
كلمات
ما بعد منتصف الليل
اذن، ها
هو ذا الشتاء، وتعلم به وأنت تشاهد زجاج النافذة البليل
بقطرات المطر وتتساءل:
هل نعود
الى ذلك المقعد الحجري الذي اتخذ فرانسوا مورباك “ مجلسه
عليه وقال: العزلة الأخيرة هي طفولتنا....
اجل، وتكون
للشتاء مراثية كما تكون للغة أناشيدها، وتكون للشتاء عزلته
الخشبية لبقايا العمر...
كان”ارنست
همنغواي“ يقول ان الشتاء غالباً ما يكون بالنسبة له هو فصل
الاسئلة، ذلك العذاب الخشبي في الماء وثمة عذاب خشبي على
الورق والفيضان الازرق ينتقل الى غرفته، ولم يكن”بابا همنغواي
“ يدري ماذا تفعل الاسماك في تلك اللحظة وتساءل:هل ابكي
من اجلها؟البحر الشتائي هو الشيء الآخر، فانت دائماً تستطيع
ان تعثر على مكان ما داخل العاصفة وتكتب على دفترك بانك
اصبحت عجوزاً وان السمكة التي كنت تلاحقها كي تتمتع بوقوعها
بين يديك تسألك عما اذا كنت بحاجة الى من تعطيه كلامك الاخير...
وانما انت
تعطي كلامك للطفولة لانها”تتآمر“ على اللغة وتتعامل معها
بطريقة سريالية...
وبذلك تدلف
الى امبراطورية الطفولة بحثاً عن الزمن الضائع، كما فعل
المسيو”مارسيل بروست “، وانت ترتدي معطف الشتاء الخشبي وتعلق
الشيخوخة للحظات فوق الباب كما تصور”خورخه لويس بورغس “
بانه علق عينيه فوق الباب، ومن هناك تتنهد:
آه.... وتمنح
للخيال الليلي اسنانه ليقضم عظامك التي هي على علاقة رديئة
مع النوم...
اجل، اجل،
ان شيئاً من العطب يكفي لاحداث زلزال في المخيلة ومن المستحيل
في مثل هذه الحال برمجة الروح، هكذا يقول الشاعر بعد ان
اقترب صوته من الليل الذي هو مخزن الحرائق، وهكذا ايضاً
تواصل اصابعك بحثها عن جغرافية الطفولة في شيخوخة الشتاء.
كان صديق
الشاعر يقول: اتعلم اني ولدت شيخاً لان الفرصة لم تتح لي
لكي احظى بقيلولة بين النبيذ والشموع.
والحق ان
هذا الاحساس بالشيخوخة المبكرة، قد عانى منها ايضاً الشاعر
الكبير”ت. إس. اليوت “ قضية يكاد يعاني منها معظم الادباء
من ذوي الحس المرهف والمهذب، الم يكن”بوريس باسترناك “ يقول
بشيء من الشاعرية المصابة بالعطب:
”وهذه هي
مشكلتي، نعطى طفولة شاسعة ثم تضيق وتضيق حتى لتبدو الشيخوخة
كما لو انها ولادتنا الاولى..
كانت الكاتبة
الفرنسية”مارغريت يورسنار “ تقول: الاشياء مثلنا تصبح طاعنة
في السن، وبين الحين والاخر ادخل في الكآبة، خطوة واحدة
في الكآبة تكفي وعلينا عند ذاك ان نتراجع...
وهنا لا
تفيد كل”كميات“ الوعي والمعرفة امام الاحساس بالعطب...
انها لعبة
الابواب المقفلة، فما ان تفتح باباً حتى يواجهك باب اخر
مقفل، ولكنك تعلم ان مسألة العودة الى الماضي لا تعدو كونها
حالة لتوثيق الغبار كما كان”سارتر“ يرى ذلك، وهنا تصبح شهادة”اندرية
بريتون “ في كتابه”نادجا “ متراساً امام الموت حين راح يحتفل
بالحب والشعر والحرية واعترف”بريتون “ بانه على يقين بانه
لن يتراجع عن قوله هذا مطلقاً...
ومن هنا
تظل المرأة ترياقاً لاوجاع الشاعر واحساسه بالوحشة داخل
هذا العالم المليء بالقبح والوحشية، جزيرة خرافية لترميم
هذا الشتاء في روحه، جزيرة كالتي تخيلها الشاعر”وليم بطلر
بيتس..
يلقي الشاعر
هناك بعظامه المصدعة بين احضان امرأة مصنوعة من الرخام محاولاً
القاء القبض على الزمن الذي يعد اكبر عدو للشاعر والفنان.
هل يكفي
ان يقال ان الشيخوخة المبكرة يصنعها الصراع بين الجمال والقبح
وتصنعها الهزائم الاتيات من قبح”الاخر“.
كان”باسترناك
“ يقول:
وفي هذا
الشتاء خفت ان انتهي كما تنتهي الاخشاب، لقد ذبلت اصابعي
وهذه هي قيلولة الثلج، وهكذا يظل الشتاء هو فصل الأسئلة.
صادق باخان
- (الصباح الجديد)