حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

المتنبي في باريس

حلم رافق حياته كلها، منذ أن بدأ اهتمامه الأدبي، حتى ظن، في بعض الأوقات، أنه يستطيع على الأقل، كتابة هذا الحلم او مادة روائية او غير ذلك، كان يفضل كتابته سيناريو، ولكن الحلم صار حلمين، الأول هو حلمه بأن يصير كاتباً، وهو لم يكتب ولم ينشر في حياته غير حلول التسليات والمتابعات البسيطة لبعض ما ينشر في الصحف، وكان يظن ان كفاءته الادبية حاضرة دائماً، ومدخرة لوقت الحاجة، وما عليه الا ان يتناول القلم حتى تنهمر النصوص مثل المطر، ولكنه لم يتناوله.
أما الحلم الثاني الذي شغل باله، ومازال يشغله، فهو دعوة المتنبي الى زيارة باريس، واصطحابه في جولة الى المتاحف ومكاتب الكومبيوتر والبنايات الشامخة والمخازن الضخمة وأبوابها الزجاجية الدوارة، والجلوس معه أمام التلفزيون، وملاحظة ما ينطبع على وجهه من الفجاءة والتعجب، حتى أنه، احتراماً لأبي الطيب، كان يخفي مشاعره وهو يرى المتنبي العظيم مبهوراً لا يكاد يصدق مايراه، ويتردد في صعود السلالم الكهربائية، وينشغل تماماً بهذه الحياة العجيبة، فيؤخذ صاحبنا بدهشة المتنبي ويغيب عن باله أن يسأله عن رأيه في شوقي والجواهري وبدوي الجبل، وحال الشعر الحديث وقصيدة النثر.
-إلى أين تذهب بي ياسعيد؟
-أريد أن أريك شيئاً من ملامح الدنيا الجديدة، هذه مقهى الـ (دوماكو) حيث يلتقي أدباء أيامنا الكبار، ويتناقشون في أمور الدنيا.
-المقهى جميل، ولكن الندل مستعجلون، أيكون الأدباء كذلك؟
-كلنا في هذه الأيام يريد اللحاق...
-بمن؟
-ربما بك أو ببودلير أ وشكسبير.
-تريدون اللحاق بمن تقدم؟
-ألم تكن تريد اللحاق بمن تقدمك من الانبياء؟
-أنا؟ كلا، كنت ابن زماني، لم ألحق أحداً.
يتردد أبو الطيب قليلاً ويلقي بيده على كتفي الأيمن ويرسل قدمه إلى عتبة في البساط الكهربائي بحذر وما إن يتوازن حتى تبدو على وجهه ابتسامة ناعمة وارتياح.
-رائع عالمكم هذا، أين نحن الآن؟
-نحن متجهان الى مكتبة فرانسوا ميتيران.
-ومن هذا الميتيران؟
-هذا كان رئيساً لجمهورية فرنسا في أوخر القرن العشرين الميلادي.
-شاعر؟
-لا، ليس شاعراً، ولكنه مثقف، وعلى كال حال هذا غير مهم، ولكن المهم هو ما نحن فيه.
-ما هو؟
-يا أبا الطيب نحن نستقل قطاراً لا يقوده سائق.
- من يقوده إذن، الملائكة؟
-شيء من ذلك، أعني ملائكة هذا الزمان، الكومبيوتر.
-إخرج بي من هذا المكان، أنا لم أفلح مع البشر، ولا علاقة لي بالملائكة.
-ولكنهم في خدمتك، ألست نبياً؟
-بلى، ولكن بدون ملائكة.
في الطريق الى معهد العالم العربي، كان أبو الطيب يعتمر الكوفية العراقية، وأنا الى جانبه في السترة والبنطلون، لم يكن ذلك مثيراً للمارة الذين ألفوا صنوفاً من أزياء العرب المتناسقة والمتنافرة التي تمر في طريق هذا المعهد العربي.
ورغم أنني أشعرت المسؤولين في المعهد بنيتنا زيارته، فلم يكن هناك أي مسؤول لاستقبال شاعر الامة التاريخي ورمز ثقافتها، ولم يكن هناك لا إعلان ولا برنامج للاحتفاء به.
جلسنا في مقهى المعهد وتناولنا القهوة وحيدين، وكان من حسن الصدف أن يمر الصديق فاروق مردم بك، فيرانا جالسين كالسياح الذين يرتادون المعهد يوم الاثنين، فأنس بنا وتبسط بالحديث، واعتذر بأننا وصلنا يوم الاثنين وهو يوم عطلة المعهد.
قال أبو الطيب:
-ألا تضيقون بهذه العلب الزجاجية؟ لماذا لاتزرعون نباتات وأشجاراً، إنها تفتح النفس؟
قال فاروق:
-لسنا في شعب بوان يا أبا الطيب.
-أرأيت شعب بوان؟
وكيف لي أن أراه وبيني وبينه ألف عام؟
-لو رأيته لأمرت بإنشاء مثله.
-وأنى لي ذلك وانت تقول:
أبوكم آدم سن الخطايا وعلمكم مفارقة الجنان
-وأنتم ماذا تفعلون في هذا المعهد؟
-نعرف الافرنج بثقافتنا العربية.
-بها نبطي من أهل السواد يعلم أنساب أهل الفلا
-لست نبطياً يا أبا الطيب، أنا من بلاد الشام.
-أكرم وانعم، لي في بلادكم مآثر لاتمحى، وددت لو حملتموني الى حلب.
قلت معقباً:
-نفيت عنك العلا والظرف والأدبا وإن خلقت لها إن لم تزر حلبا
-إي والله، من القائل؟
-شاعر من زماننا يدعى الأخطل الصغير.
هذا ليس صغيراً، غيروا كنيته.
قال فاروق:
-يا أبا الطيب هل لك ان تلتقي ببعض شعراء زماننا من العرب والافرنج؟ سنهيء لك لقاءاً بهم إذا رغبت.
-وماذا عسى أن أرى وأسمع.
وكل ما قد خلق الله وما لم يخلق محتقر في همتي كشعرة في مفرقي
في الطريق إلى بيتي حيث دعوت أبا الطيب الى ضيافتي المتواضعة في ضاحية تتبع الحزام الأحمر المحيط بباريس، وهو حزام برعاية شيوعيي فرنسا: قال لي أبو الطيب:
-ماذا تقصد بالشيوعيين؟
-فئة سياسية تريد أن تبني مجتمعاً على الحرية والعدالة.
-وما الذي تفعله أنت؟
-أخط وأرسم وأكتب أشعاراً.
-أن تخط وترسم، هذا من شأنك، وأن تكتب الشعر تذكر قول الحطيئة الكبير:
الشعر صعب وطويل سلمه إذا ارتقى فيه الذي لايعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه يريد أن يعربه فيعجمه
أخذت أبا الطيب الى السينما، قلت له هذا فن لم يكن موجوداً في زمانكم، تعال وشاهده فقد يسرك، قال: هلم بنا، فكل ما أراه جديد علي.
وكان من سوء الحظ ان أخذته الى فلم (Orient Xpress)، فما لبث ان هتف بي:
-اخرج، لعنة الله عليكم وعلى أفلامكم وحضارتكم، خذني الى سان ميشيل فقد راق لي ما يفعله الناس على طبيعتهم.
صمت تام لزم أبا الطيب ونحن نطوف في أرجاء مخزن (Galerie Lafayette)، أحد اكبر مخازن باريس، لم يأنس بما رأى، لم يتوقف إلا عند جناح العطور وجناح القرطاسية حيث اقتنى شيئاً مما فيهما.
وإذ فاجأني الأمر، قلت له:
-أهذا للفتاة التي صحبتك في الفلاة؟
صحبتني على الفلاة فتاة عادة اللوم عندها التبديل
-قاتلك الله، ألا تكف عن الفضول!
أراد أبو الطيب أن نعود في يوم آخر الى متحف اللوفر ليستكمل زيارته لهذا المتحف الذي أخذ بألبابه، ولم يخف ضيقه بالمثلث الزجاجي الذي أضيف إلى المبنى التاريخي وإن لم يكن رأه فيما سبق، ولكن رهافته وحسه الجمالي جعله يحس بأن هذا غير ذاك، وأن هناك خللاً في التوازن الفني بين الاثنين.
-يا أبا الطيب، تعال نتمشى قليلاً في أجمل شوارع الدنيا في أيامنا.
-هلم بنا.
-هذا الشارع الفاتن يسمى (الشانزيليزيه).
-وما معنى هذه التسمية؟
-تعني حقول الاليزيه.
-وما معنى هذه الكلمة الأعجمية؟
-رفقاً بي يا أبا الطيب، فلست ضليعاً لا في التاريخ ولا في دلالة الكلمات.
-كان مواطنك الخليل بن احمد الفراهيدي يتقصى دلالة الكلمات، وينطلق من جذورها.
-ولكن هذه لغة أخرى، ذات شروط مختلفة.
-أنت على حق، ولكن يحسن بنا الاحاطة بما نحن بصدده.
-لماذا لا تتمتع الآن بما ترى؟
-المعنى ياسعيد يزيد المتعة.
-أتعلم منك يا أبا الطيب ولكن زماننا يأتي بكثير من الأمور بلا معنى.
-ما هذا؟
- هذه بداية شارع جورج الخامس، ملك بريطانيا القديم، ونحن بالقرب من مقهى ومطعم (فوكيت)، أشهر مواقع الشانزيليزيه.
-جميل وباهر، ولكن أشجاره لاتشبه أشجار شعب بوان.
-طبعاً، فنحن في أمة اخرى، وزمن آخر.
قعدنا في مقهى (جورج سانك، أي جورج الخامس) ورحنا نتطلع إلى المارة يروحون ويجيئون بأزياء متنوعة وفق مودة هذه الأيام، بنطلون جينز، قميص قصير بلا اكمام يظهر السرة ويوحي بما قبلها وبعدها، وأبو الطيب انصرف عني واستغرق بالنظر الى ما يجري خلف الزجاج.
-كيف رأيت هذا المكان يا أبا الطيب؟
-لعنة الله عليك، لماذا حرمتني من هذا المكان وحشرتني في المنطقة الثالثة عشرة، حولني الى هنا.
-هذا شعب (بوان)ـنا يا أبا الطيب.
-يقول بشعب بوان حصاني أعن هذا يسار الى الطعان
أبوكم آدم سن الخطايا وعلمكم مفارقة الجنان
-يا أبا الطيب، كنت بعثت إليك ببطاقة منذ زمن، هل وصلت إليك؟
-بطاقة؟ كلا لم تصل، ماذا قلت فيها؟
-ثلاثة أبيات من الشعر.
-قلها.
قلت:
أعد نظراً بما أبقيت فينا من الغرر المحجلة المعاني
فلسنا اهلها وكفاك منا منى في أن نسير الطعان
وطب نفساً فإنك من زمان رحيمٍ كان آخرة الزمان
أخذت أبا الطيب إلى مرسمي القريب من هذا المكان، ورأيته عدداً من لوحاتي التي تتضمن أشعاراً له.
تأملها وتبسم، ولم يقل شيئاً.
خرجت به الى مطعم صيني يقابل مرسمي، أرضيته زجاج، تجري من تحتها ماء تسبح فيها أصناف من الأسماك، وتومض في سقفه نجوم على فضاء ازرق، توقف عند المدخل يتأمل قبل أن يخطو، قال:
-بلقيس! وهذه أرض سليمان!
ثم رفع أطراف ثوبه ومشى الى مائدتنا.
-بماذا يعجبك أن تبدأ غداءك؟
-بقصيدة من شعر هؤلاء القوم.
-من يدري إن كان بينهم شعراء.
-ألا تعرفون شعراءكم؟
في طريقنا إلى مخزن (فناك) الذي يختزل الدنيا وما فيها على أقراص مدمجة، توقفنا عند كشك من أكشاك الصحف، تناولت منه صحيفة عربية، تصفحتها، وإذا فيها:
(يؤمل أن يكون مالئ الدنيا وشاغل الناس، المتنبي العظيم، قد وصل باريس في زيارة خاطفة يعقد خلالها أمسية شعرية في معهد العالم العربي، والدعوة عامة للجميع).
أقيمت الأمسية، لم يكن في القاعة غير عدد قليل من هواة التغيير، أغلبهم من الفرنسيين، حتى مسؤولو المعهد لم يحضروا!

 

محمد سعيد الصكار
شاعر عراقي مقيم في باريس
*تخطيط أولي لمشروع أوسع


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri