حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

متاهة جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية

زرقة شفافة تقريباً

تأليف: رايو موراكامي

صنفت مجلة «تايم» الأديب الياباني رايو موراكامي المتعدد المواهب الذي ولد في 19 فبراير عام 1952، بأنه واحد من الأحد عشر فردا الذين يحملون راية التغيير في اليابان. وموراكامي إلى جانب شهرته في اليابان والغرب ككاتب روائي متفرد ومخرج سينمائي لمعظم رواياته، فإنه يقدم برامج فنية وحوارية في إذاعة وتلفزيون اليابان إلى جانب عمله كمنتج للموسيقى الكوبية. وما يميز هذا الأديب المبدع عن زملائه من الكتاب، ليس فقط الجرأة في طرح الأفكار بل في معالجة وقائع الحياة بصورة متفردة تتجاوز كافة الممنوعات سيما في إطار مجتمع تقليدي محافظ، مع إدارته لموقع إلكتروني خاص به.

ولد موراكامي في مدينة ساسيبو البحرية التابعة لناغازاكي، التي كان للولايات المتحدة فيها قاعدة بحرية دامت حتى بلغ موراكامي الثامنة عشرة. وقد تأثر شبان تلك المدينة ومنهم موراكامي بالحضارة الغربية من خلال تلك القاعدة.

وقد عاش موراكامي أسوة بجيله في مرحلة ما بعد الحرب في حيرة كبيرة إزاء هذه الثقافة الأجنبية، وقد شارك في حركة جمعية الاتحاد القومي للطلبة في التظاهر ضد دخول الطائرة الأميركية حاملة القنبلة النووية ميناء ساسيبو. وقد تسبب ذلك في طرده من المدرسة عدة مرات.

وفي عام 1970 التحق بجامعة موساشينو للفنون في طوكيو، ومرة أخرى عاش في مدينة تضم قاعدة أميركية للطيران العسكري. وفي هذه المدينة التي تدعى فوسا عاش لمدة عامين تطور خلالها أسلوبه الأدبي بالتوازي مع ردة فعله القوية على الأجواء المضطربة التي اكتنفت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية.

وتجلى إبداعه الأدبي حينما شارك بروايته الأولى «زرقة شفافة تقريباً» التي نشرها في عام 1976 في مسابقة للكتّاب الجدد، حيث فاز بجائزة أكوتاغاوا.

وبعد فوزه وشهرته الواسعة أدرك أن مستقبله يكمن في الكتابة ونتيجة لذلك انسحب من الجامعة، وعمل منذ ذلك الحين في دار للنشر، مع تقديم برنامج موسيقي أسبوعي في الإذاعة، وبرنامج مقابلات في التلفزيون.

ويضم إنتاجه الأدبي مجموعة قصص «اهرب، تاكاهاشي» ونشرت في عام 1985 و«توباز» ونشرت في عام 1988، إلى جانب رواية «صغار الصناديق المغلقة» ونشرت في عام 1980 وروايته الأخرى «96» وأيضا «في حساء الباذنجان» ونشرت في عام 1997.

وتميز موراكامي في أعماله، يعود في جانب منه إلى أفكاره الرائدة التي تستدعي رياح التغيير في اليابان، والمتمحوره حول فلسفة «الفردية»، وذلك أسوة بغيره من الرواد اليابانيين المبدعين ومنهم المخرج السينمائي الشهير أكيرا كوروساوا، الذين وجدوا في تعزيز الفردية حلا للخلاص من الإحباط وفقدان الهوية اللتان واجههما اليابانيون بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية.

ويبين موراكامي أن التفرد لا يعني التمرد، بل البحث عن معنى الحياة بصورة فردية وعدم التسليم بما يملى عليه من قبل الأمة أو المجتمع، بل اختيار الأسلوب الشخصي لكيفية مساهمة كل فرد في بناء مجتمعه، وهذا يعني عدم تبني تقاليد المجتمع بصورة عمياء وضرورة مناقشتها من خلال المنطق والعقل قبل رفضها أو تبنيها.

ويبين أيضا أن هذه الفلسفة هي الخطوة التالية التي ستواجهها اليابان بعد تجاوزها مرحلة النهضة الحديثة للاقتصاد والصناعة. ويؤكد بقوله : «إن أردت أن تفهم ما يجري الآن، فيجب عليك رصد القضايا الاقتصادية من حولك».

أما فيما يتعلق بتميزه على الصعيد الأدبي، فذلك يبرز من خلال أسلوبه الساحر في السرد والأقرب إلى عالم الحلم، إلى جانب شخوصه الغامضة التائهة على الدوام، التي تبحث عن معنى لحياتها في مجتمع تحكمه بصورة متصاعدة السطحية والمادة.

وروايته الشهيرة «زرقة شفافة تقريباً» هي تلخيص لكل ما ذكرناه أعلاه، وعلى الرغم من أنها رواية تحمل رؤية رمادية إلا أنها تسعى من خلال تلك الرماديات إلى تصوير محنة جيل من الشباب في المرحلة التي تلت الحرب العالمية الثانية.

وهذه الرواية التي تمثل في جانب منها جزءا من السيرة الذاتية لمؤلفها، تدور أحداثها حول مجموعة من الشبان والشابات اليابانيين الذين يتسكعون بالقرب من القاعدة الأميركية العسكرية في يوكوتا، حيث يمضون أوقاتهم بتعاطي المخدرات من مختلف الأصناف مع حرية عبثية في العلاقات العاطفية.

فبطل الرواية الذي يدعى رايو (كاسم المؤلف) يصف الحياة التي يعيشها مع أصدقائه بعد تخرجهم من الجامعة، والصراع الذي يواجهونه والمتمثل في المفارقة بين العالم الغربي المنفتح والعالم الشرقي المنغلق المتشبث بتقاليد وقيم أثبتت الحرب بطلانها وزيفها.

ومن خلال تصوير حياتهم المتسمة بالهلوسة والأسى والبوهيمية يوما بيوم، يتضح للقاريء أنهم للأسف مكبلون من الداخل، ولا يملكون الإرادة أو الطاقة للخروج من حالة ضياعهم. وتخيم عليهم بصورة عامة ظلال الرغبة الخفية في تدمير الذات، ليس بسبب وضعهم الراهن فقط، بل فيما يتعلق بما يحمله المستقبل لهم، وفي هذا التيه تتهاوى العلاقات الشخصية أمام هيمنة العنف والانفعالات الآنية، حيث ينعدم التواصل فيما بينهم بالتدريج.

وتبدأ الرواية بوصف رايو ليوم من حياته بقوله: «أخرجت من جيبي قطعة من الزجاج المكسور، بقياس يقارب من إبهامي، ومسحت الدماء عنها. كانت تلك القطعة الصغيرة بسطحها الأملس تعكس السماء المضيئة. وتحت تلك السماء تمتد المستشفى وبعيدا عنها الشارع المشجر والمدينة.

إن انعكاس ظلال أفق تلك المدينة يشكل خطوطا ذات منحنيات رشيقة. وتلك المنحنيات شبيهة تماما بالمنحنيات التي كدت خلالها أن أقتل ليلي على طريق السفر خلال المساء الماطر، إذ رأيت الخط المنحني الأبيض الذي احترق لوهلة مع البرق، مثل موجة غمرت أفق بحر الضباب، أو مثل ذراع امرأة بيضاء، منحنى رشيق..

وكل الوقت، ولا أدري منذ متى، وأنا محاط بالمنحنيات البيضاء.. بدت قطعة الزجاج تلك بحوافها المدماة، التي تشبعت بهواء الفجر بالكاد شفافة.. كانت زرقة بلا حدود.. بالكاد شفافة. وحينما نهضت ومشيت باتجاه شقتي، فكرت بأنني أريد أن أصبح مثل تلك القطعة الزجاجية.. أريد من نفسي أن تعكس نعومة تلك المنحنيات البيضاء.. أريد أن أري الآخرين روعة انعكاس تلك المنحنيات على نفسي».

هذا المقطع يبين مهارة المؤلف في انتشاله من مستنقع الفوضى الشاملة لحياة شخصياته، رؤية تتجه بإحدى الشخصيات نحو الشعور بشيء ما نقي وغير ملوث. تلك الرؤية التي تعكس حاجة الإنسان للنقاء والإنسجام والتعايش بسلام مع المحيط الخارجي.

وعلى الرغم من أن روايته تلك لا تمتلك عقدة أو حبكة، إلا أنها تقدم نموذجا ناجحا وفريدا للرواية الحديثة. ويذكر النقاد أن تفرد تلك الرواية يتمثل على صعيد المضمون في عدم إلتزام مؤلفها بالممنوعات، وتحرره من التقيد بالقيم ومحاكمة أو إدانة الشخصيات، أما على الصعيد الأدبي فيتمثل في تقنيته في السرد بلغة مبسطة وبأسلوب حيادي وغير متعاطف، مع مزجه بين الواقع والخيال، لينتج عالما سرياليا وواقعيا في الوقت ذاته.

ويمكن القول بأن تلك الرواية تفاجيء القاريء غير الياباني بعالم بعيد كل البعد عن تصوره المألوف عن اليابان أرض الطبيعة الجميلة الغناء والجيشا والرهبان اللطفاء، أما بالنسبة للقاريء العربي فمن الصعب عليه مواجهة كآبة أو ثقل تيه هذا العالم المشوه، الذي يعكس بصورة أو أخرى عالمه الذي يعيش فيه ويرفض في قرارة نفسه الاعتراف بوجوده أو المشاركة فيه.

 

رشا المالح - (البيان) - 2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri