حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

بول فرلين

أناشيد عاطفية بلا كلام

ولد "بول فرلين" في "ميتْزْ" 1844. تلقّى علومه الثانوية في "باريس". في العام 1864، نال الشهادة الثانوية وعمل في مكاتب "دار البلدية" في "باريس". كان قليل المواظبة على العمل، يتردد على المقاهي لكنه اكتشف مع ذلك ميوله الشعرية.

في "قصائد إلى زحل" 1866، يجاهر أولاً بلا ألميّة البارناسيّين، ويظهر على حقيقته، بشبقه ورقته وكآبته. من قصائده "المشاهد الحزينة"، يستذكر فيها حبه الزائل "لن يكرَّر أبداً" والمرأة المثلى "حلمي المألوف"، كما يضيف إلى تقلبات مخيلته سحر مشهد غسقي "شموس في المغيب" ويُسمِع صدى خافتاً للقلق الرومنسي "أنشودة الخريف".

في "الحفلات الأنيقة" 1869، يرينا "فرلين" قسيساً أنيقاً، مركيزاً يضع شعراً مستعاراً، بعض السيدات وقد تنكرن بهيئة راعيات. غير أن ظلاًّ من الكآبة يختلط بوصف ذلك الفرح.

أما مجموعته الثالثة "الأنشودة الجيدة" 1870، فهي ذات طابع أكثر ذاتية. ففيها ينشد "فرلين" اتفاق رومين إذ كان خطب من فترة وجيزة "ماتيلد موتّيهْ". فيصف أفراحه الخالصة وحميّته كعاشق. ويتخيل السعادة الزوجية الهادئة. لقد اكتسب لبعض الوقت التوازن والهدوء وهو الذي كان فيما مضى قلقاً لا يعرف الاستقرار.

تزوج "فرلين" في العام 1870. ولم تتأخر الخلافات الزوجية في الظهور، أثناء الحرب عمل شاعرنا في فوج الدرك لحفظ الأمن وعاد إلى ما عُرف عنه سابقاً من شبق... ثم ارتبط بـ "ريمبو" وتنقل برفقته بين "بلجيكا" و "إنكلترا". وفي تموز من العام 1873، وكان ثملاً، أطلق رصاصتين من مسدسه على صديقه. وحكم عليه بالسجن لمدة سنتين في "مونْ". وفي زنزانته، يبلغه نبأ حصول زوجته الشابة على قرار بالتفريق فيهزه النبأ في أعماقه ويصبح مسيحياً محتدماً.

وأُنهك الشاعر ومرض، وأوهنه الإفراط فأُدخل مراراً إلى المشفى قبل أن يموت ميتة بائسة 1896.

 

- أسوأ حزن

ينهمر الدمع في قلبي

كما ينهمر المطر على المدينة

ما هذا السقام

الذي يقتحم قلبي؟

يا لصوت المطر العذب

على الأرض وفوق السقوف

ما أعذب صوت المطر

على مسامع قلب أصابه الملل.

ينهمر الدمع دونما سبب

في القلب الذي أصابه القنوط

ماذا! أما هناك أية خيانة؟

هذا الحزن هو إذاً بلا سبب

إنه لأسوأ حزن

ألا أعرف لماذا

دونما حب، دونما كره

يحس قلبي بهذا القدر من الألم.

 

- بعد غياب ثلاث سنوات

دفعت الباب الضيق فترنح،

تنزهت في الحديقة الصغيرة

التي كانت تضيئها شمس الصباح

فتزركش كل زهرة بقطرات الندى الألقة

لم يتغير شيء. أبصرت كل شيء: العريشة المتواضعة

من الكرم البري مع كراسي الخيزران،

فوارة الماء تتمتم بهمس فضي الرنة

والحور القديم الرجراج يبعث أنينه الدائم

الورود تختلج كما في الماضي،

الزنابق الكبيرة الزاهية تتأرجح مع الريح

كل قبرة تروح وتجيء معروفة لدي

حتى "الفيلّيد(1)" التقيتها واقفة

يتساقط ثوبها الجصي قشوراً في طرف الجادة،

نحيلة، فقدت ألقها بين رائحة الخزام الباهتة.

 

- من كوّة السجن

السماء من فوق السقف

شديدة الزرقة، كثيرة الهدوء!

ومن فوق السقف شجرة

تهدهد سعفتها.

الجرس في السماء التي نرى

يرن بهدوء،

وعصفور على الشجرة التي نرى

يغني ألمه

إلهي، إلهي، الحياة هنا

بسيطة وهادئة.

تلك الضوضاء الوديعة

تأتي من المدينة.

ـ ماذا فعلت، أنت الذي يُرى

دوماً باكيا،

أنت يا هذا، قل، ماذا فعلت

بشبابك؟

 

- أنشودة الخريف

النحيب الطويل

من كمان

الخريف

يصيب قلبي

بفتور

رتيب

شاحباً

وفي قلبي غصّهْ

عندما تحين الساعهْ

أتذكر

الأيام القديمهْ

وأبكي.

وأذهب

في مهب الريح العاصف

الذي يحملني

هنا وهناك

وكأنني

ورقة خريف...

 

- صوت البوق

ينتحب صوت البوق باتجاه الغابات

بألم نخاله يتيما،

يتلاشى عند أسفل التلة،

بين النسيم تائهاً في عواء قصير.

تنتحب روح الذئب في هذا الصوت

المتصاعد مع النعاس المائل إلى الزوال

احتضاراً نخاله مداعبا

وهو يسلب اللب ويؤلم في آن.

ويتساقط الثلج كأسمال مزقة

فيضفي جمالاً على هذا الأنين الضعيف

عبر المغيب المدمّى،

ويبدو الهواء وكأنه تنهيدة خريف

لشدة عذوبة هذا الماء الرتيب

حيث ينساب مشهد بطيء

 

(1) الفيلّيد: آلهة من بلاد الغال كانت تحث الشعب ضد مضطهديه الرومان.

ترجمة: لطيفة ديب


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri