
((بيت
قرب البحر))
لرولان
غسبار
شعر
التخوم
"أتطلّع
الى صورة عائلية قديمة/ هذه السعادة البسيطة/ التي تنشد
النسيان في تواضع" هكذا لا مجال لسلطة ذاكرة عنيدة في كتاب
"البيت قرب البحر" للشاعر رولان غسبار (هنغاري الأصل)، الصادر
في ترجمته العربية (خالد النجّار) عن دار التوباد في تونس.
والصحيح
أن هذه الذاكرة هي ذاكرة مضادّة بالمعنى الوظيفيّ، ذاكرة
كفيفة أيضاً، لا تحتلّ زمناً غير زمنها، أو هي اقتباس من
الشاعر "صور تتهاوى في الغروب بلا صخب".
أيضاً
الليل لدى رولان غسبار هو ليل مضادّ محفوف بلونه. اللون
يعيش على تخومه لا في وسطه أو في مادته. انه اللون الذي
لا يستغرق صاحبه، يلامس حوافه وأطرافه من دون أن يكونه.
فلنقل إنّ رولان غسبار شاعر تخوم: لا بؤر شعرية داخل أشيائه
وإنما على تخومها. هل ننتبه الى عنوان الكتاب مرة أخرى "البيت
قرب البحر" بمعنى أنه متاخم له؟
"والظلام
المحبوس، يقول الشاعر، منذ آماد طويلة داخل الليل"، هكذا
لن يكون الظلام سوى سجين، ولكن أبديّ، لهذا الليل. الظلام
ليس أصلياً فيه، بالأحرى ليس مادته، في المحصلة لا شيء أصلياً
في هذا الليل، يقول غسبار:
"وفي
بعض الأيام
الحجارة
تحشد
ثقلها
الإسمنتيّ
في
الليل"
وفي
مطرح آخر:
"يكفي
أن نصغي
وأن
نرى
الشتاء
يتطاول
والبحر
يخيط
مرة أخرى
شباكه
في الليل"
يحتجّ
الشاعر بمعان قريبة ليقول كنايته. الصحيح أنه لا كناية "صريحة"
لديه. هي الكناية التي يُكنّى عنها، لا التي يُكنّى بها.
هنا ستنجز الكناية انزياحاً وظيفياً يساهم في طلوع صورة
إضافية قائمة على هامش احتمالات مُلْكية: هي ملكية المعنى
المقصود، الصحيح المعنى الناجز.
جدير
بالذكر أن الشاعر من مواليد 1925 في ترنسلفانيا الشرقية
من عائلة هنغارية، درس الطبّ في باريس، وعمل جرّاحاً في
مستشفيات القدس وبيت لحم 1970، ويعيش حالياً متنقلاً بين
باريس وتونس. من أعماله الشعرية: الحالة الرابعة للمادة،
مناجم، أرض المطلق، أجساد ناهشة، أشجار زيتون.. ومن كتاباته
النثرية: في الكلمة، يوميات السفر، تاريخ فلسطين، جزيرة
العرب السعيدة.. أيضاً كان غسبار قد ترجم الكثير من الأعمال
الشعرية العالمية الى اللغة الفرنسية لراينر مارياريلكه،
وقسطنطين كافافيس، ودافيد هربرت لورانس.
ماهر
شرف الدين - المستقبل - 2004