بروتون
هل أحب فعلاً "نادجا" بطلة روايته؟
أسرار
هذه العلاقة الغريبة
لأن
رواية "نادجا" للشاعر والكاتب أندريه بروتون تعتبر "القلب
الملتهب لمسيرة جماعة السورياليين" في بدايات القرن العشرين،
لا زالت الدراسات والأبحاث الخاصة بها في صدد تحديد مصدر هذه
الرواية الملتبسة والغامضة التي أطلقها بروتون في سماء باريس
قصة تشتعل بشخصية امرأة تدعى "نادجا" هي "نصف عرافة، نصف مجنونة".
كل صفحات هذه الرواية تدعو القارئ الى ترحال في عالم غريب
حيث كل التفاصيل المعهودة تتخذ أبعاداً جديدة: "أن نغير حياتنا
يعني ان ننظر بشكل مختلف الى "الأمور". بهذه الكلمات شرح بروتون
قدر الإمكان ما أراد تغييره في المشهد الباريسي الصاخب والعنيف
والهادئ والمخيف في ضجيجه وسكونه في رواية "نادجا".
عام
1927، كتب بروتون "نادجا" التي يقسمها الى ثلاثة أجزاء: في
الجزء الأول تحدث عن نفسه وعن لغز لقاء حصل معه جعله يفهم
ان الصدفة غير موجودة انما هناك قوى مجهولة تسيطر على ظروف
حياتنا اليومية فيحصل ما نسميه "احتكاكات غير منتظرة" أو "قراءات
في المستقبل".
كان
بروتون قد شاهد مسرحية تلاها مشاهدة في اليوم التالي لفيلم
رعب يبعث القشعريرة في النفس وفي الاثنين بداية لأحاسيس سوف
يعيشها بروتون بعد وقت قصير حين سيتم لقاؤه مع "نادجا"، وهذا
اللقاء هو محور الجزء الثاني من الرواية. أما في الجزء الثالث
والأخير فهو يدمج زمن الكتابة بزمن الواقع ويصف علاقة له حصلت
اثر لقائه بإمرأة ثانية تدعى سودان موزار سوف يغرم بها الى
حد كبير. كل شيء يحصل كما لو أن لقاء "نادجا" لم يكن أكثر
من مرحلة تحضيرية للحب الكبير، انما هي مرحلة مضطربة ومؤلمة
سوف تكون ضحيتها امرأة بعيدة كل البعد عن المقاييس والأوصاف
المعروفة لمرأة عادية. الرواية متشابكة الأطراف، صعبة. وأيضاً
هي قاسية الى حد كبير. أليست السوريالية في النهاية تصوفاً
"ملحداً"، أو كما يصفها جوليان غراك: "هي ذنب الرومنطيقية"؟
ويعتبر بروتون انه وضع في "نادجا" كل فلسفته المتعلقة بفكرة
أو بنظرية "الصدفة الموضوعية" أو التصوف على الطريقة السوريالية.
من هنا اعتبر الكاتب ان مكان الرواية أو أيضاً مكان كتابتها
له علاقة بمجرى الأحداث وهو قد فعل ذلك في "مارنجفيل ـ سور
ـ مير" المنطقة النائية في الريف النورمندي وبالتحديد في "قصر
آنجو" الذي بناه أحد الأغنياء في الفترة التي خسر فيها الملك
فرنسوا الأول الحرب ضد انكلترا وكان ان هجر قصره لأنه كان
من أتباع الملك. وكتب بروتون: "في هذا الصباح الخريفي البارد،
يبدو القصر وكأنه منزل أشباح. الهواء البارد يتسرب الى الغرف
من كل مكان، وهو في صمته وفي الضباب الخارجي يبدو معلقاً في
الهواء". ما الذي أتى ببروتون الى هذا المكان الغريب تماماً
بعد لقائه بنادجا؟ القصر أصبح نزلاً منفرداً يقصده الزوار
في الصيف اللاهب، لكن أن يأتي أحدهم ويستأجر غرفة فيه في صقيع
الخريف ووسط الأجواء الضبابية الموحشة، فهذا أمر غير مألوف
بالنسبة لأصحاب النزل. لكن حين علموا ان الزبون هو الشاعر
بروتون القادم من جنونه الباريسي الى وحشة مكانهم، فهموا الموضوع
الى حدما وابتعدوا ليفسحوا المجال له ليطلق العنان لقريحته
الغرائبية!
من
هي:
هناك
في ذاك القصر قرر بروتون كتابة أو وصف لقائه بنادجا. لكن من
هي هذه المرأة؟ ولماذا جعلها بروتون محور حياته وكتاباته لفترة
طويلة، مع انها لم تكن امرأة احلامه. وهو كتب ذات يوم عن تلك
المرحلة ووصف حالته العاطفية بالشكل التالي: "حين وصلت الى
"قصر آنجو" كان في حياتي ثلاث نساء: زوجتي سيمون وهي أيضاً
صديقتي ومخزن اسراري، "وليز" أو "سيدة القفازات الزرقاء" التي
يحبها من بعيد أو أنه يحب الغموض الذي أبقاه على معرفته القليلة
بها، و"نادجا" التي جعلته يغترب عن عالمه لفترة وجيزة ويعيش
في دوامة الأوهام وأحلام اليقظة الغريبة. منها انطلق ليحلم
بنساء أخريات، كانت هي البداية ليتمكن من ان يفلت من الواقع
فأمسكت بيده وقادته الى "هناك".
...
إنه شهر تشرين الأول 1926. بروتون شاب في الثلاثين. وهو "قائد"
الحركة السوريالية ومن دون منازع منذ ان نشر عام 1924 "بيانه"
الأول الذي قرر اختراق "الدادائية" واقترح "تغيير العالم"
والحياة بالكلمة والثورة. كذلك اتحدت هذه الحركة بالصخب الذي
احدثه الحزب الشيوعي في تلك المرحلة. البعض وجد في الشيوعية
ضالته مثل اراغون وبول اليوار، اما بروتون فلا. فهو اقترب
من الشيوعية، راقب وانتقد واقترح ووجد بديلاً من ستالين: انه
تروتسكي. وحين التقى "نادجا"، كان في صدد البحث عن كتاب تروتسكي
الأخير في احدى المكتبات.
في
الجزء الثاني من الكتاب يسرد بروتون كل تفاصيل اللقاء مع هذه
المرأة حين كان قد خرج من المكتبة وهو يتأبط كتاب تروتسكي
وهي تقف امام مبنى في شارع "لافاييت": "كانت ترتدي ثياباً
رخيصة وتمشي مرفوعة الرأس على عكس كل المارة". تكلم معها فأجابته
ولم تظهر عليها معالم الاستغراب وكأنها كانت على علم مسبق
بلقائها به. شربا قهوة في مقهى مجاور، تحدثا وسحرته المرأة.
اعترفت له انها اختارت اسم "نادجا" لأنه بداية كلمة "الأمل"
بالروسية أما اسمها الحقيقي فلم يكتبه. اليوم بات اسمها معروفاً
وهي تدعو ليونا كاميل جيزلني ديلكور، وهي من مدينة ليل الفرنسية
من والدين منفصلين ومن أسرة مفككة. أخبرته انها تكسب رزقها
من بعض "الزبائن المحسنين" الذين تقرأ لهم طالعهم. كانت المرأة
تتمتع بحاسة سادسة خارقة وصارت لعبة بروتون المفضلة ان تفاجئه
بأخبار وبحكايات تتنبأ بها. سحرته وشغلت باله ثم ما لبثت ان
شغلت قلبه بأسلوب مختلف. في اليوم التالي، تواعدا. في اليوم
الثالث، قبلها وهما في سيارة الأجرة وطلبت منه ان يخفف من
قوة سحره عليها لأنها لا تستطيع مقاومته. بعدها توطدت العلاقة
بينهما وفي حين ذكر بروتون انه اقام معها علاقة جسدية مرة
وحيدة، أي الى حدود تاريخ كتابة الرواية في العام 1927، الا
ان الأمر سوف يتكرر في السنين اللاحقة. ويبقى السؤال هنا الذي
طرحه الكاتب والباحث جورج سبّاغ الذي عرف بروتون من كثب وسمع
منه القصة في ايامه الأخيرة وكتب بعد حين عن "نادجا":
"هل
أحب بروتون فعلاً "نادجا" كما أحبته هي؟ ثمة نقطة اساسية ترتكز
عليها هذه العلاقة وبالتالي هذه القصة وهي محور العودة الى
هذا الموضوع في تاريخنا الحالي وهي مجموعة الرسائل التي كتبتها
"نادجا" الى بروتون في فترة ستة اشهر أحبته خلالها، وهي إذ
بقيت مجهولة حتى اليوم بسبب عدم الاتفاق على نشرها أو على
كيفية نشرها فقد تم بيعها منذ أشهر قليلة خلال المزاد العلني
الذي اقيم في باريس وراحت ضحيته مجموعة من الأغراض الخاصة
والأوراق الشخصية والمخطوطات التي بقيت من جماعة السورياليين
في متحف بروتون. هذه الرسائل يعود الى مضمونها جورج سباغ في
كتاب جديد له عنوانه "أندريه بروتون أو الحب ـ الجنون" الصادر
عن "دار جان ـ ميشال بلاس" في باريس ويسرد فيه كل تفاصيل قصة
"نادجا" في الواقع كما في الرواية، من خلال كل قصص الحب التي
عاشها بروتون وأبرزها مع نساء حياته الأربع: سيمون، ليز، نادجا
وسوزان: وثائق غير منشورة، رسائل، صور، رسوم ونصوص غير منشورة.
في
رسائل نادجا كل الحب: "حبي كبير، ذاك الحب الذي يجمع روحينا
في مكان اجده بارداً وموحشاً.. لكن حين اعود في كل مرة اجدك
هنا، وأشعر انك تنظر إلي بعينين جامدتين فألمسك واراك تعود
الي. انك افضل ما التقيت في حياتي... آخذك بين ذراعي... انت
هنا، لكن الموت هو هنا ايضاً وراءنا..." وأيضاً: "يا مجنوني،
اردت ان اتصل بك بالهاتف ولكن لست مرتاحة كفاية وأخشى أن أجدك
قلقاً. لا أعرف ما الذي يعطيني هذه الأفكار... لم أعد أملك
القوة لأسألك... لا يهم... أردت ان أعرف بماذا تفكر، كيف تفكر،
سامحني انت تعرف أني اسيرتك، أني عبدتك وأنك كل ما أملك لكنني
أرغب بالمزيد، أريدك سعيداً، أريد أن أضع يدي على كل احزانك...
انت قوي ووسيم وطيب، ويجب أن تبقى السيد والقائد للجميع ويجب
أن يحبك ويحترمك الجميع تماماً كما أحبك واحترمك...".
هذا
جزء من حب "نادجا" الحقيقية لبروتون. ولكن السؤال: هل أحب
بروتون "نادجا" بنفس القوة؟ بالطبع لا. لأنه بعد أشهر قليلة
سوف يلتقي سوزان موزار عشيقة ايمانويل بيرل وسوف يغرم بها.
يقيم علاقة معها لفترة قصيرة لكنها تعود الى بيرل وتتزوجه
بعد حين. في هذه المرحلة كانت "نادجا" تصارع الحياة وحدها،
في فقرها وعوزها، لكن بروتون لم يتركها وبقي يتردد عليها و
يسأل عنها. ساعدها لتنشر رسومها (وهي كانت موهوبة الى حد ما
في الفنون التشكيلية) في "غاليري السورياليين" في باريس التي
اسسها مع جماعته لكن الأمور لم تكن لمصلحتها في هذا الإطار،
كما انه ساعدها مادياً مرات عديدة وبقي على اتصال بها الى
حين دخولها مصحاً عقلياً في العام 1929 حيث ستبقى الى حين
وفاتها بعد نحو 15 سنة.
وقد
تكون قصة "نادجا" والرواية التي استوحاها اندريه بروتون منها
من أغرب قصص الحب في تاريخ الأدب، إذ كيف ان شاعر الحب المجنون
بروتون كتب واحداً من أجمل كتبه عن امرأة لم يعرفها تماماً،
لم يرغب في الاقتراب منها كثيراً أو ربما لم يحبها على عكس
ما اعتقد القارئ.
إعداد:
كوليت مرشليان - المستقبل - الاثنين 22 آذار 2004