حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

غياب الاستذكار للنصوص الشعرية

فتحت في أوساطنا الثقافية هذه الأيام أسواق متعددة، أكثر المستثمرين لها هم الشعراء، وكل يعرض بضاعته على طريقته الخاصة دون ان يعي هؤلاء نوع ما يباع وخصائصه وقدرته على البقاء عبر الازمنة، فالشعر - كما نفهمه - هو الذي يهبك تلك اللمسة الإنسانية والرعشة الوجدانية اللذيذة، ويشحن الذات والذاكرة بطاقة تمنحها الحياة وتجعلها ذات فضاءات دائمة الاتقاد، فالاستجابة للقصائد الصادقة وعلى طول فترات الوجود الشعري، تعني الإشباع النفسي والإنساني للمتلقي، وانصهاره بالتجربة الجماعية.

وهذا ما جعل العدد الأكبر من المتلقين يتلقفون النماذج الشعرية الناجحة ويحفرونها في سجل الذاكرة، فيمنحهم التناغم مع الذات ومع الآخرين، وهذه الظاهرة - كما عشناها- تجدها ساخنة في كل المواقع في المدرسة والمجالس والبيت والمقهى وفي العمل، وهذا يدفعنا للتساؤل حول انطفاء أجهزة الاستقبال الشعرية عند المتلقي هذه الايام، فاصبح الشعراء يقدمون معارض للشعر سواء في المجاميع الشعرية المطبوعة او على صفحات الصحف التي أتخمت بهذا العدد الهائل من الشعراء. إن ظاهرة إستذكار النصوص الشعرية وغيابها عن ذهن المتلقي ومهما كانت درجة ثقافته، حالة مرضية تعني ان الوسط الثقافي قد أصيب بالعقم، أو حالة انسلاخ عن الوجود الإنساني، فالإنسان كان يستسلم للشعر ويتغنى به فكراً وروحاً، فمن الذي جعل قصيدة اليوم تسجل على الورق فقط ثم ترمى في قسم الملفات؟ هناك مؤشرات قد تمثل جزءاً من الحقيقة وليست كلها، فوجهات النظر تختلف.

واترك الباب مفتوحاً للمهتمين بشؤون الثقافة عسى ان يجدوا العلاج؛ فهل ان الأسباب التي ادت الى استفحال هذه الظاهرة تعود الى تصفير الرصيد الثقافي؟! أم يعود الى مؤسسات سياسية واجتماعية وثقافية وتربوية؟ أم يعود الى طبيعة القصيدة الحديثة وعدم قدرتها على التوصيل والنماء؟ ولنحاول ان نحلل بشكل موجز كل سبب ربما قد نحقق شيئاً من النتائج، ونعيد السخونة للقصيدة المعاصرة. الجميع يعلم ان أبشع مؤسسة ثقافية هي مؤسسة النظام الصدامي فهي لم تكتف بقمع الانسان العراقي بل سعت وبذلت الأموال لإجهاض الحركة الثقافية وبكل الوسائل، وطعنت وبشكل وقح المثقف العراقي الغيور، فأصبح المثقف والشاعر بشكل خاص والمتلقي معاً؛ اما في المقابر الجماعية او معلقاً على أعواد المشانق، ومنهم من عاش محنة الاغتراب. ورغم التدمير الهائل للثقافة العراقية لكن ظل البعض وحسب ظروفه وأساليبه يردد مع نفسه، أو مع الآخرين، قصائد الجواهري والسياب والبياتي وآخرين ممن امتازت قصائدهم بهموم شعبهم، اما الوضع الاجتماعي المتدهور فهو انعكاس طبيعي لسياسة النظام الطاغي، فأخذ يتحمل آلامه ويعيش حالة نزف وخوف دائمين. ورغم هذا كان المعذبون يرددون الكثير من قلائد الشعر العربي للتخفيف من أوجاعهم.

ولعبت المؤسسات الثقافية التابعة للطاغية دوراً كبيراً حيث تحولت الى بؤرة لتجمع الذئاب والثعالب وخفافيش الظلام، هدفها تمجيد الطاغية وإظهاره بالوجه الأبيض؛ فقاد ونفذ أفراد جهلة بعيدون عن أبسط أبجديات الثقافة والقيم الإنسانية. أما المناهج التربوية فقد ساهمت هي بدورها لانها تمثل طبيعة النظام وأيدلوجيته فجردت الكتب الدراسية في مادة الأدب والنصوص وفروع اللغة العربية الاخرى، من كل ما يمجّد الانسان ويتغنى به واختصت بتمجيد القائد الضرورة فسلبت من الطالب الحس الإنساني والوطني والتذوق الأدبي. ان ما طرحناه من أسباب يعتبر من البديهيات عند المهتمين بشؤون الثقافة بشكل عام، ولكن لم يطرح هؤلاء غياب استذكار النصوص الشعرية والتغني بها بعد غياب الأسباب التي ذكرت أو قسم منها؛ فهل يا ترى العلة تكمن الان في طبيعة النصوص الشعرية المعاصرة، وعدم قدرتها على التوصل وتفجير براكين الذاكرة وتحريك أجهزة الاستقبال ونحن أمام هذا الكم الهائل من الشعراء؟

قد يجيب المهتمون بالدراسات الأكاديمية أن القصائد العمودية تمتلك مقومات الرسوخ في الذاكرة لما تمتاز به من خصائص فنية سواء في البناء والوزن والقافية؛ فالموسيقى والإيقاع اكثر توصيلاً وتأثيرا على النفس البشرية وهذا يعود الى طبيعتها من الازل، وقد تكون وجهة النظر هذه مقبولة لدى البعض لكن تطور الشعر وانتشار القصيدة الحديثة لا تقنع الكثير، ولهم من المبررات والمؤشرات على نجاح النصوص المعاصرة ولكن لم يلتفت هؤلاء الى حقيقة مهمة وهي ان الشعر: "يجب ان يكون بالنسبة للقارئ تعبيراً عن افكاره العليا ويظهر قريباً من التذكر".

وكما قال (باتمور): "أعظم مهمات الشعر أن يثير في قرّائه الصرخة" ومن اجل تحقيق هذا الهدف لابد للقصيدة المعاصرة ان تمتلك قوة غير اعتيادية وذات شمولية؛ كي تجد لها مكاناً في الذاكرة بحيث تنتج وعياً جماعياً وهذا ما نفقده في قصائد اليوم. أما القصائد التي كانت تستذكرها الأجيال الى الآن وإن خلقت بعضها (وهم الكمال) للمتلقين، ولكن بالنتيجة تجعلهم سعداء. ان الأثقال الشعري على مكامن اللاوعي فقط جعل الشاعر المعاصر يتيه ويتخبط، صحيح انه مكمن التجربة لكن اللاوعي زاخر بالمشاهد الذاتية والمعقدة والمتداخلة، وتتشابك عناصرها مع بعضها بحركة وحيوية مفرطة أحيانا وتختلف بين شاعر وآخر كما انها تتميز بسرعة إنفجارها وحسب الضغط النفسي الذي يعاني منه الشاعر. وأرى على ضوء النتاج الشعري الموجود حالياً ان شاعرنا لم يقم بأي برمجة، بين عمليتي الوعي واللاوعي، مما أفقده هويته وأضاع تجربته ودون الاهتمام بالمتلقي الذي يبحث عن الإثارة والإبداع وهما شرطان مهمان للقصيدة الناجحة، فالوعي الموضوعي يزيد الشحنات المنطلقة من اللاوعي اشتعالاً؛ اذاً هناك حاجز بين الشاعر المعاصر والمتلقي يتحمل مسؤوليته الشاعر بسبب الاستقرار والاسترخاء الدائمين في غرف اللاوعي؛ مما انتج تكثيفاً في الرموز وخلق قصائد ذات صور فوضوية لا تمتلك المصابيح المضيئة ليرى بواسطتها الأشياء ويحس بوجوده الإنساني.

إن غياب تسجيل القصائد المعاصرة من ذهن المتلقي ذكرتني بالمحاورة التي جرت بين الشاعر أبي تمام وأحد المتلقين حين سأل الشاعر: لِـمَ تقول ما لا يفهم؟ فأجابه الشاعر، وأنت لِـمَ لا تفهم ما يقال؟ وعلى ضوء هذه المحاورة يمكننا ان نسجل الكثير من الملاحظات عن واقعنا الأدبي وهذه الملاحظات تخص الشعراء بالذات، سواء الذين عاشوا زمن النظام البائد او الذين عاشوا محنة الاغتراب، ولأننا أمام واجب خلق الانسان العراقي الجديد فلابد إذاً من مراجعة دقيقة لما نكتب، لا ان ننظر الى إنساننا كمسخ. إذاً على الشاعر ان يخرج من مخبأه الذاتي ويتنفس هواء الحرية والإنسانية، ويفتح نوافذه المغلقة للآخرين ليرى حركة الحياة بشكلها المبهج ويعلن عن وجوده كإنسان، وعليه ان يدرك ان الشعر وكما قال (هاوسمان): "ان مهمة الشعر هي تنسيق أحزان العالم". إن غياب الاستذكار للنصوص الشعرية، يشكل شعر ما يسمى بالحداثة، اكثرها وأنشطها مساهمة في عدم تلقي القارئ لهذه النصوص لأن شاعر اليوم –حسب رأيي- لم يمارس عملية استفزاز للمشاعر الانسانية؛ فالرمزية بإفراط والتي لا داعي لها في عراق اليوم، وغموض وكثافة الصور، والعوم الدائم في اللاوعي، والتجرد عن هموم الآخرين، والسوداوية في الرؤيا ذبحت المتلقي بسكين الحداثة، والتي لا يفهم الكثير من الشعراء هذا المفهوم أصلاً والبعض تستر به ليكون شاعراً. إن الحداثة لا تعني التخلي عن المتلقي كما يدّعي البعض ويروج لمثل هذه المشاريع وهو ضمن أيديولوجيات الانظمة الدكتاتورية. ان الواقع الأدبي وخاصة الشعر، يحتاج لعملية قيصرية لإنقاذ الجنين من وضعه غير الطبيعي، فعلى الشعراء امتلاك الأدوات الجراحية السليمة فزمن الحذلقة الشعرية والتلاعب بمشاعر المتلقي قد ولى، فعلى شاعر اليوم ان لا يمارس عملية التغليف التي مارسها قبل وكأنه: "لا يستطيع الوصول الى حقيقة تجربته الا بطريق دائري" وعليه أن يدرك إن ملحمة المقابر الجماعية في العراق من أروع القصائد التي سُجلت في ذاكرة العصر الحديث.

 

عادل فليح الخياط


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri