حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

العودة إلي الرشد

'كنت نزيلة مصحة للأمراض العقلية بهذا البلد الشمالي، واليوم فقط أثوب الي رشدي لأول مرة منذ عشرين عاما قضيتها كامرأة مجهولة بهذه المصلحة. ذلك ما أوضحته لي الممرضات منذ قليل.. الآن فقط افيق علي هذه الحقيقة العجيبة..

كان ذلك في ظهيرة يوم شتوي، لم أكن قد ملكت وعيي كاملا، حينما تركنني وحدي في تلك القاعة الفسيحة، ريثما أتعرف علي نفسي، كنت أتساءل ذاهلة عما حل بي طوال هذه العشرين عاما التي لا أذكر عنها شيئا.. وكان جمود هادئ وراسخ، كقشرة صلبة، يطوقني حتي وأنا أطالع وجهي في إحدى المرايا.

سرت بحذر، كأنما اجرب الحركة داخل ذلك الجسد الذي بدا لي متداعيا جدا.

ابذل جهدا طائلا كي لا انزلق علي ارضية مصحة الناعمة، بينما أراقب ما صارت اليه هيئتي.. فأري انحناءة ظهري وعنقي الذي صار غائصا بين كتفي، وأراني اتلفع بشال صوفي عتيق.، لا أذكر انه كان لي في يوم من الأيام.. بدوت مقرورة كأنما تعشش الرطوبة منذ حقب بأوصالي، اسير بالدهليز المؤدي لحديقة المصلحة بحثا عن دفء الشمس، رغم ان السماء بدت خلف النوافذ الزجاجية الكبيرة، ملبدة بغيوم كثيفة.

رحت أراقب في الحديقة نزلاء المصلحة بنظرات زائغة، وأبحث عما كنته طوال هذه الأعوام، اي من هذه الحالات كانت حالتي؟ وتقاطر وعيي في اسئلة عديدة متشابكة، ما الذي كنت أفعله هنا بين كل هؤلاء الغرباء؟ وما الذي كان يدور بيننا طوال عشرين عاما؟ هل هذا حقا ما وقع لي؟ هل هذا الجسد المتغضن المتهالك هو جسدي، اتساءل ان كانت حياتي حقا هي كل هذه الهباء!

وتحلقت حولي بعض النزيلات، وحاولن جذبي الي مجلسهن، فرحت ادفعهم بقسوة، كأنما أدفع عني عبء الكارثة، وبينما افعل، انفجر بي ألم مذهل، وطفقت ابكي بحرقة مريعة، وبادراك كامل لفظاعه ماحل بي، فهرع الي الحراس والممرضون، وسمعت بينهم من يقول 'هذه علامة طيبة، انها تشفي'!

آه للديوك

وهل ثمة زوجا لي يمكنني الاعتماد عليه! انه يظن نفسه أهم شخص في هذه المدينة، ينتهز ايه فرصة ليطلق صيحته الأبدية المدوية خارقا بها صمت الليل.

'كوكو كوكووو' مثلما يطلقها ألان.. فها هي تهز أركان العش وتطعن هيبة الليل في مقتل.. حين يقولها ينتفش ذيله البديع، ذلك المزيج الرائع من الأسود المصقول والنحاسي اللامع، وتتألق الدماء في عرفه القرمزي، ويعود مختالا إلينا .. اي زهو واي فخر! اين هي تلك الدجاجة التي لأسعدها ذلك التوهج الذكوري في لحظات كهذه، ! يدرك الديوك جيدا هذه المشاعر لدي الدجاجات الناعسات.. انها طريقهم الينا، طريقهم الي امتلاكنا، والي امتلاك هذا الليل.

ولكن، هل يمكنني الان ان اخبره بما وقع لي مع صاحبة البيت العجوز هذا الصباح! هل افسد عليه لذة النجاح في اثبات الذات ­ كما يحب ان يسميها ­ واحكي له ان المرأة العجوز قد طهت ابننا اليوم، وتناولته في إفطارها..

هل يمكنني ذلك،.

طيف نبوءة

ومن أكون انا بحق السماء! هل أنا تلك اللبؤة الجسور التي تقضي يومها في مطاردة الفرائس، والتي يتخبط الجميع في جوعهم انتظارا للطعام الذي تجلبه، أن أنا تلك الفريسة الضائعة في شباك غير مرئية لقدر لا يريد ان يفرغ مني! كيف ستكون شيخوختي؟

هل أظل طويلا جدا هذه الزوجة التي تطارد الفرائس! كثيرا ماتساءلت بين طريدة واخري ­ اذ لا يبدو أن أحدا خلف جدران هذه المغارة قد فكر في..

انتحي جانبا عند مدخل كهف عتيق، أراقب قرع المطر فوق الصخور، ذلك المشهد الخالد الذي سيظل يتكرر بعد فنائي، وعلي وقع المطر ينغمد في قلبي النذير الرهيب.. لم أعرف ابدا ماهو ذلك الشيء الذي يغلفه ضباب من النشوة والفزع.. يأتي غامضا وغريبا كطيف لنبوءة.

وها قد كان.. والمطر يهطل، وانا منطلقة خلف ايل تعس.. ونعم.. لقد كانت اقدامي تنزلق وتتعثر في تلك البرك والافرع المتشابكة.

والان، سوف يصل الخبر لجلالته في عرينه، بينما يفض المظالم، وتتحرك بوهن معرفته الجليلة، بانني أقبع ملطخة في شباك هؤلاء الصيادين المنتشين، وتنهب بي السيارة الطريق إلي افق غير معلوم، غير أنني، أغرس عيناي في فضاء لانهائي، وأرقب بهجة الالوان التي صارت تركض من حولي نحو أشكال جديدة.

غزلية

ستأتي امرأة شابة من سوق المدينة الي شون الغلال، وسألحق بها. سوف تنزل جرتها عن رأسها وتضعها بجوار قدميها، وستمسح عن جبهتها حبات العرق وتتلفت حولها، لألمح انا المختبئ خلف شجرة لبخ، بريق القلق في عينيها المكحلتين، وأتأمل علي مهل قوامها، تحت ردائها الشفاف المعفر بغبار الطريق ، ويقتلني الظمأ (كما ألف مرة لي وقع).

ربما يعثر غدا حراس مولاي علي جثتي هنا.. جثتي الموشومة باغلال طيفها وبقلبي التعس.. بعدما يقترب ظله المحظوظ منها، لينطبقان معا خلف الشون.

ولن تكوني هنا. ولن يكون هنا احد يطلعك،، علي ذلك القربان المفتت باسمك في الاف من شظايا، الاف من هدايا، لم تأخذيها معك.

في الطريق

صبيان يلاحقان امرأة نحيلة في شارع جانبي.. يمضيان وراءها وأحدهما يقول لآخر. دعها لي ثم يتدافعان نحوها، يتفوهان بكلمات نابية، ويلعقان ظهرها بأعينهما الصغيرة الوقحة. وحين تحس المرأة ببخر أنفاسهما اللزجة وراءها، تسرع الخطي، انهما علي الأرجح لا يخيفانها، فهما في عمر ابنها، ولكنها تفعل ما اعتادته، منذ الصبا.. ان تنزلق بعيدا كلما اقتربوا، أولئك الذين تسكرهم في الطريق، فكرة انهم يخبئون تحت ثيابهم سهام الذكورة.

 

آمال الميرغني - (أخبار الأدب)


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri