حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الشاعر العربي ديكتاتوراً..
طبائع الاستبداد الشعري

لن نقول جديداً لو قلنا أن ظاهرة الاستبداد تتجلى في المجتمع العربي على شكل هيمنة لسلطة الواحد الذي يزعم العصمة، للسلطة الأبوية بمعنييها الرمزي والعائلي التي، بدورها، تزعم امتلاكها المعرفة النهائية والحكمة والنص الفريدين اللذين لا يأتيهما الزلل من مكان. لنعد القول أن كلا من التراتب العائلي والقسر الاجتماعي موضوعان هما أيضاً كقانونين نهائيين تحرم مناقشتهما. على الصعيد السياسي تتجلى الظاهرة في قمع أية ماهية معارضة، وأيما هيئة أو شرعة اجتماعية أو مجموعة تعلن بهاء التنوع بدلا من رتابة الصوت المعاد غير الضروري.

2- وإذن فان الغياب القسري للآخر سيعلن بروز واحد مفروض على الهيئة الاجتماعية العربية وعلى الممارسة الآدمية والسياسية والثقافية. غياب الآخر هو حضور للاستبداد الجلي أو الخفي، للإجبار، (للجبر) كما يقول المعتزلة مقاربة بالإرادة، للعنت، للإلغاء وللتجاوز على حق الآخر في القول والفعل. وبعبارة أخرى فإننا أمام نفي للعقل الحر الذي يختار وفقاً للمنطق والحاجة والشروط الموضوعية عامة.

3- أين يمكن أن نموضع الشاعر العربي المعاصر، خاصة الشاعر الطليعي والرائد، في سياقات الثقافة والاجتماع العربيين؟ لنمض بطرح أسئلة البديهي: ألا يشكل هذا الشاعر جزءاً عضوياً من بنية اجتماعية وأدبية وأخلاقية هي، في نهاية المطاف، الاسم الآخر للمجتمع العربي ولشروطه القاهرة؟ هل يكفي أن يزعم الشاعر العربي، لغوياً، تخطياً للإطارات القديمة للمجتمع حتى يكون قد تخطاها فعلاً؟ ما هو مقدار ترسّخ وثبات البنية المتردية هذه في داخل وعيه هو نفسه ومدى صيرورتها مكوناً من مكوناته الثقافية ومن ثم تجليها، مباشرة أو مداورة، في عمله وأشغاله الثقافية؟ هل أن الكتابة الشعرية، وهل أن الحقل الممنوح للشعر في ضميرنا الأدبي، هو انغمار في حقل لا أرضي، سام، متعال، لا علاقة له بالشروط الثقافية التي ينمو النص في حديقتها؟ ما هو دور (العادة) و(العرف) الثقافيين في تكوين القصيدة، من جهة، وفي تشكيل أخلاقيات الشاعر نفسه من جهة أخرى؟ هل صحيح أن (الشاعر العربي الكبير) يقف خارج البُنى والهياكل الثقافية وخارج أخلاق الأمة العربية الحالية؟

4- نريد أن نثبت في البدء نقطة منهجية جوهرية من دونها لا معنى البتة للأطروحة المقالة هنا. نقول أنه في كل مرة يجري فيها تقديم عمل نقدي وسجالي محرج في الثقافة العربية، فأن النوايا تذهب نحو تأويل غير حسن النية، وتُتهم بالقسوة والإلغاء والحط من شأن المبدعين الجاري تناولهم. نعلن إذن بأننا نقيم احتراماً عالياً جداً، بل ننحني بإجلال لأنجازات شعرائنا العرب الكبار، خاصة البياتي ومحمود درويش وسعدي يوسف وكبير القامة أستاذنا أدونيس. إننا نعلن بأننا تعلمنا على أيديهم وأن بعض الكلام المقال هنا قد وصلنا عبر إبداعاتهم العظيمة. نشدد على هذه النقطة المنهجية لأنه جرى، غالباً، إلغاء الحوار في ثقافتنا لصالح هشاشة التهمة. ولأن البعض من الصحفيين والقراء والكثير من الشعراء لا يقرأون في النصوص السجالية إلا ما يبدو لهم الفكرة الأكثر فضائحية والأكثر رعونة من دون إعارة اهتمام لا للسياق ولا للمغزى الأعمق للحوار. نعلن منذ الآن لكي نفوت الفرصة عليهم ولكي نصالح أنفسنا مع أنفسنا ومع أساتذتنا الكبار بأننا لسنا ابناءً عاقين لهم بل إننا بعض من غرسهم التاريخي.

5- في اللحظة الثقافية الراهنة (ونشدّد على صفة الراهنة تشديداً) تبرهن الممارسات والكتابات على أن الشاعر العربي الكبير، لسوء طالعه وسوء تقديراته لنفسه، هو جزء عضوي من انحطاط وتآكل الثقافة العربية السائدة، إذا لم يكن واحداً من المساهمين المستترين في تأبيد معاناتها، من دون عمد في أغلب الأحوال، هذه البداهة ذات نتائج حاسمة.

6-ذلك أن زعم الشاعر العربي بتخطي وتجاوز والتعالي على شروط وإطارات وأخلاقيات الثقافة الراهنة لم يُبرهن بالكثير من الدلائل حتى اللحظة. العكس تماماً هو الذي تقوم عليه البراهين. كل الأدلة تشير الى أنه يتحرك ضمن روح مُستـَلهْمة بتقاليد التخلف المعممة الآن. وكمثال على الإشارات التي يطلقها الشاعر العربي دليلا الى تجاوزه البُـنـي والمستويات الثقافية العربية الـمُعممّة : إصغاؤه ملياً وبعمق شديد إلى صوته الذاتي قبل أصوات العالم الخارجي، كأنه في غيبوبة طال مداها، كما إيمانه المطلق، شبه الديني، المقال خفية لكن المقال على أية حال، بان الشعر بالنسبة إليه هو شيء يشبه الوحي القدسي على ذاته المنتخبة والمتفردة فرادة مطلقة. تجاوزه المعطى العربي العام وتساميه المطلق هو في نهاية المطاف من طينة تسامي الرسل عليهم السلام ذاتها.

7- لكن تجاوزاً شعرياً هذه حدوده وتلك آفاق عمله ليس من طبيعة يمكن أن تفيد الثقافة نقدياً وأن تنعش البصيرة وأن تصير محركاً جوهرياً للنص ولقرائه.

8- هذا التجاوز المزعوم، هذا السهو في الوعي وذاك الإطلاق يحتاج بالنسبة إلينا، نحن القراء وأنصاف المتعلمين العرب، إلى إيضاحات، إلى نقد إضافي وإلى نوع من التجاوز له هو نفسه.

9- أول هذه التوضيحات القول أن القصيدة، لدى الشاعر العربي الكبير، هي نوع من نص مقدس، عال اكثر مما يتوجب، وبوهم عميق، على وعي جاد متجهم ممكن، ويرفض الحوار معه. انه نص يحلق ويهيمن ويرفرف على الوعي والتجربة المتراكمتين ويسخر منهما، لأنه، ببساطة، ليس جزءاً منهما، حتى لو يزعم بأنه يطلع منهما لكي ينفصل عنهما. إن نصه، أنه هو نفسه، منشق منذ البدء عن كل تفحص عقلاني نقدي وانه، منذ البداية، يشيح بوجهه عنه لمصلحة بداهته. إننا نعرف إن التقديس المطلق للفكرة، للذات، للعقيدة الجامدة يقود إلى الذات المطلقة.

5-تصوره للعلاقة مع العالم وللذات انطلاقاً من تبجيل زائد عن الحدود ومن دون فحص للذات يتضمن الكثير من العنت، خاصة الكثير من الوهم عن علاقة النص الشعري بسياقه. فلا تعاليه عن السياق جعله ينفصل حقاً عن السياق لأنه يمتح منه يومياً في الممارسة والكتابة، ولا الإندغام، على الطريقة الميكانيكية لبعض الماركسيين، بالسياق والارتباط به آلياً سيجعل من النص فعلاً إستعارياً، جمالياً متألقاً. كلا التصورين يبتذلان النص وينحطان به إلى مستوى الأفعال وردود الأفعال. كلا التصورين يتضمنان نوعاً من العنف الرمزي على الواقع: العنف الذي هو أس قمع الآخر وسبب في صعود أقنعة الدكتاتور.

6-هذا العنف الرمزي قد مورس من طرف الشاعر العربي الكبير، بسبب السلطة الممنوحة له، وهو يستند الى إرث جم يمنح الشعر في الثقافة العربية دوراً إستثنائياً: الحكمة والحكيم، المعرفة وإستبطان المخفي، التجلي عن روح أصلي وعن إشراقات صوفية. يمنح الشاعر سلطة رمزية كبيرة، رمزية وسحرية كونه صوتاً طالعاً في الوادي المهول المسكون بربات الشعر والحكمة: عبقر.

7-لكن عبقرية النص الشعري في سياق تصورات الشاعر العربي الكبير عن نفسه تصير نوعاً من الاستبداد الصريح، كيف لا وهو يتخلى عن قناع الحكيم إلى الأبد، ويهجر عرفانية العارفين الكبار الزاهدين، ويتخلى عن رهافة الرومانسيين الحقيقيين المنـزوين في التأمل والعذاب، ويترك مقام الصمت اللائق بالشعراء ذاهباً إلى مهرجانات الحواة، وهو لا يطرح اليوم شكاً صغيراً عن القيم الروحية التي يقوم عليها وجوده ولا تساؤلاً عن قيمة شعره، وهو لا يعاود قراءة نصوصه كما كان يفعل أصحاب الواحدة أو أرباب الحوليات القانعون بالقليل من الأبيات لكن بالكثير من الشعر. إنه لا يصغي اللحظة لشيء سوى صداه، مثل قبرة عجوز.

8- على طول وعرض تاريخ الأدب العربي كانت تسود هذه الثنائية : من جهة كان هناك أساتذة، وكان هناك، من جهة أخرى، تلامذة. الأول يـُملي على الثاني، الأول مدجج بالأسلحة الفتاكة للمعرفة والحكمة والرؤية الغائرة والروح النبوي والموسوعية والعطاء الغزير، والثاني محكوم، وهو ينـزوي في حلقة الدرس مع أقرانه المجهولين، بالقبول والتقبـُّل والأخذ، الأول يعطي من علٍ والثاني يأخذ باتضاع في علاقة من الإجبار التي تشبه كلمة الأب المتحققة، قسراً، في البيت العربي، تشبه صرامة أوامر أستاذ المدرسة في الحي الذي تهوي مسطرته على الأيدي الهشة ذات الأصابع التي لم تتقن حروف الهجاء بعد، تشابه حديـّة وقسوة معلم الكتاتيب في الماضي الملوح بعذاب (الفلقة) على القدمين الناعمتين اللتين لم تستويا بعد، وتشبه شيخ القبيلة العارف القاضي بحد السيف.

9- الشاعر العربي الكبير يـعطينا مثال الرجل الطاعن في السن إزاء الولد الصغير الجاهل. من هو الجاهل يا ترى في هذه العلاقة المستلهمة من تقاليد يزعم الشاعر العربي رفضها؟.

10-لما زالت ثقافتنا تتوهم أن الباحث أو الناثر لا يمكن أن يرقيا إلى سماء الشاعر، حتى لو كانا مزودين بعدة معرفية رصينة. إنها تفترض دوراً نبيلاً للشعراء، لا يحققه هؤلاء مع الأسف الشديد اللحظة. هنا يقع البعض الآخر من العنف الممارس على مُسْتهلكي الثقافة، خاصة وأن افتراضاً من ذاك القبيل يسمح، مرات، لمن لا زاد حقيقي من روح الاستعارة الشعرية لديه ولا الروح السمحة للشاعر الحق أن يُشعر ممارسي الضروب الأخرى من الكتابة بدونيتهم إزاءه، أن يمارس ضرباً من ضروب القمع الثقافي الخفي.

11- لو قاربنا الشاعر العربي بالرسام مجايله لوجدنا الأول، أن الأول يمتلك خلفية تاريخية طويلة قد حفرت صورة له في الضمير الثقافي. هذا الصورة شاخت. ولم تعد تصف ملامحه الحالية، المخرفة. بينما يستعير الرسام كل مجده وغواياته من الصورة المجيدة للرسام الأوربي المعاصر (الغريب السلوك والسوريالي في الممارسة والقاضي نحبه مفلساً رغم عبقريته الفذة) التي انحفرت في الضمير العالمي، عبر الفن الأوربي، بوصفها صورة للرسام عموماً. لكن غواية الشعر في الضمير العربي ليست غواية التمثيل البصري، وهو أمر وضع فن الكتابة عموما والفن الشعري خصوصاً، موضع الاعتداد بالنفس أمام ضروب الفن القيمة الأخرى. إننا إزاء قمع رمزي آخر.
هذا التراتب الجامد والمطلق بين عارفين ومريدين يصيب الشعر العربي لأنه سيختار الموقف الموصوف، المتعسف بعض الشيء. بصدد أدونيس يشير محمد الماغوط عن حق أن :"أدونيس يريد من حوله مريدين لا أنداداً" (جريدة النهار/ السبت 3 مارس 2001). الشاعر العربي الكبير يفترض حضور الأستاذية والمعرفة والإشراق في صلب كينونته، كما يتخيل شعره الشفيف مرفرفاً عالياً فوق انحطاط العالم العربي وأسمى من عوالم النثر الجافة القاحلة الموجودة في صلب كينونة الأبناء الفاسدين.

12-هذا التراتب يمنح الشعراء العرب المعاصرين مجداً مشكوكاً ببعضه، ذلك أن دورهم ملعوب اليوم من دون الكثير من الرويّة والإتئاد وانه مفترض من دون تمحيص ومن دون نقاد لا يعاودون قول المألوف.

13-ما هي طبائع الاستبداد الشعري العربي؟

14-من أجل جواب دال سنطرح المزيد من الأسئلة التي لا تنتوي سوى إيضاح الصورة والإيحاء بإجابات ممكنة، ونبدأ بالسؤال: لماذا يدأب الشاعر العربي أن يلغي معاصريه لحساب عمله الشخصي فحسب؟ كل القراء المتنورين يعرفون هذا الأمر.

15-منذ أن استقرت الحركة الشعرية الحديثة في العالم العربي فان الملاحظ أن الكبار من الشعراء لا يعترفون إلا بأنفسهم أو إلا بقلة قليلة تُعتبر حاملة ألوية الريادة والمعرفة والإبداع، ويعتبر ما جاء بعدها شعراً هشاً، مقلداً، ضعيفاً وركيك المخيلة. يقول الشاعر بلند الحيدري بهذا الصدد: "لا يزال بدر شاكر السياب ونزار قباني وأدونيس هم المسيطرين أمام هذا الكم الهائل من الأصفار الشعرية فهي ليس إلا عربات فارغة لا يشكل فراغها إلا ضجيجا كبيراً" (في مجلة الكفاح العربي 6-5-1993).

16- إن شعرنا يعاني من وجود محورين ليسا من طبائع الأشياء الشعرية: يقف في طرفه الأول المبدعون الرواد، بينما يقف في طرفه الثاني الشعراء العاديون، المقلدون من الجيل الثاني ومن كل الأجيال الشعرية التالية. هذا التمحور ذو نزعة إستعلائية وإلغائية. إنه غير عادل على الإطلاق. ومن أين له أن يكون عادلاً في مجتمع غير عادل على أية حال؟

17-إن إلغاء الشاعر الكبير للشاعر الآخر هو إلغاء لكل ذات أخرى في نهاية المطاف. سوى أن إلغاء الشعراء تصير رديفاً صارخاً لاستبداد مستمد من طبع غير شعري. هذا الاستبداد يعاود الطلوع بعناد في حقول بعيدة عن السياسة، ويظهر بالتالي في الحقل الأدبي، في الشعر خاصة.

18- مثل الشعراء الكبار الطليعيين الذين يلغون الأجيال اللاحقة لهم مثل من لا يعترف بأبنائه، مثل من يقمع أولاده ويجبرهم على الانخذال والإنخزال والبقاء في السرداب المظلم في بيت العائلة وإلا فإنه سينهكهم إهانة وتوبيخاً.

19- وفي الحقيقة فإنك عندما تلغي الآخر فإنك تلغي جزءاً من ذاتك، من شعرك. إننا أمام علة مزدوجة الأذى: إنها تؤذي الآخر وتؤذي في آن واحد ذاتها هي نفسها.

20- إن إرادة الأبناء الانتقال إلى مواقع رؤية شعرية جديدة لا تؤخذ على محمل الجد، بل تقمع بصراحة وبضراوة. على الأبناء المشي على هدي رسالة القبيلة ورؤسائها التاريخيين. لأن الخروج عن السياق المضمون، المعروف، الأمين الذي بنته الطلائع الواثقة (التي لن ينجب التاريخ الفكري والشعري مثيلاً لها كما يبدو) غير مسموح به. أنه مقموع بعبارة أخرى.

21- وبطبيعة الحال فلن يأتي الشاعر الكبير لكي يخذلك علانية وبفجاجة أمام الملأ. إنه مثل الأب العربي، سيفعل ذلك زاعماً أنه يرحمك ويتمنى لك الخير يعني الشعر الجم.

 

شاكر لعـيـبـي / شاعر وكاتب عراقي - (المدي)


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri