الاغـــتـيـال
الـشـــخــصـــي
إذ
رأى راينر ماريا ريلكه في مذكرات مالته لوريدس بريفه، وهو
أحد كتبه، ان الموت أشبه ما يكون بثمرة تنمو وتنضج داخل
كل انسان منذ البداية، وليس حدثاً يصيب الانسان من خارجه
وينهي وجوده، فإن كلاماً لصادق هدايت، الروائي الفارسي المنتحر،
يخصخص هذه الفكرة، فكرة داخلية الموت، لصالح أحد انواعه
اليدوية او الاصطناعية، وهو الانتحار، فنسمعه يقول في كتابه
مدفون وهو حيّ : كلا، ما من شخص يقرر الانتحار، إن الانتحار
موجود في داخل بعض الاشخاص، إنه في طبيعتهم، حيث لا يستطيعون
الهرب منه. الصحيح ان المسافة بين كلام ريلكه وكلام هدايت،
هي المسافة بين عامية الموت، كل انسان ، وخاصية الانتحار،
بعض الاشخاص ، وتالياً التمايز بين الموت والانتحار هو تمايز
بين العام والخاص. في هذا المعنى للانتحار، معطوفاً على
فكرة داخلية، يصبح من الصعب القبول، حتى، بانتحارات كبرى
وشهيرة، لأنها كانت اختراقاً خارجياً، بمعنى انتفاء تكوينها
الداخليّ.
الرسوم
لمنصور الهبر.
منتحرو
الخارج.
إستعارة
الغفلة.
عامّية
الموت.
عمى
الإغتيال.
الانتحار
كطبيعة.
إنها
لنهاية شعرية ، هكذا وصف باكياً أدولف هتلر، على ذمة ألبرت
زوللر، انتحار غوليتر يينا مع امرأته واولاده الاربعة.
قبل
ذلك كان هتلر نفسه قد حكم بالانتحار على أحد اشهر قادته،
وهو رومل، واعداً إياه بتكريمه وتسميته شهيداً، بعد أن ينفّذ
انتحاره بالطبع.
بعد
البكاء لشاعرية انتحار أحد قادته (غوليتر يينا)، والامر
بانتحار آخر (رومل)، ينتحر هتلر مع عشيقته، او زوجته قبل
شهر واحد، إيفا برون في الاول من أيار العام 1945.
سقراطية
ثالوث
الانتحار هذا قام على اختراق خارجي هو قرار تحمّل المسؤولية،
استناداً الى ما قاله هتلر نفسه: الرجل الشجاع هو من تحمّل
نتائج عمله. ما يذكرنا بالمعلّم والمخترع الحقيقي لهذا النوع
من الانتحار، والذي يمكن تسميته بـ منتحري الخارج ، وهذا
المخترع هو الفيلسوف الاغريقي سقراط الذي نفّذ بنفسه حكم
تجرّع السم بـ يده ، بقرار أصدره عليه آخرون ، بتهمة تسفيه
الالهة وإفساد الناشئة بفلسفته.
في
كلام آخر، انتحار سقراط أشبه ما يكون بعملية اغتيال شخصي،
على مبدأ التمايز بين خارجية الاغتيال وداخلية الانتحار.
وجهان لعملة واحدة، تعبير قليل الامانة في هذا المقام.
هذا
الانتحار السقراطي لا ينطبق على ثالوث الانتحار الهتلريّ
فحسب، بل في وسعنا الزعم أن انتحار المهزومين، كل المهزومين،
في وصف الهزيمة مادة خارجية، هو انتحار خارجي، أي اغتيال
شخصي: انتحار العسكر مثال فجّ على ما نقول.
كاسيوس
نموذجاً
انتحار
كاسيوس، في مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير، قد يكون أفضل الامثلة
في الذي سلف قوله، فبعد هزيمته في معركة فيليبي يطلب كاسيوس
من عبده بيندا روس أن ينتحره ، أي يطعنه، مقابل عتقه ووهبه
حريته. الفعل يتم بالسيف الذي قتل قيصر، بعدما حجب كاسيوس
وجهه بردائه.
على
سبيل المقاربة بين فعل الانتحار الخارجي والاغتيال، نستطيع
أن نحتجّ بنقاط ثلاث في انتحار كاسيوس تجعله يتماهى تماماً
مع اغتيال قيصر. وهذه النقاط هي:
اولاً،
الربط بين وعد كاسيوس لعبده بالحرية، وبين قوله إن الانسان
يستطيع أن يحرّر نفسه بطريقة الانتحار ، بمعنى تحرير الروح
من أغلال الجسد بالطبع.
في
كلام آخر، مقايضة العبد حرية بحرية: حرية الجسد للعبد، وحرية
الروح لكاسيوس.
ثانياً،
ما المغزى من قول كاسيوس لعبده عندما أحجب وجهي بردائي اطعن
جسدي؟ لِمَ أراد كاسيوس إخفاء وجهه أثناء تلقّي الطعنة؟
ثالثاً،
تأكيد كاسيوس، قبل الانتحار وبعده، أن انتحاره هذا يتم بالسيف
الذي اغتال قيصر، خذ سيفي، ذلك السيف الذي قتل قيصر، واقتلني
به.
في
النقطة الاولى فعل مساومة (حرية بحرية)، هذه المساومة كان
كاسيوس قام بها، وباقي المتآمرين، مع يوليوس قيصر قبيل اغتياله
بلحظات، حيث طلبوا منه العفو عن بوبليوس سمبر، كي يعود من
المنفى، بتهديد ضمني تلخّص في طلب المتآمرين هذا المطلب
المردود سلفاً من قيصر، والذي أثار عجبه اعادة المطالبة
به، وخصوصاً أنهم يعرفون رأيه في هذا الموضوع بالذات.
في
النقطة الثانية يتساوى مشهد إخفاء الوجه بالرداء لدى كاسيوس
بمشهد طعن قيصر من الخلف. في كلام آخر، أبى كاسيوس الا أن
يستعير الغفلة لانتحاره من فعل اغتيال قيصر: ليعش عمى الاغتيال؟
في
النقطة الثالثة أراد كاسيوس التأكيد أن انتحاره يتم بالسيف
الذي اغتال قيصر. بالطبع، العبرة ليست في أن هذا السيف لا
يصلح الا للاغتيال، ولكن في أن السيف واحد في العمليتين.
بعد
ذلك نستطيع الخروج من ملاحظاتنا هذه بثلاث معادلات:
-
معادلة المساومة: حرية الجسد للعبد = حرية الروح لكاسيوس.
-
معادلة عمى الاغتيال: إخفاء الوجه بالرداء = طعن قيصر من
الخلف.
-
معادلة السيف الواحد: السيف الذي انتحر كاسيوس= السيف الذي
اغتال قيصر.
هكذا
يتماهى هذا النوع من الانتحار مع الاغتيال، وقد لا يضيرنا
في شيء التذكير ايضاً بأن انتحار بروتوس، صديق كاسيوس، تم
في ما بعد بمساعدة خادمه ستراتو، حيث قبض على سيف بروتوس،
وألقى هذا الاخير بنفسه على السيف ومات. طبعاً هو السيف
نفسه الذي اغتال يوليوس قيصر.
كان
كاسيوس قد قال معلّقاً على اغتيال قيصر: أنا أتساءل كم من
القرون والاجيال ستمرّ ويمثّل هذا المنظر في أقطار مجهولة؟
، ثم أردف بروتوس: وكم من مرة سيعاد تمثيل هذا المشهد على
المسرح؟ ، دون أن ينتبها إلى انهما سيكونان أول الممثلين.
أدلجة
الانتحار
الانتحار،
كظاهرة غير معترف بـ أصالتها عربياً، ظل في تناوله أسير
الايديولوجيا. فلن يكون انتحار خليل حاوي، في رأي المثقفين
العرب، سوى رد فعل على سلسلة الهزائم العربية: الانتحار،
هذا الفعل، الذي هو الذروة في فرديته، سيتم انتهاك خاصيته
لصالح عامية قبلية لا تقبل الخروج. لا بد للانتحار أن ينطوي
تحت راية الجماعة. مصادرة القرار الشخصي هو محاولة اعادة
الولد الضال الى الحظيرة. هكذا سيتم على نحو سافر تجريد
خليل حاوي وأمثاله من انسانيتهم تحت ذرائع الوطنية والقومية
والعروبة. بل سيذهب محمد جابر الانصاري في كتابه شبه الوعظي
انتحار المثقفين العرب ، عندما يتناول قضية انتحار حاوي،
الى دعوة العرب لـ رفض الانتحار وتقديم الاستشهاد بديلاً
مشرّفاً منه. لماذا ندمّر أنفسنا ولا ندمّر عدوّنا طالما
قررنا ان نموت ، على ما يقول الأنصاري (!)
في
هذا الكتاب، الذي هو أشبه بخطبة جمعة، والذي يصفه رجاء النقاش
(ويا للغرابة) بـ أعمق وأجمل الكتب العربية ، يقول الانصاري:
كل عربي يحمل اليوم مشروع انتحار عليه ان يتذكر أنه قادر
على تحويله الى مشروع جهاد واستشهاد. هذه العيّنة، غير البسيطة،
لكيفية تناولنا لواحدة من أهم المظاهر الإنسانية، تكشف بلا
هوادة أزمة الذات العربية قبل كل شيء. ما معنى قول الانصاري
بضرورة قتل العدو ما دمنا قررنا الموت؟ وهل تقاس الامور
على هذا المنوال؟ ثم هل يكون للذي قرر مسامحة الارض بجسده،
والناس بذاكرته، أن يفكر بكل تلك الايديولوجيا: تحويل المنتحرين
الى استشهاديين؟ المنتحر أصلا هو شخص لا عدو له.
كان
لخليل حاوي محاولتا انتحار فاشلتان: واحدة في احد المطارات
العربية قبل خمس سنوات من تاريخ موته، ومحاولة ثانية، قبل
سنتين من ذلك التاريخ، في بيروت. هذا ما أكدته ديزي الأمير،
في مقال منشور في مجلة الفكر العربي المعاصر 1983 تحت عنوان
عطاء حاوي والشك : لم تكن نهايته هي المرة الأولى التي قرر
فيها أن يترك الحياة. في المرة السابقة أُنقذ، وقيل أنه
تسمم خطأ، ولكنه اعترف لي أنه أراد التخلّص من الحياة. من
ثم لتتابع مستغربةً محاولة تجريد حاوي من انسانيته تحت ذريعة
الوطنية فتقول: يعلّلون سبب انتحاره بتراكم الهزائم والنكسات
العربية. نعم خليل حاوي شاعر عروبي صادق، مسؤول وطنياً،
ولكن ألم يكن خليل من البشر؟ ألم تكن له حياته الخاصة؟.
ايضاً قولها الذي يفيض عن متنه الى هوامشه: في اللحظة التي
قرر فيها خليل حاوي الرحيل، كان وحده، هو وحده، يعرف السر.
كل
ذلك يجعل من خليل حاوي منتحراً داخلياً بامتياز، ويجعلنا
مضطرين للتنقيب عن وصية أخرى، غير تلك التي نعرفها حول تعهّر
اللغة. وصية شعرية تحفظها إحدى قصائده يقول فيها ما لا يحب
منظّرونا العرب قراءته: مات ذاك الضوء في عينيه مات / لا
البطولات تنجّيه ولا ذلّ الصلاة.
ماهر
شرف الدين - ملحق النهار - 17.10.2004