حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

قبائل الشعراء

بعد موت الشاعر عقيل علي خرجت قبائل الشعراء منددة بالموت ومطالبة بالقصاص منه وكأنه لم يكن صناعة سماوية، وقانوناً عضوياً!! بعضهم اقترح صياغة قانون لتأمين حياة الشعراء! وبعضهم اقترح تكليف المؤسسات الثقافية بحماية الأمن الشعري وإخضاع الشعراء الى قانون إجباري للرفاهية والعيش الرغيد والأناقة ومحاربة الجوع والفقر بكل الوسائل الشعرية.

الأصدقاء لم يتحملوا موت عقيل علي جائعا وحزينا وماز وكيا، لان موته كان لعنة على الجميع، اذ اسهم هذا الجميع في صناعة موته!! وحتى الأصدقاء المهاجرين الذي عادوا على عجل ليرحلوا !تهربوا من جسد عقيل علي المكشوف للشوارع العامة وباصات نقل الركاب، تهربوا من أحزانه وجوعه وقلة أناقته ورداءة يومياته ورائحته اللزجة، طردوا عن ذاكرتهم الشاعر القديم الضاج بالصمت واستسلموا لضجر مرأى أيقونة جسده النحيل والمباح للجوع والبرد والشتائم!!

موت عقيل علي كان هزيمتنا الشعرية والأخلاقية، لم يتخيل الكثيرون انه سيموت ويترك لنا نداءه الحزين، كان جزءا من مشهد القلق العراقي ويومياته الطاعنة

بالأسئلة، الكل يعبر جسده الى مشاغل الضجر المكرر، المؤسسات الثقافية تكرست فيها عادات الكسل القديم وربما نقل لها السياسي العصابي والانقلابي نزعاته المرضية فظهر في أروقتها المثقف المنتفخ الأوداج والأرداف والعاطل عن الوعي العضوي!! وهذه المؤسسات لم تفعل شيئا لإنقاذ أحد!!

كانت تؤمن بالمثقف الصاحي والسليم في حواسه وصلاحيته الفكرية.... لذلك كانت ظاهرة المثقف الجائع والمثقف الحزين صناعة مؤسسية بامتياز ولا يمكن ان نجعلها ظاهرة جديدة، الجديد في الامر ان الاصوات ارتفعت في هذا الموسم السياسي في الوقت الذي كانت عاطلة عن التصريح في الزمن الماضي!!

ما أظن ان موت عقيل علي موت استثنائي لانه كان يمارسه يوميا ويكشف عن طقوسه في كل نوبات الجوع التي يعانيها، حدّ ان نزعة انتحارية قد تلبسته ولم يعد يطيق حياة لا مجال فيه الآ (للعدائين وراكبي الدراجات)، البعض بدأ يطلق تهمه هنا وهناك حول حقيقة عقيل علي ! وهل هو حقا الشاعر السبعيني الذي أثار الأسئلة حول جرأة تجربته ومغامرته في المعطى الشعري العراقي؟ وهل يعقل ان تستمر نوبات الجوع وتدمير الذات وقسر الوعي عبر زمن لا حراك خارجه؟

كنت اعرف ان تحت ثيابه إنسانا آخر، ربما هو الشاعر أو الحالم، وأظن ان (الخباز) كانت توريته الكبرى، لم يألف الأمكنة، لم يطق الانسجام مع سلطة ما.لم يعتد ان يغازل امراة واحدة، كان يخنق ذكورته تحت سكرته، لغته رغم حياته غير الثقافية! لم تتيبس تماما اذ كان يهرب قصائده بوحا، ولعل ما قرأه في إحدى الجلسات الشعرية التي نظمها تجمع فقراء بلا حدود كان تكشف عن هذه الطراوة الشعرية.. عقيل علي لم يطمئن الى جسده لقناعة غريبة بان هذا الجسد

بيت للمؤمرات على روحه النقية! كان يسلمه طواعية للجوع والشتائم والقبح والمرض، أعددت له أوقاتا خاصة للعلاج ودعيت الكثير من الأطباء لمعاينة حالته الصحية ورقد في المشفى لاكثر من مرة، وأبدى بعضهم استعدادا للاهتمام بحالته الصحية، لكنه كان كثير الهروب من المشفى، وكثيرا ما كنت اطمئن عليه

صباحا، لاجده في الظهيرة في الشارع يمارس طقوسه الأثيرة!!! تيقنت ان عقيل علي يعاني نوبات مازوكية، وكأنه يعذب جسدا لا ينتمي له، يمارس عليه ابشع أنواع القسوة، يلقيه الى الفوضى حيث الشوارع المكتظة السيارات والعابرين والسوقة واللصوص، لا يطمئن لنصائح الآخرين، المؤسسة الثقافية القديمة لم تمارس واجبها الأخلاقي في وضع الشاعر رغم أهميته في سياق من الاطمئنان الذي يجبره أحيانا على ممارسة الواقعية !! كانت تتركه لهواه الغريب وكأنه يكرر ظاهرة حسين مردان وعبد الأمير الحصيري.

الأصدقاء الذين يبكون أنفسهم الآن بعد موته كان يعبرون جسده، دون التفاتة حقيقية، والبعض الآخر يتهرب منه حتى لا يلزمه الواجب الأخلاقي بفرض ما!

والبعض وهم من الشعراء الأنيقين المليئين بالبرد (يتقززون) من مرآه الشبحي وعواطفه الحاره التي يلقيها في حضرتهم.

فلماذا هذا الهتاف الطويل؟ ولماذا هذه الأسئلة التي تخلط الشتائم بالنعوت الغريبة.

ورمي الحجر هنا وهناك؟ وربما وجد البعض في نشر أحزان عقيل علي على شبكات الإنترنت بانها ترحيل كوني لأحزان الشارع العراقي الذي يطرد أبناءه

ويلفظهم للجوع والموت المؤجل. ربما سيموت آخر، وربما سيرحل آخرون، وربما سيصاب البعض بعطالة قاهرة، وربما ستفتح الاصابع فضاءها لرمي الحجر على الرؤوس، اظن اننا بحاجة مفرطة للحب، حب يطهرنا من رجس الزمن السياسي ويعيدنا الى لحظتنا العراقية النبيلة التي نتبادل في طقوسها البوح والتصريح دونما حجر يشج الرأس أو الضمير!! ودونما خيانات تفخخ حياتنا بالمرارة والحزن.

 

علي حسن الفواز


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri