
إفتحي
الشجرة للهواء
طرح
عليّ بعض الناس جملة من الأسئلة، فأجبت:
بين
المال والحبّ، لن أختار المال.
بين
الشهرة والحبّ، لن أختار الشهرة.
بين
المناصب العليا والحبّ، لن أختار المناصب العليا.
بين
الطمأنينة والحبّ، لن أختار الطمأنينة.
بين
السعادة والحبّ، لن أختار السعادة.
بين
الزواج والحبّ، لن أختار الزواج.
بين
الأولاد والحبّ، لن أختار الأولاد.
بين
الدين والحبّ، لن أختار الدين.
بين
الجنة والحبّ، لن أختار الجنة.
بين
الله والحبّ، لن أختار الله.
بين
الحياة والحبّ، لن أختار الحياة.
وسألوني
فأجبت: بين الهواء والشجرة، أختار الهواء للشجرة.
ثم
رأيتُ أن أطرح الأسئلة نفسها على عدد من الأصدقاء بينهم
غرفتي وعيناي ورفوفي ونشيد الأناشيد وقصائد الحب السومرية
والكاماسوترا وبول ايلوار وأناييس نين وأنسي الحاج وإيف
بونفوا وفانسان فان غوغ وبابلو نيرودا وكوليت ولويس أراغون
وأندره بروتون وراينر ماريا ريلكه ودانتي ألغييري ورينه
شار وشارل بودلير وفرناندو بسّوا وجوزيبي أونغاريتي وقريتي
وطفولتي وسيدة النهر وشجرة هوائي وباريس ولاوعي أوراقي.
كنتُ
أريد منهم أن يزوروا حياتي، وأن ينزلوا في فيافي رأسي وبساتينه
ليروا حبّي ويتشفعوا بي لدى الحياة والكلمات.
كنتُ
أريدهم أن يصافحوني بجنوح أيمانهم، وأن يباركوني، وأن يشربوا
قهوة حلمي وهجسي، وأن يسألوا هوائي الذي يمرّ بالغابة، ليل
نهار، ماذا يظل يقول للشجرة كي يظل هواء صالحاً للحبّ، دون
أن يكرر نفسه، ودون أن تصاب الشجرة بأوجاع الملل والوقت
والخيبة.
كنتُ
أريد أن أسألهم ماذا تظل تفعل هذه الشجرة لهذا الهواء كي
يظل يهمّ بها.
وماذا
يظلان يفعلان معاً عندما يظل ماء هذا الهواء يختفي في جميع
هذه الشجرة.
وكيف
يظل يفعل هذا الماء حين لا ييأس من أن يظل حفيفاً يأخذ بأعطاف
هذه الشجرة وهديلها.
كنتُ
أريد أن أشعل لهؤلاء الأصدقاء حطب المدفأة ليسهروا مع طيور
هجسي وسحيق عزلتي.
وكنتُ
أريد ان أفرش الأسرّة ليناموا، ويحلموا، ويسألوا سماء بيتي
عن الغيوم والنجوم والسموم حين تظل تنير مصباح شغفي وغيرتي،
وحين تظل تحرّض حطبي على الاشتعال كلما أرادت لبرد الزمن
أن يتدفأ تحت أوجاع الجمر.
كنتُ
أريد أن يجيئوا الى بيتي ليسرقوا بيتي ويأخذوا معهم نظرات
لم يروها وكتباً لم يكتبوها وصمتاً لم يتكلموه.
كنتُ
أريد أن يذهبوا قبل وقت طويل، بعد وقت طويل، وأن يأخذوا
معهم عبرة هوائي وشجرتي ليرسلوا فتنتي في نواحي الأرض، ويهجّنوا
بغريزتي هجس جميع الهواء بجميع الشجرة.
كي
إذا سألوني وأجبت، تفتح ماناي الشجرة للهواء، وتفتح الأيام
لأختفي وراءها.
عقل
العويط - ملحق النهار الثقاف - 2004