حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

جاك لاكان..

النظرية والإخفاق

تعرض جاك لاكان طوال حياته الفكرية إلى اشد أنواع سوء الفهم وانعدام الثقة خاصة من قبل الأوساط الطبية النفسية التي كان من المفروض انه محسوب عليها، الأمر نفسه ينطبق على موقف الوسط الثقافي الفرنسي بشكل عام. وكذلك هي وجهة نظر زملائه في "البنيوية" وهذا ما يزيد الحيرة والإرباك في تقييم الخطاب النفسي الجديد الذي تبرع به "لاكان" وأسهب في عرضه كثيراً.

والشعار الأساسي الذي أعلنه "لاكان" يتلخص في عبارة "العودة الى فرويد" تلك العودة النظرية المهمة التي خوض بها "لاكان" وحدّث آلياتها المعرفية من خلال التوكيد على منظومة اللغة في علاقتها بـ (اللاوعي) واكتشاف أهمية "الدال" في قيادة الوعي الذاتي للشخصية الإنسانية والخروج بفرضية جديدة اطلق عليها "نظرية المرآة" او "جدلية النظرة والتشيؤ في المكون النفسي للفرد، ومن المفروض ان كل هذه الطروحات والاشتراعات كانت جديرة بان تجعل منه واحداً من أهم مفكري العصر ومن الناهضين بالخطاب النفسي –التحليلي، فما الذي جعل جاك لاكان يخفق في تحقيق ذلك؟ وكيف ولماذا تدهورت سمعته الطبية ومن ثم التشكيك، بعد ذلك في اخلاصه العلمي؟ مما دفع الرابطة الدولية للتحليل النفسي الى اتخاذ قرار بتعليق عضويته وطرده منها في عام 1959.

يعزو "جون ستروك" اسباب هذا الاخفاق في عمل وفكر "جاك لاكان" عندما قدم دراسته المعروفة بـ (البنيوية وما بعدها) بعد ان يستعرض افكار زملائه في البنيوية (ستراوس وبارت وجاك دريدا) حيث يقول: Xاما جاك لاكان فهو حاليا مضرب المثل، لان الفرنسية التي يكتب بها شديدة الخصوصية يصطنع تركيبها اصطناعا مقصودا، لكي يمثل به "لا ان يشرح" العمليات اللغوية التي تجري في اللاوعيZ ويكاد ان يكون رأي "ليونارد جاكسون" رأيا ماثلا ولكن من وجهة نظر، أكثر حدية، في كتابة "بؤس البنيوية"عازيا اسباب اخفاق "جاك لاكان" تعبيراً عن تسارع انهيار "البنيوية" كفكر مشوش بالرغم من تشبثها بمقولات "النسق" و"المنهج" و"علم اللغة" متوقفا عند اسلوب "لاكان" حيث يقول:(العنصر الاشد أثرا فهو طريقة لاكان المميزة في عرض افكاره، التلميح الخاطف والبلاغة المليئة بالالغاز والتلاعب المتواصل بالافكار).

والسؤال المطروح: الم يكن "جاك لاكان" "يدرك هذا "النقص" المنهجي او لا يعي "التعقيد" المتكثر في اسلوبه الانشائي وألاعيبه التي عرضته للسخرية والامتعاض؟ وتأتي اجابات الكثير من نقاده ومعارضيه بأنه كان يتعمد ان يسلك هذا النوع من السلوك الغامض وبالتالي فهو قد ذهب مختاراً الى حيث عزلته الخاصة وترفعه المفهومي عن سواه، وعدم الاستعانة بالوضوح الديكارتي الذي اعتادت المدارس الفلسفية الفرنسية الاخذ عنه والاقتداء به.

لقد اختار "لاكان" ان يطرح نفسه بصيغة "المغامر" و"المجازف" داخل حقل حساس لا يحتمل اللعب او الاستخفاف الى الحد الذي جاءت استضافته الوحيدة في "التلفاز الفرنسي" كمحطة غريبة لمفكر يتكلم مع نفسه ولا يسمع غيره ولا يكاد يعرف ما يقول!
لا تشبه قراءة "لاكان" لأفكار سيغمون فرويد قراءات من سبقوه، فلا احد يقلل من قيمة قراءة "كارك جوستان يونغ) لفرويد وكان هذا الاخير زميلا له وكذلك "آدلر" او "فرنيزي " وغيرهم، ذلك ان هذه القراءات طورت مفاهيم معينة عن فرويد او عدّلت وقدمت آليات تحليلية دون سواها. ما فعله لاكان كان غريباً عن فرويد فلا نرى اضافة اصيلة او تطوير مقنع بقدر ما نعثر على عدد من السويعات والاقلابات والاعتراضات على مشروعات فرويد مع عدم استخدام الاستبيانات اللازمة او الحدود او التعريفات التي يمكن لها ان تقعّدَ ما تذهب اليه. ويكفي ان نتطرق الى تناص "لاكان" الفكري ثالوث فرويد المعروف بـ (الانا) و(الأنا الاعلى) و (الهو) حتى نقع على ثالوث آخر يقول بـ (الرمزي) و(الخيالي) و(الواقعي) وهو ينطلق بثالوثه بعيدا عن المقارنة العلمية مع الاصل الفرويدي دون

الالتفات الى المبررات الفكرية الكافية لاستبدال ثالوث فرويد بآخر وسر عان ما يصبح ذلك الطرح معززا بإقحام بنيوي وتعاطي لساني يخرج بنظرية لسان حالها يقول:"ان بنية اللاوعي شبيهة بنسبة اللغة" ويأخذ بالتداعي الحر على هذا المفهوم واستحلابه والعزف عليه الى الدرجة التي يعامل فيها "لاكان" مع لغة المريض النفسي ومعاملتها معاملة قراءته لنص مكتوب فيقوم بفصل (الدال) عن المدلول متبعا طريقة "دلان بارت" بنقد الأدب او طريقة "جاك وريدا"

في نقد الكتابة.. مما يوحي بأنه يستخرج أفكاره وأطروحاته خلال لحظة الكتابة نفسها او بتعبير موفق "مالكولم بري" بان متن مؤلفه الكبير"كتابات عام 1966" كان (يحوي نمطاً من الإنتاج اثناء العمل) ويواصل توضيح فرضيته حول "لاكان" قائلا "تظهر في هذه الكتابات علائم ذلك التداعي الحر الذي يفرضه التحليل النفسي على المريض وهو يتكلم" بل ويطلق جاك لاكان حريته الأسلوبية الى أقصاها فيناقض نفسه بنفسه داخل المتن الواحد ويترك بعض أفكاره الأساسية ناقصة ويدبج عشرات بل مئات من الصفات دون ان يتوصل الى مفهوم واضح او وجهة معينة.

عموما ان أسلوب "لاكان" جعل منه عصياً على الترجمة للغلة الإنكليزية مثلاً فضلا عن الى اللغة العربية التي نقلت له القليل من المقالات التي كتبت بقلمه وعدد لا بأس به من المقالات التي كتبت عنه او تبرعت بشرحه او محاولة توضيحة او تذليل صعوبات عملية مما يصلح جاك لاكان أن يكون نموذجا لدرس النظرية والإخفاق وليس لدرس النظرية والتلقي.

 

خضير ميري


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri