقص عندما لم يجد بدا من ذلك، ففي قصيدة كان قد كتبها عن عادة شعبية لسكان شمال بلجيكا، اذ كانوا يرقصون ويغنون ويشربون الخمرة بشكل متواصل حتي الصباح في عيد رأس السنة، كان يجسد تلك الحركات الشعبية في الشعر وفي حركات جسده ايضا. ومن هنا، فان قصيدته حول هذه العادة، لا يمكن ان تكتمل دون ان يمتزج الشعر بالرقص، وهكذا كان هذا الشاعر القادم من ارض الحداثة لا يكف عن الرقص امام مستمعيه في بيت الشعر الاردني. وفي قصيدة اخري، كان جاك داراس يرثي احد النحاتين الكبار (اظنه كان من سويسرا)، وكان هذا النحاة قد عمل تمثالا للجمال المعاصر تجسد في فكرته عن انتفاء الجمال في الحياة المعاصرة المليئة بالآلة، ويبدو انه كان من مناصري الجمال الطبيعي. في هذه القصيدة، كان يستثمر بعض خصائص اللغة الفرنسية، وينشد بطريقة دائرية وغير متوقفة، تعتمد تكرار بعض الكلمات، ولم يتوقف الا والقصيدة قد وضعت اوزارها ايضا. قراءته لهذه القصيدة، لا يمكن وصفها الا بأنها تشبه الكلام السريع جدا الذي يجري علي لسان امرأة نطلق عليها في العامية العراقية، بأنها امرأة (جراشة). تكثر من الكلام الذي يشتق بعضه من بعض، وتتلوه بسرعة، ولا توجد فواصل بين عباراتها أبدا. حتي كأن ما انشده جاك داراس يحاكي المعني الذي كان يقصده ذلك النحات عن الجمال المعاصر. الانشاد كان يوحي بذلك، وهذه قدرة سحرية لدي هذا الشاعر. ومع ذلك، فانني اجد كلماتي قاصرة عن بلوغ الوصف الحقيقي.
قرأ جاك داراس قصيدة بعنوان (الماي)، وهو نهر صغير في شمال فرنسا. ويبدو ان هذا الشاعر يعشق الماء كثيرا، وهو منحدر من اصول ريفية، لذا فهو يقول ان: هذا الماء الذي يسيل ويجري ويمر خطافا لهو اكثر صلابة في الوقت ذاته. لذلك تجدني اخاطب الماء اكثر مما اخاطب الارض وربما لأنني انتمي الي الارض التي تطل علي البحر. (مقابلة معه في جريدة القدس العربي بتاريخ 13/7/2003).
ترجمت بعض مقاطع هذه القصيدة (حياة الحويك عطية). وكما قلت، فان هذا الشاعر يعتمد علي تقنية التكرار وعلي نظام يمكن ان نطلق عليه (نظام الانبثاق المستمر)، اي توالد الكلمات من الكلمات، وتوالد الجمل من الجمل بشكل مستمر، شيء يستخرج من شيء آخر:
الأرض جسد
الأرض تتكلم
الارض ثرثارة
الارض تقول ان الينابيع تثغثغ
الارض تقول ان الينابيع طفولة النهر (نشرت هذه المقاطع في جريدة الدستور في عدد 15 آب (اغسطس) 2003).
وتوكيدا لما قلناه بصدد التكرار ونظام الانبثاق، يمكن كتابة المقطع بهذا الشكل:
الارض جسد
تتكلم
ثرثارة
الارض تقول ان الينابيع تثـغثـغ
طفولة النهر
تكرار كلمة (الارض) في قصيدة جاك داراس هذه، يشبه الارض الصلبة التي يضع عليها اقدامه، لينطلق الي عالم ارحب، ومن هنا فان تكرارها يعد عمود المقطع بأسره. لكن اوصاف هذه الارض، تنبثق احداها عن الاخري، الثرثرة تنبثق من التكلم، والتكلم ينبثق من الجسد، والجسد يعود بشكل دوري الي الارض. وعندما تتمتع الارض بكل هذه الصفات، تصبح ذات قدرة عقلية، فهي تنشئ جملا، وتعطي حكما عن الينابيع التي تثغثغ، بل ان الجملتين مبنيتان بنيانا منطقيا: الينابيع اصل النهر، والثغثغة اصل الطفولة، وليس من شاهد يحق له ذلك الحكم غير الارض الأزلية. وهكذا فان نظام التكرار والانبثاق، يعضد بشكل دائم البناء المنطقي لقصائد هذا الشاعر الفرنسي. فهو يكرر في النص المترجم، الارض خمس مرات، والماء احدي عشرة مرة، والانسان ثلاث مرات، في البدء سبع مرات، الصمت ست مرات، البعيد ثلاث مرات، أنت ست مرات. يقول:
الماء ثنية
الماء ثنية لا تري
الماء ثنية باتجاه طول الارض
الماء ثنية الارض التي تبسط ثناياها
الماء ثنية الوقت الزائل، الممحو
الماء ثنية الايام المنقضية
الانسان يأخذ ثنية الماء
الانسان يأخذ ثنية انبساط الارض
الانسان يأخذ ثنية الشفافية
لم يعد هناك الا نهر واحد
لم يعد هناك الا بساطة ثنية للماء
الماء ثنية/لا تري/باتجاه طول الارض/التي تنبسط ثناياه
الماء ثنية/الوقت الزائل/الممحو/الايام المنقضية
الانسان يأخذ ثنية/الماء/انبساط الارض/الشفافية
القاعدة النهائية: لم يعد هناك الا نهر واحد
لم يعد هناك الا بساطة ثنية للماء
يخلق جاك داراس مواجهة انطولوجية بين عناصر الوجود الاساسية، الماء والارض والانسان. وله مواقف فلسفية حيال ذلك، وهو لا يريد ان يطور نظرية فلسفية بصدد ذلك، بل يود ان يكتب تاريخ الانسان وسيرته من خلال هذه العناصر نفسها. فالماء وثيقة وعلامة للزمن (ثنية الوقت الزائل) (ثنية الايام المنقضية)، ووثيقة وعلامة للارض (ثنية الارض) ثنية انبساط الارض). والانسان كأنه يقرأ هذه الوثائق كلها، لانه الطرف العقلاني في الثلاثية، فهو يأخذ ثنية الماء، وثنية انبساط الارض. لكن جاك داراس، يبصم في خاتمة المقطع بصمته الفلسفية، او موقفه بصدد جمال الوجود والطبيعة، فيكبر للنهر الذي لم يعد سواه، ويكبر لبساطة ثنية الماء. الماء هو الصورة الجمالية الطبيعية بلا رتوش الحضارة والتقنية التي ينفر منها هذا الشاعر.


- 3 -
المستمع الي الشعراء الاجانب في مهرجان جرش، كان يبتسم، او يقهقه بأعلي صوته، شأنه شأن المشاعر نفسه، علي عكس الشاعر العربي المتجهم والكئيب، والممل احيانا. بعض الشعراء تهدجت اصواتهم بالهموم، عبد الزهرة زكي القادم من العراق المشتعل بحرائقه ونزيفه، وغسان زقطان القادم من فلسطين النازفة ايضا، وشعراء آخرون تراوحوا بين هموم الغربة ومكابدات الذات الجريحة. لكن الحقيقة هي ان الشعراء الاجانب اكثر تطرية للنفس من الشعراء العرب الحزاني. بعض الشعراء كان يستعير (النبرة الخطابية) لينشد شعرا ينتسب للحداثة، فبدا صوته نشازا، وبعضهم قرأ نصوصا رائعة لكنها تفتقر الي حيوية الانشاد الذي يربط المستمعين برابط الانصات والاستجابة والقبول. بعضهم اراد ان يلقي ملحمة من الكلمات فقط، كالشاعر التونسي يوسف رزوقة، الذي افتتح القراءة بهجوم علي المنظمين، فتأفف جمع كبير من الحضور، وكنت اصغي الي قاص وروائي وهو يجدف بسبب طول القصيدة او الملحمة.
لفت نظري امر في غاية الاهمية، وهو يصلح ان يكون مدخلا للمقارنة بين الشعر العربي والشعر الاجنبي. الشعر العربي، جاء من واقع مثخن بالاحداث والوقائع، لكنه كان كلاما لفظيا، خاليا من تلك الاحداث والوقائع، كأنه غريب عنها، او لا يمت لها بصلة. كان شعرا ببلاغة طنانة حسب، وبعضه كان يفتقر حتي الي ابسط حدود البلاغة. الشعر الاجنبي، جاء من واقع رخي ومستقر الي حد كبير، وليس فيه ما في شرقنا العربي من وقائع واحداث، لكنه كان في لحمتها وسداها. شعر بعيد عن المبالغة في الزخرفة، قريب من اللحظات المتأزمة في الواقع الانساني، ومن هنا كان شعرا واقعيا وجماليا فيآن معا. وعندما انعقدت الجلستان النقديتان تحت عنوان (القصيدة والحدث) لم يتطرق احد من النقاد الي ذلك مطلقا، بل ان بعضهم قد هرم نقديا، وصار لا يصلح لهذه الصنعة ابدا.


- 4 -
كان العرب سابقا (خطباؤهم تحديدا) يخاطبون مستمعيهم وهم في حلة زاهية معتمرين عمائمهم ويشيرون بمخصرة رشيقة مصقولة، واقفين علي مكان مرتفع. وكان الشاعر العربي اذا انشد الشعر يأسر ألباب مستمعيه، فهو يجود قراءته، ويعطي للحرف حقه من التجويد، يظهر جمالياته، لانه يدرك اهمية الاستجابة لما ينشد. وكان الانشاد علما يتعلمه الشاعر من شاعر آخر او من عدة شعراء. وكان الشاعر العربي ايضا، يغني شعره، او يقرأه قراءة بدوية، راغبا في ان يحوز علي تقبل المستمع. وهو هنا لا يختلف عما فعله جاك داراس، فالاثنان مسكونان برغبة واحدة، وقد عبر هذا الاخير عن اعجابه بالبداوة العربية وتقاليدها. لكن بعضا من الشعراء العرب المعاصرين، صار يعتقد ان الماضي اما يقلد تقليدا تاما، واما ينبذ نبذا تاما، فخسرنا التراث والمعاصرة معا. وما دام جمع كبير من الشعراء العرب المعاصرين يعتقدون ان الشعر هو مجرد كلمات تنشد او تكتب، كلمات لا تمثيل لروح الاشياء، كما فعل جاك داراس، فان الشعر العربي المعاصر سوف يظل يدور في حلقة فارغة.

 

ناظم عودة - القدس العربي - 07.11.2003


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri