حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

أيهما أحق بالتكريم..

النسبية أم دون كيخوتة؟

سيمون جينكينز

في الذكرى 400 لصدور رواية دون كيخوتة كتب سيمون جينكينز في جريدة التايمز الإنكليزية يقول:

نحتفل في يناير من كل عام بمناسبتين، الأولى، نظرية النسبية لأينشتاين 1905، والثانية، رواية (دون كيخوتة 1605) لسيرفانتس. كلاهما من أروع إنتاجات الحضارة. وبينما يتم إصدار طوابع بريدية ملونة تحمل صورة أينشتاين، يكاد سيرفانتس أن يكون مجهولاً خارج أسبانيا، فأيهما أكثر جدارة بالاحتفال؟

لا أحمل أية ضغينة لأينشتاين الذي توجه أعضاء جمعية العلوم سيداً للكون، فقد قيس حجم عقله وجرى تحنيط حذائه، وكتبت له النساء يطالبنه بمنحهن أطفالاً من صلبه. لكني واثق لو أن أينشتاين لم يوجد لخلقه علم الفيزياء عاجلاً أم آجلاً.

فقد كانت نظريته النسبية فهماً للطبيعة، الطبيعة القابعة فوق أفق الكون بانتظار من يكتشفها، بانتظار أول عبقري يمر بها، وقد كان أينشتاين كولومبوسها.

غير أن الأمر مختلف مع سيرفانتس، فقد عاين المشهد العام في أوروبا ما قبل العصور الوسطى وسأل، أين هو الإنسان؟ قبض على الشجاعة، الحب، الوفاء، الانتصار وإماتة الجسد وضغطها، مثل معاصره شكسبير، في إطار بشري. سيرفانتس راوية لا مثيل له ولو لم يُخلق لما أمكن خلقه؛ ولكانت هناك ثغرة كبيرة في الكانافاه الأوروبية.

قلة من (البشر) والإنكليز قرأت دون كيخوتة، ربما لأنهم يعتقدون أنهم يعرفونها سلفاً، فقد سمعنا عن أوهامه ومحنه، عن حصانه المسكين، وحامل درعه سانشو بانثا.

نعرف مثاقفته لطواحين الهواء والأعمال السخيفة التي يقوم بها لكبح توقه لدولسينيا ديل توبوزو منقطعة النظير، فالرجل مجنون ومن زمان غير زماننا.

صدر في 1605 أيضا النص الكامل لمسرحية هاملت، وغالبا ما جرت المقارنة بين دون كيخوتة وهاملت، فهما يتشابهان في الأشباح والشياطين، بالشغف والشرف، ويستخدمان مسرحيات داخل مسرحيات كالاستعارات. كلاهما يعبران بنا الجسر من العصور الوسطى إلى بحث الدوافع والعصر الحديث.بيد أن كيخوتة أكثر إبداعاً، إضحاكاً، حزنا، العقل الأكثر غطرسة والمتحدث الأبرع، فحديثه مع سانشو، المؤمن بالفروسية

والخادم الشكاك، من أكثر الحوارات سحراً في الأدب.

لقد عاش سيرفانتس شخصيته، قاتل الأتراك في Lepanto 1571، ذروة نضال أوروبا العصور الوسطى. فقد يده اليسرى، استُعبد في افريقيا وسُجن في أسبانيا. كانت مسرحياته إخفاقات متتالية، وكانت حياته فوضى، رغم ذلك، وخلال بضعة أشهر في 1605 كتب روايته التي سمت وتجاوزت زمانها.

إن جزأي دون كيخوتة اشبه بالنظرية وعكسها. فنرى دون كيخوتة في الجزء الأول من الرواية كمبدع فانتازي حقيقي أُتخم من قراءة نصوصٍ قديمة عفنة، فينطلق ليسن قوانين الفروسية من جديد ، ليدافع عن العدالة والحب في عالم آثم. يقاتل طواحين الهواء، النعاج وبنات صاحب الخان. ويقول كارلوس فوينتز، في مقالته العظيمة عن دون كيخوتة، " إنها فن يُحيي ما قتله التاريخ."

أما الجزء الثاني من الرواية فيقطع العرى مع الماضي. ونجد كيخوتة، الذي جلد سانشو قبل قليل لاعتقاده أن معلمه لا يعرف أن دولوسينيا ليست فائقة الجمال. إنه يعرف أنها مجرّد فتاة قروية سوقية، لكنها أنبل من أن تبقى كذلك، ينادي على سانشو: " تعال، يكفي أن أراها أنا جميلة وشريفة... لقد رسمتها في مخيلتي كما أريدها أن تكون." إننا لا نعرف هنا من يسخر من من، ومن نحن لنشرّع الفرق بين الحلم والحقيقة؟ إننا الممثلون والجمهور معا في تمثيلية تحزيرية.

هنا ينقض دون كيخوتة على عرض دمى متحركة ويقطع رأس الجنود-الدمى، ليمنعهم من اعتقال عاشق وأميرته وهما هاربان معا إلى أحضان الحرية. ثم يعوّض بعدئذٍ صاحب الدمى بسخاء لقاء "دين الشرف" هذا. في الفصل الأخير نرى التركيب النهائي:

يتبرأ دون كيخوتة المحتضر من " أشباح الجهل السوداء" التي جاءته من القراءة " من كتبي البغيضة عن الفروسية". ويندم على شيء واحد فقط وهو عدم امتلاكه الوقت الكافي لقراءة " كتب أخرى يمكن أن تنير الروح."

من المفترض أن رواية دون كيخوتة هي الأكثر شعبية في التاريخ.فقد كانت معبودة شتيرن، غوتة، فلوبيرت، ديستويفسكي، كافكا وميلفيل.ومنذ عامين فقط نالت هذه الرواية الزاخرة بأعمال البطولة مرتبة أفضل رواية من بين روايات أفضل " مئة كاتب في العالم".

لقد اعتبر كيخوتة كصديق مدى الحياة من قبل الملايين الذين تعرضوا، مثل سيرفانتس، للعبودية في مطابخ السفن. وكلهم، مثل كيخوتة، أملوا ما وراء الأمل وأحبوا ما وراء الحب. كلنا نرى طواحين الهواء أحياناً كمردة، والمردة كطواحين الهواء. داخل كل واحد منا يوجد فارس تائه يقود حامل درعه يحوِّل الحرفة الأكثر تواضعاً إلى حملة صليبية نبيلة. كلنا، مثل كيخوتة، يتوق للقفز إلى مسح الحياة، لندفئ يد ميمي المتجلدة أو نوقف خنجر عطيل.

بطريقة أو بأخرى، أستطيع العيش بدون أينشتاين. وأستطيع أن أقود مركبة فضائية بدون أن أكون ملماً بالذرة. لكني لا أستطيع العيش بدون أيقونتي. وأرفع نخب فارس الملامح الحزينة الرزينة، دون كيخوتة لامانشا، وهو يخب عبر سهل الحياة بحثاً عن الرضا الذاتي. كان يعرف أن العقل سينتصر، لكنه عرف أيضاً أن العقل وحده ليس كافياً. مكتوب على ضريح كيخوتة: " من حسن حظه أنه عاش مجنوناً ومات عاقلاً." آمين.

 

ترجمة وإعداد: محمد حبيب


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri