حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

نساء من لون

"كان يبدو في أعلى اللوحة من جهة اليسار، عبر نافذة صغيرة، منظر بعيد: شاطئ منعزل وامرأة تنظر إلى البحر كأنها تنتظر شيئاً ما، ربما كان نداءً خافتاً بعيداً. كان المنظر يوحي بوحدةٍ قلقة و مطلقة".

من هذه النافذة عام 1948 انطلق أرنستو ساباتو في أعماق نفقه الطويل و سردابه المعتم ليروي حكاية حبٍ و موت في رحابة عزلة الفرد و وحشة وحدانيته.

نافذة سابتو كانت و لا زالت مشرعة أمام روح مظلمة كئيبة لا تملك إلا وميض من رجاء غيبي في غياهب وجودها.

قبل ساباتو و في عام 1925 كان سلفادور دالي (1904-1989) قد أنجز نافذته المطلة على طوفانٍ من نورٍ وألق و رسم لوحته المعنونة حينئذٍ "فتاة أمام النافذة".

فتاة أمام النافذة (سالفادور دالي)

كما هو معروف تعود بدايات دالي في الرسم إلى عام 1917، و رغم تأثره حتى عام 1928 بنزعاتٍ و تياراتٍ فنيةٍ مختلفة، تحديداً التكعيبية منها، فإن عام 1925 يحمل خصوصيتة في حياة دالي الفنان و الإنسان.

في تلك المرحلة المبكرة ربطته أواصر الصداقة بلويس بونويل و فدريكو غارثيا لوركا، رفاق السكن في بيت الطلبة خلال أعوام "الفشل الدراسي" في مدريد، فشكّل معهم ذلك الثالوث الفتي المبدع، الاستثنائي في تمرده و المثير للاهتمام و الجدل في تاريخ الحداثة الفنية والفكرية في اسبانيا.

إنها الفترة المعروفة في حياة دالي ب "اللوركية" نسبة للعلاقة الحميمة التي فيما يبدو كانت قد جمعته لحينٍ ما بالشاعر الأندلسي القادم من وهج نور غرناطة.

في ذلك العام بدت ريشة دالي تفيض بخطوطٍ و ألوانٍ ذات موروثٍ كلاسي واضح قبل أن يعود مرة أخرى إلى التكعيبية من جديد و ليتابع فيما بعد أسلوبه السوريالي المتفرد في روحانيته.

المنظر الذي يُشاهد من النافذة في لوحة "فتاة أمام النافذة" هو لخليج كاداكِس حيث اعتاد دالي قضاء عطلة الصيف في بيت الأسرة هناك. و قد احتفظ فدريكو غارثيا لوركا بذكرياتٍ حنينٍ لنفس المنظر الذي تطل عليه هذه النافذة حينما كان يستيقظ في الصباح في منزل دالي خلال احدى دعوات الفنان الشاب له، و قد وصف الوقت الذي قضاه في كاداكس مع صديقه ب "الرائع" و كما لو كان زمن "حلم فاتن" رغم مشاعر حبه المحبط في علاقة مثلية تشظت في قوافي شعره الأندلسي.

أنجز الفنان دالي عملاً فنياً بسيطاً في تركيبه و متختزلاً في تنوع ألوانه، فتاة النافذة هي آنا ماريا أخت سلفادور وقد كانت حتى ذلك الحين موديله الوحيد قبل لقائه بغالا. لعله كان يرى فيها حتى صيف ذلك العام شقه الأنثوي أو الموضوع الذي حمّله هواجس تنقيبه في الشكل و اللون و قبل كل شئ في الذات.

عند الوقوف أمام هذا العمل الفني يبدو إطار اللوحة نفسه نافذة مشرعة على نافذة داخلية أخرى و هو ما يُشكِّل للمشاهد الانطباع بعدة أبعاد:

  • بعد المتلقي و هو يواجه اللوحة.
  • داخل الغرفة حيث تقف الصبية.
  • البعد الأعمق فوق قماش الرسم حيث البحر في الخارج.
  • البعد الجانبي المنعكس فوق زجاج النافذة.

و بالتركيز على مساحة الرسم نتعرف على اللون الظليل الحيادي لداخل الحجرة و أشعة شمس المتوسط الباهرة تغسل زرقة الخليج و تجلل السماء خارج النافذة.

فإلى أي العالمين تنتمي الشابة؟.

رسم دالي فتاته من الظهر و هي تتجه و تشرف بجسدها و حواسها نحو الخارج. لا يُرى وجهها إلا أنه من الممكن التنبوء بدعوة غير معلنة توعز لمن يتطلع إليها بالمشاركة و الاندماج في رؤية الخليج وتأمل العمق البعيد.

شدد الفنان الضوء ليشير للعالم الخارجي في عمق اللوحة واستخدم لذلك الزرقة المنارة، ولم يكتفي بتوظيفها للنافذة و الستارة كإشارات عبور و انتقال بل لوّن بها ثوب الصبية أيضاً.

كتلة من الأزرق الفيروزي المتموج بالضوء تكلل امرأة فتية لازالت هناك في البعد الداكن جسداً فنياً تولينا ظهرها لتتحد لوناً و تتوق لتخطي حدود عالمها الداخلي نحو الخارج.

عكس دالي في زجاج النافذة جزء من مشهد الخليج، و كأنه يؤكد على حضور صورة البعيد في المدى القريب. و لعبة الانعكاس (وهم الوهم) هذه تشير بوضوح إلى مؤثرات تقنية و فكرية مبكرة مارسها عليه الفنان الاسباني بلاسكِس Velazquez من القرن السابع عشر الذهبي و الهولندي فيرمر Vermeer و أعماله المخصصة للفضاء المنزلي الداخلي حيث يشدد على حضور النوافذ و زجاجها في الطرف الذي يلج منه النور.

يبدو أن لحظة العبور التي يوقف فيها دالي مشهده ستطول لأنها مساحة تأملٍ تسترخي في الزمن و تستغرق فيه عند حافة النافذة، و كأنّ بغية الفنان خلق محض انتظارٍ لتسكن أنثاه إليه لا أكثر.

بتسليط الضوء نحو عمل آخر من نفس المرحلة تقريباً، يمكن القول بأن "امرأتان تركضان على الشاطئ" كانتا قد تحررتا من برازخ الانتقال المفترضة و انعتقتا في نطاق الرسم بحيوية و طاقة مبهرة.

ضمن مناخ ما بعد الحرب العالمية الأولى و الندب التي لازالت آثارها حاضرة حينذاك وصل فنانو "الطليعة التاريخية" إلى الشعور بأعراض أزمة حادة بفعل عدم الانسجام مع الواقع و احساسهم "المضاد للشعر" و التماسهم "موت الفن" أو في أحسن الأحوال حكمهم ب "انحلاله".

تولد لدى البعض منهم ضرورة إعادة النظر في علاقة الفن مع العالم الخارجي وفي كثير من المواقف المتطرفة المعارضة للرؤية الموضوعية للواقع، و ضرورة خلق كيانات فنية توائم بين هذه الرؤية و الأسلوب الذاتي دون أن تلغيه.

بتعبير آخر محاولة استعادة التقليد الكلاسي دون نسيان انجازات الطليعة و نقاط علامها. و هنا الحديث يجري بمنأى عن الإشارة لانتاجاتٍ تلفيقيةٍ.

رسم بابلو بيكاسو(8118-1973) لوحة "امرأتان تركضان على الشاطئ" في باريس عام 1922 معبراً عن تغيرات تلك الفترة و مترجماً واحدة من مراحل بحثه و شغفه المحموم الذي عُرف به طوال حياته.

في العمل الفني الآنف الذكر البحر و السماء يفيضان بسخاء مساحةً و لوناً في الخلفية، رغم أن التصوير البشري و انفعاله يشغل و يتصدر موضوع التركيب بامتياز.

امرأتان تركضان على الشاطئ (بابلو بيكاسو)

النور يغمر الرسم بلا تردد و يضيء كلّ أبعاده و يتجاوز تأثيره حدود اللوحة مبشراً بفرح حالةٍ انسانية وولهِ امرأتين أطلقتا العنان لنفسيهما، و هاهما تشقان الفضاء بجسدٍ زاخر يُذكِر بالنصب الإغريقية.

صاغ بيكاسو في عمله مفردات لغة فنية كلاسية إلا أن المؤثرات المضادة لهذه الكلاسية فعلت فعلها بقصدية جمالية.

مثلاً هناك اهمال لأهمية المنظور بالإضافة لغياب الظل رغم أن الأمر يخص جسدين أنثويين مترعين بالحجم و يتمتعان ببنيةٍ قويةٍ، و مع ذلك فإن رهافة الحركة و أناقتها لهاتين الشابتين، و هما تعلنان الحضور أمام الخلفية الزرقاء، يولد الإحساس بانعدام الوزن كأنهما تطفوان مع الغيوم المهرولة رغم قوة الجاذبية.

هكذا يُخيّل أن الفنان خلق برهةً حيةً لشخوصه و رسم لهم جدليتها المتدفقة.

لا بد أن سيالة البهجة و انفعالات التضامن التي تشعّ من الفتاتين و جسدهما المنتشي و المتفتح في كلّ جهات فضاء الرسم، و كأن الدنيا لا تتسع لهما، يدفع للإفتراض بامكانية التناغمٍ و التوافق مع الحياة. و ليمت الموت و كم هو جميل العيش؟!.

ربما تبدو هنا إحدى نقاط التعارض بين هذا العمل الفني الذي يتخذ التشكيل الإنساني الإنثوي موضوعاً له و النظرة السلبية و نفي الفن التي كانت سائدة في كثير من الأواسط الثقافية الفنية و النقدية في تلك السنوات.

من جهة أخرى و دون الإبتعاد عن نفس خط الموضوع، أنهى الفنان الألماني ماكس بيكمان (1884-1950) في برلين عام 1939 لوحته "غوابي بالقميص الوردي"، و التي كان قد بدأها عام 1932.

غوابي بالقميص الوردي (ماكس بيكمان)

مع أن بيكمان عُرف برسام التعبيرية الألمانية إلا أنه عمل في أغلب مراحل انتاجه الفني بشكلٍ مستقل، حتى يمكن القول أنه كان متفردأ و وحدانياً بتعبيريته و بتطويره لأسلوبٍ ذاتي في تصوير الأشخاص.

فيما بين الحربين العالميتين و مع صعود الحزب النازي إلى المسرح التاريخي و اعتباراً من عام 1923 جرى الحديث في المانيا عن "الموضوعية الجديدة" أو "الواقعية الجديدة" كمولود شرعي للتعبيرية رغم الاختلاف البيّن بينهما على مستوى التوجه الفني.

فالتعبيرية أكدت على عقم اعتماد الفن على الواقع بينما الموضوعية الجديدة هي بحث جمالي في خصوبة الصلة بينهما.

لمنهج "الواقعية الجديدة" الفني كرس بيكمان اهتمامه و رسم سلسلة من اللوحات تعتمد حياة المدينة الحديثة موضوعاً لها لإعلان نقده الإجتماعي و السياسي بلغة مترعة بالسخط و الإدانة.

في عام 1937 صنّف من قبل السلطة الثقافية النازية ضمن مجموعة الفنانين التي تمثل "الفن المنحط" فاختار المنفى على المانيا.

تجلت خطوطه و ألوانه مثقلة بالوحشة، عنيفة في دراميتها، قاتمة و صارخة في تشاؤمها، حتى أن أعماله بمجملها تبدو كشواهد لوطأة الظرف الكابوسي المريع الذي كانت تستنشقه أوربا في تلك المرحلة.

"غوابي بالقميص الوردي" هي لوحة دقائق الهدوء المتناثرة و المقتنصة في زمن الهلع و تشوه الجميل. و كأن أصداء صرخة الرعب انحسرت لبرهة فشرد الفنان في وهلة من أمل أمام حضور الحبيبة.

غوابي هي الزوجة الثانية لماكس بيكمان، تعلن في الرسم جمالها الذاتي. تجلس في مقعدها الوثير جذعها الطويل يجد مستقرّه في وضعية المجابهة لمن يتطلع إليها، بينما عينيها المرسومتين باتساع تشردان و تستغرقان في عمق ما. كماهي هنا قريبة جداً هي أيضاً هناك بعيدة المنال.

وضوح ذهني تتمثله نظرة العينين، رفعة في سمو العنق، شفافية لامتناهية في استطالة أصابع اليدين و ظلال سخرية راقية تتكئ على ابتسامة الشفتين.

مزيج من الصفاء و الابهام، من البوح و التحفظ تلسع بها الحبيبة ريشة الفنان، فيتقشف التشكيل و ترهف خطوط الرسم متواصلة بلا انقطاع و ينتعش اللون بالحياة. و في المجمل يلوح في العمل احساس كلاسي بالتوازن و القوة.

في لوحته رسم بيكمان غوابي و هي تدخن سيجارة كإحالةٍ رمزية لتحرر المرأة الحديثة و استقلالية شخصيتها خلال عقد الثلاثينات من القرن الماضي.

أمام خلفية متناقضة اللون تعرض غوابي بثقة تقاسيم جسدها، شهوانية أساريرها للناظر إلا أنها تحتفظ بتلك المسحة الخفية الملتبسة لروحها والتي تجعاها سيدة نفسها.

لعل واحة جمال الحبيبة هي ما كان يوازن صلة بيكمان المتشظية مع العالم و لعله أطال زمن الانتهاء من رسمها لإنه لم يكتفي من الارتشاف من عذوبتها، كما فاوست من نهل نسغ مسرة الحياة.

عبوراً إلى ضفة الأطلسي الغربية كان الفنان الأميركي ادوارد هوبر (1882-1967) قد استقر بشكلٍ دائم في نيويورك عام 1910 بعد سلسلة من الأسفار إلى القارة الأروربية ليتواجد قريباً من تيارات الحداثة هناك.

شكلت أعماله الفنية على تقطعها و قلتها نسبياً نقطة تحول هامة في تاريخ الواقعية الأميركية، فمنذ عودته إلى الولايات المتحدة أدرك هوبر بأن عليه أن يطور أسلوبه الفني الخاص و ينجز رسماً يحمل السمات الفارقة لمجتمعه و لذلك فإن كل ما هو أميركي يتجذر في تصاويره أجمع.

مواضيعه تركز على فضاء الحاضرة الضخمة رغم أنه صوّر العديد من المناظر في الهواء الطلق.

تقودنا رسومه عبر شوارع مهجورة في المدينة المعاصرة. و من الأماكن العامة التي يقدمها نلج بارات ليلية منطوية، نتلصص إلى غرف فنادق كئيبة، نشاهد صالات مسارح شبه خاوية ، نتطلع إلى مكاتب باردة، نبصر محطات قطارات مشلولة، نعرج على استراحات طرق منعزلة، و نحط الرحال في نزل موحشة و نمر بمنازل متباعدة خامدة.

بسط هوبر الواقع الذي قدمه إلى حدودٍ قصوى و عرضه في حلقات مشهدية مشتتة و عالجه بعين سينمائية مؤطراً إياه بوجهة نظر ذاتية.

استطاع إلتقاط و تصوير جوهر العزلة المطلقة للكائن البشري في مناخات الإستلاب و اغتراب الفرد. ولذلك و كما يقال فإن انتاجاته الفنية تقرب للمشاهد ما تعنيه "أميركا الاكتآب الكبير" أو مفهوم "أزمة الحياة المعاصرة".

رأى في المدينة الحديثة شوطاً كارثياً في مسار الإنسان حيث يفقد الزمن صداه و تتقطع قنوات التواصل البشرية في دوامة الزحام و التهافت إلى الفراغ.

تبدو شخوصه منومة، هائمة بلا ذاكرة، مثقلة بالصمت، وحيدة أو غريبة ضمن المجاميع في محيطها المغلق أو الرحب الواسع.

يعتبر عمل ادوارد هوبر المعنون "غرفة فندق" (1931) واحد من أعماله المشهدية والتي تحمل الخصائص التقنية والمنهجية التي ميّزت أسلوبه إضافة إلى تأثيرات بعيدة المدى تعود للفنان ديغا.

غرفة فندق (ادوارد هوبر)

أسس هوبر مناخاً لحجرةٍ محاصرة بعزلة تامة معتمداً تركيباً هندسياً بسيطاً و مساحات لونية مسطحة. استعار من العناصر المعمارية خطوطاً عموديةً و أفقية و منحرفة كي يشيد الجدران و الزوايا و يعلّم الأغراض و الأثاث فوق قماش الرسم، و ركّز التناقض بين النور و الظل خالقاً في اللوحة ركناً مقفلاً موحشاً و احساساً بالانقباض. و لهذا الخواء النافذ الذي رسمه اختار الفنان شخص امرأة كي يشغله.

في واقعية "غرفة فندق" المعاني تتولد من الدلالات و احالاتها الرمزية:

- الفندق و معنى اللااستقرار و اللامسكن

- النافذة و العالم الخارجي.

- الحقائب و مجاز السفر و الرحيل.

- الكتاب و احتمال التواصل مع الفكرة و ربما مع واقع آخر.

- المرأة المنعزلة في داخلٍ غير معين و لا يحمل أية ملامح شخصية.

الفتاة لن تمكث طويلاً فالحقائب مغلقة و جاهزة لاستئناف الرحلة. إنها تمضي بضعاً من الوقت في القراءة قبل أن تأوي للفراش.

و لكن هل هي تقرأ حقاً؟ً.

يخيل بأن انحناء الظهر و استرخاء الكتفين بثقالة يحيلان لامكانية القول بأن نزيلة الفندق الوحدانية تشرد بعيداً عن الكلمات وكأنها تستغرق في عالمها الجواني.

وجهها محاصر بالظل و تعابيرها مختفية في شحوب كالح و عتمة داخليين رغم الضوء الذي ينير الجدران بالبياض الناصع.

جسدها الانثوي متحرر من الاستعارات الجاهزة إلا أنه حيادي و هامشي المعنى و باهت الحماس.

مع هوبر حتى المرأة / الفرد تعرى من احتمالية اللقاء و التواصل مع الحياة و العالم في قوقعة الكآبة المعاصرة. الغياب يثقل كاهلها وحتمية الاستيقاظ في حجرة مجهولة يجردها من بقايا إلفة ما.

في حقيقة الأمر، إن أعمال ادوارد هوبر الفنية لاقت مصير شخوصه التي رسمها في لوحاته فبقيت معزولة عن الاعتراف بأهميتها أمام التيار التجريدي الجارف في النصف الأول من القرن العشرين و لم يحتفى بانتاجه فعلياً إلا في المراحل المتقدمة من عمره و بعد وفاته.

كأي فن مبدع، عبّر عن سيرورة لحظته التاريخية، مارس ادوارد هوبر الواقعي تأثيراً واضحاً على فن الفترات اللاحقة عليه، لاسيما على البوب آرت.

في عام (1963) قدم الفنان الأميركي روي ليشتينستين (1923-1997) للجمهور لوحته "امرأة في الحمّام".

لا يخفى للمشاهد أن هذا العمل الفني ينبئ بمناخ سرور و طمئنينة لمرأة جذابة تحتفي بطقس الاستحمام بسعادة غامرة لا تعرف للهم معنى.

امرأة في الحمام (روي ليشتينستين)

من الواضح أن ليشتينستين يعتبر واحد من أبرز ممثلي تظاهرة البوب آرت التي ثوّرت طبيعة العلاقة مع الفن خلال عقد الستينات.

بدايةً ولج البوب آرت المشهد الفني كردة فعلٍ مضادة لتيار التعبيرية التجريدية الذي أعتبر خاويأً و نخبوياً و بعيداً عن الواقع الإجتماعي.

مع البوب آرت الحياة هي مصنع عظيم يضخ السوق بالسلع التجارية و أعمال الفن و يجعلها معروفة و في متناول الجميع و مستهلكة بأقصى سرعة، فعجلة الإنتاج تدور و تدور، لا تتوقف و لاتنتظر.

مصادر فن البوب تنهل من لحظات آنية و عابرة في الواقع اليومي و من ثقافة الجماهير العريضة في عالم الرفاه اللبيرالي و المجتمع الصناعي المتفوق و الإستهلاك المنتصر بلا جدال و التقنية في خدمة الجميع و الوجبات السريعة و الدعاية و الإعلان و وسائل الإعلام و الإتصالات و تصميم الملصقات و الصحافة القصصية المسلسلة و المصورة.

سرعان ما اكتشف ليشتينستين السلطة التي تمارسها الصور البسيطة الموجهة لمخاطبة القطاعات الشعبية الواسعة في حياتها اليومية. كما لاحظ القوة التي تتمتع بها في التأثير على الكتل البشرية رغم أنها تقدم العواطف و الصراعات على نحو ميلودرامي.

في لوحته "امرأة في الحمّام"، ليشتينستين ينقل حرفياً إحدى الاعلانات الدعائية الرخيصة المنشورة في جريدة يومية فوق قماش الرسم محاولاً إعادة خلق اللغة البصرية للإعلان كي يحوله و يسمو به إلى مدارك العمل الفني المبدع.

يعمل على تضخيم الصورة التجارية المنقولة من الصحيفة إلى حجم ملفت للإنتباه موسعاً حدود الموضوع المعالج و مفسحاً لمرأة الإعلان حضوراً أعظمياًً على طول المساحة التصويرية.

يستخدم طريقة التنقيط Benday dots المتعارف عليها في طباعة الصور الضوئية في الصحف و المجلات كما يستعمل لونين أساسين فقط هما الأحمر و الأزرق فوق الخلفية البيضاء للوحة.

في حالة "امرأة في الحمّام" لا و جود فيزيائي للموديل البشري الأنثوي في الواقع و قد استعيض عنه باستخدام صورة إمرأة الإعلان التجاري لماركة صابون أو شامبو ما.

تتركز الأهمية في الرسم على سطحية الموضوع و تقنية معالجته، بينما يترك التعبير إلى المقام الثاني و لا يؤخذ بالحسبان أي من قيم الذوق الفني المتعارف عليها.

خلال كل مراحل انتاج "امرأة في الحمّام" حافظ روي ليشتينستين على أسلوبٍ عارٍ من الانفعال الذاتي. أسلوب لاشخصي وآلي لا أثر فيه لريشةٍ أو لرجفة يدٍ في أي من المواضع و لا حتى لروح تشي بشكٍ ما. يبدو أن ما يهمه هو التحميل البصري القوي الجاذبية لمنتَجه لا أكثر.

يتولد لدى المشاهد / المستهلك احساس بالغرابة أمام اللغة الفنية لصورة امرأة مألوفة يعرفها تمام المعرفة في الإعلان و تعرض عليه الأن كعمل فني، و من جانب آخرى ينجذب لعملية انتزاع المرأة من سياقها السوقي التجاري و إدماجها في الواقع الفني.

لا بد أن امرأة الدعاية كانت تشير إلى متعة القبول المطلقة بالمنتَج المعلن عنه و من المحتمل أن امرأة الحمّام المرسومة في لوحة ليشتينستين توعز إلى ما يمكن تسميته تجاوزاً "جماليات الرضوخ" في الحياة المعاصرة.

كما تمت الإشارة أنجزت اللوحات السابق ذكرها في القرن العشرين بأيدِ فنانين رجال و شغلنَها نساء مجتمع غربي، أو بتعبير آخر شغلتها امرأة واحدة سردت في الرسم حكايتها و تقلبات زمان مجتمعها في الآن الذي عرضت فيه تقاطيع روحها و جسدها.

 

أثير محمد علي


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri