حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

في ذكرى الشاعر المجري يوجيف أتيلا..

حين يكون موت الشاعر منطلقا لتألقه

في يوم ديسمبري شديد البرودة من أيام العاصمة المجرية بودابست، عام 1937 توقفت حركة القطارات وأمطرت السماء حزنا فوق شوارع المدينة التي تفرش ثوبها الفضفاض فوق ضفتي الدانوب الذي يفصل بين "بودا" و "بست" حين صمتت نبضات قلب شاعر غنى لبلاده حين كان الجوع يعزف في أمعائه الخاوية وتناثر دمه فوق مسارات السكك الحديدية. أنه قلب ودم الشاعر المجري يوجيف أتيلا الذي لم يكن معروفا إلا في بلاده المجر.

إنه لمن المحزن حقا أن تكون العزلة اللغوية سببا وراء اختفاء شاعر كبير عن مسرح الأدب العالمي، كما أنه من المؤلم الا يعرف قدر الشاعر الا بعد أن وضع حداً لحياته بطريقة مفجعة، ليـتألق نجمه في دراسات المختصين في الآداب العالمية، الذين يقرون بمكانته التي لاتقل منزلة عن بريشت وأيلوار وبابلو نيرودا وغيرهم من عمالقة الأدب العالمي.

تكمن منزلة أتيلا الرفيعة المقام ليس فيما جسده من معاناة فردية ثقيلة وسمت سنوات عمره، منذ ولادته عام 1905 وحتى انتحاره، بعد ان ألقى بنفسه تحت عجلات قطار بضائع في محطة بودابست عام 1937، بل لممارسته القناعات التي آمن بها، متحديا جبروت أنواعا من العلاقات والوشائج التي كانت تحكم المجتمع المجري في عشرينيات وبداية ثلاثينيات القرن الماضي.

كانت هناك محطات قاسية مرت بها قاطرة حياة الشاعر الهمته حساسية مفرطة في التصوير الذهني للأحداث والظروف التي عايشها ومنحه الألم قدرة بجمالية التعبير عن لحظاتها الموجعة. لكن هذا الإحساس " المتجاوز" قاده الى مرض الكآبة، حيث كان الفشل والبؤس يطاردانه كلما وضع قدمه درجة على سلم الحياة فأوديا به الى " انفصام الشخصية "، حيث ظل يعيش في داخله كائنان، توأمان في جسد واحد: أحدهما إنسان متمرد مشدود الأعصاب ومتوتر الأحاسيس دوما، شديد التطرف في كل شيء، في آرائه وعلاقاته وتعامله مع الأحداث. والآخر، إنسان ودود، صاحب مشاعر مرهفة، ومبدع جسد ماكان يعانيه بصور شاعرية جميلة، فهو اذ كان يكتب عن آلامه فهو يعكس معاناة وطموحات اوسع قطاعات الشعب، تلك التي كان يقول عنها انها هي التي بنت على اكتافها المصانع والبيوت الفخمة ولم تجن سوى البؤس والشقاء. كأن أتيلا ينتمي الى العمال والفلاحين ومنهم تعلم بساطة الحياة، ولكن قسوتها أيضا، فكان شاعرهم الغنائي. كان والده قد غادر الحياة ويوجيف لم يكن قد بلغ الثالثة من عمره بعد، فتبنته إحدى الأسر، ولما بلغ السابعة أخذته أمه الى المدينة ليلتحق في المدرسة ولتشتغل هي منظفة في البيوت من أجل اعالته وأخته. كانت القصص التي يقرأها في كتاب المطالعة للصف الثالث الابتدائي توقظ فيه اهتماما كبيرا في تمحيص تفاصيلها وهي تسرد حكايات عن سير الملوك ومن بينهم الملك أتيلا، الذي شغف به شاعرنا كثيرا خاصة وأنه يحمل أسمه، لكن سرعان ما يصاب بالصدمه حين عرف من ابيه بالتبني أن اسم الملك أتيلا كان من صنع الخيال وليس له وجود في الواقع. فيقول " لقد اذهلني ذلك. اذ شعرت بأن وجودي ذات مسألة قيد البحث". أن اكتشاف تلك القصص عن أتيلا الملك كان له الاثر الحاسم على طموح الشاعر وربما " كان ذلك هو الذي قادني الى طريق الأدب "، كما نقل عنه ذات مرة.

كانت مسألة اثبات أسمه قد خلقت منه رجلا في وقت مبكر من سني عمره، فقد كان يصغي للآخرين بانتباه دقيق، ويرضى بأن ينادوه بأسم آخر حتى يثبت هو أسمه شخصيا. كان يسمع مايقال فيخزنه في ذاكرته ثم يجتره ويحلل محتواه. وعندما اندلعت الحرب العالمية الاولى كان هو قد قارب التاسعة. كان يساعد والدته في تحمل اعباء المعيشة اليومية ببيع مياه الشرب أمام دور السينما وبصناعة لعب من الورق الملون ليبيعها على الأطفال الميسورين، كما كان عتالاً يشتغل حمالا في محطات القطارات. لكنه وبعد وفاة والدته بدأ مسيرة حياته الأصعب:

سبعة أيام مرت بي

وأنا موصول الفكر بأمي

حملت بين يديها سلة

وصعدت الى السطح بخفة

كنت أنا في ذلك الوقت، طفلا

دقت قدماي الأرض ... صرخت

كي تدع السلة

وتحملني بدلا عنها

أنا الآن لا أصرخ، فقد فات الأوان

وقد عرفت إنها كانت سيدة جبارة

كان شعرها الرمادي يطير في الهواء

وهي تصب زهرة الغسيل في ماء السماء

على أتيلا الآن أن يشق طريقه وحيدا، فيقوم ببيع الصحف والخبز ليواصل تعليمه. كان يفتقد المأكل الجيد والملبس الأنيق، والأكثر من ذلك افتقاده الى " إرشاد صديق وفي "، كما كان يقول:

أحبوني بلا حد

وزيدو همي العاتي

أن افضل فترة عاشها كانت تلك الشهور الأخيرة من حياته، لكنها جاءت متأخرة، بعد فوات الأوان، بعد أن تشرب باليأس دمه وأسكن في داخله كائنين. لكن وضعه الاجتماعي قد تغير على اية حال. فقد تحول من فتى معدم الى شاعر مفلس ومثقف معوز! كان يكتب ويعرض قصائده بثمن بخس. أي بؤس أكثر من أن يبيع المبدع نتاجه ليوفر لقمة خبز؟ " منذ ذلك الحين أصبحت اكسب قوتي من الكتابة ". وليس هذا فحسب، بل أنه استطاع في تلك الفترة ان ينجز جل أعماله الشعرية. كان يكتب بغزارة ولكن بإبداع ويتعرف على المدارس الأدبية السائدة آنذاك ويدخل حلبة الصراع الفكري والسياسي فيصطدم بإشكاليات الوشائج التي تربط خيوط المجتمع وتتقاطع معها. حركات سياسية وأخرى ثقافية تقبع تحت ظلالها، فيتمايز عنه الموقف من السلطة والتراث بوضوح، فتبرز الخشونة والقسوة في كلماته والصلابة في موقفه والإصرار على مبدئه من الحياة والإبداع، فيتحمل مسؤولية ذلك بأن يترك وحيدا لتسقطه لعبة الحسابات السياسية التي لاتقيم للإبداع اعتبارا ان كان خارج عباءتها:

كنت أغدو كغزال شارد

وبعيني سجى حزن رقيق

وذئاب تنهش الأشجار غضبى

خلتها تعدو ورائي..!

سقطت عني قروني منذ أزمان بعيدة

هاهي الآن حطام فوق غصني

وقديما كنت وعلا.... وسأغدو

الآن ذئبا، ذاك ما يحزنني

سوف أغدو الآن ذئبا خالصا

في حنايا غابة مسحورة بين رفاقي

واقفا بين ذئاب أزبدت أفواههم

جاهدا أن ابتسم...!

لكنه جاهد، رغم كل ذلك في الحصول على شهادة جامعية مرموقة، حيث استطاع الدراسة في فيينا والتحق بالسوربون بفرنسا، أتقن الألمانية والفرنسية والكتابة على الآلة الطابعة. لكن المأساة قدر بات محكوماً فيه مصيره، فكان يوما من أيام ديسمبر القارصة البرودة من عام 1937 توقف فيه حركة القطارات بمحطة بودابست التي كان يعمل في صباه عتالا على أرصفتها، فسال دمه على القضبان يدفئها فالتهبت ضمائر معاصريه الذين تنبهوا الى أية خسارة مني بها الأدب المجري بفقد مبدع غنى لبلاده في وقت كان الجوع يعزف في أمعائه الخاوية.

 

طالب عبد الأمير


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri