"اليبروح"
لماكيافيللي:

بين
الماركيز دي ساد ولابيش
منذ
خمسمائة عام, والقراء والسياسيون والدارسون في شتى أنحاء العالم
يعرفون اسم ماكيافيللي, ويستخدمون أفكاره - أو غالباً ما يخيل
اليهم أنها أفكاره - حتى في أمثالهم المضروبة وحياتهم اليومية.
افليس هو, في نهاية الأمر, مؤلف كتاب "الأمير" أشهر وأعظم
كتاب في السياسة وفنون الحكم ولؤم السلطة نشر في تلك الأزمان
الحادة؟ هنا, في هذا الإطار, تتساوى, كما نعرف "شهرة الكاتب
وشهرة كتابه, ويصبح الاثنان واحداً, الى درجة ان كثراً يخيل
إليهم ان الرجل لم يضع في حياته سوى هذا الكتاب, تماماً كما
يعتقد قراء عرب كثر مثلاً, أن ابن خلدون لم يكتب سوى المقدمة.
فـ"الأمير" هو من نوع تلك الكتب التي تقف متفردة وتكشف كل
ما عداها. ومع هذا, فإن تلمساً لحياة ماكيافيللي وعمله - كما
هي حال تلمس حياة ابن خلدون وعمله - سيقول لنا ان الرجل كتب
كثيراً, وليس في مجال السياسة والاستراتيجيا فقط. بل انه في
لحظة من حياته لم يتردد دون الكتابة للمسرح... والمسرح الهزلي
في شكل خاص. وله, في هذا المجال, على الأقل عملان كتبهما خلال
السنوات العشر الأخيرة من حياته, إذ كان مبعداً عن السلطة
منزوياً في منزله, ينكب في الوقت نفسه على صوغ بعض أخطر كتبه
السياسية وعلى رأسها "الأمير". كما ان ثمة مسرحيتين أخريين
كانتا, غالباً, ما تُنسبان اليه, لكن الخبراء والباحثين انتهوا
بـ"إعادتهما" الى مؤلفيهما الحقيقيين (أنطونيو غراتزاني ولورنزو
ستروتسي). إذاً, على ضوء هذا التوضيح يبقى في جعبة ماكيافيللي
مسرحيتاه الأشهر "اليبروح" و"لاكليزيا", الأولى كتبها بين
1513 و1520 على الأرجح والثانية في العام 1525, أي قبل رحيله
بعامين. و"اليبروح" هي المسرحية التي نتحدث عنها هنا.
<
للوهلة الأولى تبدو "اليبروح" ملهاة ضاحكة ساخرة همها إضحاك
المتفرجين, خصوصاً ان شخصياتها هي من ذلك النوع الذي يكثر
في أعمال الكوميديا ديل آرتي, وشتى أنواع المسرحيات الهزلية
التي كان المسرح الايطالي اشتهر بها في ذلك الحين وصنعت له
جزءاً من مجده. غير ان الواقع يقول لنا ان مسرحية "اليبروح"
هي أعمق من ذلك بكثير, في جوهرها, بل لربما كان في إمكاننا
أن نقول ان ماكيافيللي وضع في هذه المسرحية جملة من أفكاره
واعتراضاته الاجتماعية, كما وجه من خلالها نقداً عنيفاً الى
بعض شرائح المجتمع التي كان ما فتئ ينتقدها مذ كان في السلطة.
ونعرف ان ماكيافيللي في "الأمير" كان لا يكف عن ترجيح كفة
السياسي على الكهنوتي, غير آبه بالشرائح العليا من المجتمع
التي, إن كان غيره يرى أنها تشكل دعامة قوية للسلطات العليا,
كان هو يرى فيها سذاجة وسخفاً لا يؤهلانها لتكون جزءاً من
السلطة الحاكمة. وهذا كله بدا في الحقيقة واضحاً لمعاصري ماكيافيللي
حين قدمت "اليبروح" للمرة الأولى في دارة آل جوردانو في فلورنسا.
<
تدور أحداث "اليبروح" في الزمن المعاصر لماكيافيللي. أما محورها
فالحسناء الطيبة والوفية لزوجها لوكريتشيا, وهي زوجة محام
بسيط ساذج يدعى نيتشيا. ونيتشيا هذا ثري عجوز, يبدو في مستهل
المسرحية خائب المسعى, إذ ان زوجته المحبوبة التي تزوجها منذ
سنوات عجزت عن أن تنجب منه الولد الذي يصبو اليه. ولأن كل
مسرحية من هذا النوع لا بد من أن يكون فيها الثلاثي الخالد:
الزوج والزوجة والعشيق, يتمثل هذا الأخير بشخصية كاليماكو,
الشاب البهي الطلعة الذي يعيش صبوة هواه للوكريتشيا من دون
أن يعرف كيفية الوصول اليها. لكن الفرصة سرعان ما تسنح له,
حين يتناهى الى علم الجميع أن نيتشيا قرر أخيراً استشارة الطب
للعثور على ترياق لـ"العقم" الذي تعانيه زوجته ويحول بينها
وبين أن تنجب له. وهكذا, بمعونة خادمه الماكر والطفيلي ليغوريو,
وبمساهمة مربحة من الكاهن الأخ تيموتيو (وهو الكاهن الذي تتلو
لوكريتشيا اعترافاتها عادة بين يديه), ثم من أم لوكريتشيا
التي تطمح بالحصول على مكسب لها في نهاية الأمر, يتمكن كاليماكو
من أن يقدم نفسه للزوج العجوز بصفته طبيباً. وإذ يقتنع الزوج
بهذا, يصل "الطبيب" الى غرفة فاتنته الفاضلة الحسناء. وبعد
ان يفحصها يقول للزوج ان الحل سيأتي على يديه... والحل يقوم
في جعلها تتناول كمية من عشبة "اليبروح" (وهي عشبة برية تستخدم
في صنع الأدوية الشعبية), مقنعاً اياه بأن هذه العشبة ستعيد
الى الزوجة خصوبتها ولكن... ولكن شرط ان يعرفوا جميعاً, ان
من تأثيرات هذه العشبة انها ستسمّ وتقتل أول رجل يقترب من
الزوجة الحسناء, وهنا إذ يسقط في يد الزوج يسأل: ما العمل؟
ويأتي الجواب من الأربعة المتآمرين بسيطاً: يجب اختطاف شاب
وجعله يطارح الزوجة الهوى, من دون أن يعرفه أحد... وهكذا يمكن
للوكريتشيا ان تحمل ويحصل الزوج على الطفل وسط تكتم الجميع.
وإذ يوافق الزوج على هذه الخطة - من دون علم الزوجة طبعاً
- يختطف شاب, هو في الحقيقة كاليماكو وقد تنكر مرة أخرى في
سمات شاب بائس. وهكذا من جديد يصل العاشق الى مخدع محبوبته...
وإذ تتعرف إليه هنا, تمانع انطلاقاً من أخلاقيتها الفاضلة
أول الأمر. وهنا لا يتردد عن أن يكشف لها الخطة كلها, قائلاً
ان ليس ثمة حل آخر. فتستسلم قائلة له بإحباط ومرارة... ولكن
بشيء من التهكم أيضاً: "إذاً, طالما ان حيلتك, وسذاجة زوجي,
وفقدان كاهني النزاهة, وطمع أمي, قادتني كلها الى أن أفعل
ما لم يكن ليخطر في بالي يوماً انني يمكن أن أرضى بفعله من
تلقائي, ها أنا ذي راضية بجعلك سيدي ومولاي: ستكون أبي والمدافع
عني وكل الخير لي". والحقيقة ان هذه العبارات التي تقولها
لوكريتشيا في الفصل الأخير من المسرحية وكأنها تظهر استسلامها
ورضوخها, تحمل في الوقت نفسه قدراً كبيراً من الالتباس, المتأرجح
بين أقصى درجات السخرية والمرارة في الوقت نفسه. بمعنى ان
كلام لوكريتشيا هذا إنما هو الناطق الحقيقي باسم المؤلف وبموقفه
ازاء "المؤامرة" التي يتضح لنا هنا انها تتجاوز كثيراً حكاية
"الثلاثي الخالد" والخيانة الزوجية وما الى ذلك.
<
ففي الحقيقة, من الواضح هنا ان هذه الحكاية العائلية ليست
الموضوع الرئيس الذي اهتم ماكيافيللي بالتعبير عنه, حتى وان
كان محور المسرحية يدور من حوله. إذ ان كل الأحداث هنا, تبدو
رمزية, وجزءاً من موقف ماكيافيللي العام تجاه السياسة والشرائح
الاجتماعية. وكأنه أراد أن يقول عبر فن الكتابة للمسرح هنا,
ما كان يقوله دائماً السياسي المباشر. وفي هذا الاطار عرف
الباحثون في أعمال ماكيافيللي المطلّون على هذه المسرحية,
كيف يتوقفون بخاصة عند شخصيتين في المسرحية تكشفان بعدها الاجتماعي
- السياسي الذي كان ماكيافيللي يتوخى التعبير عن موقفه ازاءه:
المحامي الزوج نيتشيا, والكاهن الأخ تيموتيو. فإذا كان هذان
ينتميان - مسرحياً - الى أعرق تقاليد المسرح الهزلي ولطالما
كان وجودهما محسوساً في أهم المسرحيات التي كتبت قبل ماكيافيللي,
فإنهما هنا على يد هذا الأخير, اتخذا أبعاداً أكثر أهمية وجدية,
"فالزوج يبدو هنا متعلقاً, ببراءة, بأحلام الحصول على طفل,
لكنه في الحقيقة يكشف عن جشع شديد, إذ يساهم في مؤامرة يود
أن يخرج منها رابحاً في نهاية الأمر, والثاني, الذي سرعان
ما يلوح لنا غير مبال بأية قيم دينية, لكنه قادر في الوقت
نفسه على أن يحقق مكسباً من استغلال بقية ما تبقى من ايمان
وورع لدى تلك الشريحة من الناس".
<
عندما كتب نيقولو ماكيافيللي (1469 - 1527) هذه المسرحية,
كان تجاوز الخمسين من عمره, وأنهى الجزء الأهم من حياته السياسية.
لكن الأهم من هذا انه كان أنجز لتوِّه كتابة مؤلفه الأشهر
"الأمير" (1613), ما جعله تواقاً الى ان يكتب صفحات بسيطة
مسلية, لكنها لا تخرج عن الاطار الفكري العام والموقف الاجتماعي
اللذين حكما كتابته لـ"الأمير". غير انه لم ينجز كتابة هذه
"المسرحية" الا بعد ذلك بسبعة أعوام, ليشرع من بعدها بتأليف
"تاريخ فلورنسا" الذي لم يكن أقل ادانة لـ"البورجوازية الطفيلية
الجديدة" ولـ"الكسب باسم الدين" ودعوة الى "الحكم القوي من
طريق مستـبد عادل يتجاوز الطبقات", مما كان "الأمير" ومسرحية
"اليبروح". وقد عاش ماكيافيللي, بعد انجاز "تاريخ فلورنسا"
الذي استمده من خـبرته في العمل السياسي في بلاط آل جورجيا
ومفاوضاته مع الدول الصغيرة من حوله, قبل أن يعود آل مديتشي
الى الحكم ويتخلصوا منه, فينعزل في دارته النائية - كما كانت
حال ابن خلدون قبله بفترة - منصرفاً إلى الكتابة.
إبراهيم
العريس - الحياة - 15.02.2004