
مقتطفات
من يوميات ستيفن سبيندر
ستيفن سبيندر
شاعر إنجليزي شهير ولد في لندن عام .1909 وتلقي تعليمه
بجامعة أوكسفورد حيت التقي الشاعر و.ه. اودين.. ولم
يكمل سبندر تعليمه الجامعي وتركه مهاجرا إلي برلين.
وقد نشرت أولي قصائده في عام 1933 . كما انضم إلي الحزب
الشيوعي، وشارك إلي الحرب الأهلية الاسبانية في عام
1937 حيث طلب منه رئيس الحزب الشيوعي أن يسافر إلي هناك
لأن الحركة بحاجة إلي شاعر مثل 'بيرون'!
من أهم دواوينه (نهاية الوجود)، (عناصر ابداعية)، (علاقات
حب وكراهية).. وغيرها . وقد توفي سبندر عام 1995
وننشر هنا مقطفات من يومياته
سوف أكتب يومياتي
لأنني لا أقبل ان تزاحمني الأفكار طوال الوقت بدرجة
تجعلني مشتتا ولا أستطيع الكتابة، قرأت اليوم خبرا في
الصحف عن seymour Hicks حيث طلب من أوسكار وايلد
أن يكتب مسرحية، فلما قال له وايلد 'سوف اكتب مسرحية
رائعة حقا'، ادركت أن وايلد لن يكتب ثانية.
أشعر كأني لن
استطيع الكتابة ثانية، تتكسر الكلمات كعصي في ذهني وأنا
أحاول وضعها علي الورق حتي أنني لا أستطيع أن اتهجي
بعضها أحيانا والعبارات تغطيها أوراق الشجر حتي أنني
لا استطيع أن أتبين بوضوح أين الفرع الذي يحمل المعني
الأخضر.
وعدد مثل هذه اللحظات يتكسر العالم أمامي كما تتكسر
الكلمات وتتكسر حياتي معها.
إن أفضل شيء هو ان تكتب أي شيء يزاحم عقلك حتي يأتي
يوم إبداعي هاديء والمهم ان تكون صبورا وأن تتذكر دائما
أن لا شيء تكون له الكلمة الأخيرة وأن أفضل شيء هو:
الانتظار.
***
أسرتي وانا في
العشرين فكرة الصداقة بمفهومها الذي كان سائدا في ألمانيا،
وكانت هذه الفكرة شديدة المثالية ولم يكن يشوبها أي
إحساس بالخجل أو العار كما كان الحال في انجلترا، لقد
كانت هذه الفكرة قريبة الشبه بفكرة الشاعر الامريكي
Nolt whitman عن الرفقة. اعترف الآن أني لا أقبلها في
ذلك الحين كما هي.
لقد كانت هذه الفكرة تقوم علي أن رجلين يشعران بالسعادة
في سفرهما معا، تنقلهما معا، وكونهما في صحبة كل منهما
للآخر ولقد عرف عن الألمان في ذلك الوقت ولعهم بالشذوذ
الجنسي وكان معروفا ان كثيرا منهم شاذ جنسيا، بيد أنه
من الأفضل أن أذكر هنا أنهم الألماني bisexual رغم
ان بعضهم كان يعادي المرأة عداء سافرا.
لقد كان مايبحث عنه الشاب الألماني الوسيم المنطلق هو
انعكاس صورته وصفاته سواء وجد ضالته في امراءة أو رجل
وكان ذلك جزءا من أسطورة انه يجب ان يكون 'مسافرا خفيفا'
دون أعباء أو مسئوليات اجتماعية تتقيده.
تجذنبي الحياة التي يعيش فيها الناس حياتهم الجنسية
بحرية ودون مواربة أو معاناة أو دفع ثمن لهذه الحياة
الجنسية، فالمرء يتعجب كيف يحدث ذلك! أعتقد ان في مثل
هذه الحالة تتساوي الأشياء جميعا علي مستوي واحد إذا
انهار احدها انهارت باقي الأشياء.
***
المجتمع
من السهل التأثير علي أفراد المجتمع الراقي وتراهم لايعبأون
بتكسير أو تحدي القواعد أو الإبحار ضد التيار، فالذي
لايستطيع ان يغير حياته الحميمة إلي حياة النميمة لايلعن
إلا المجتمع والذي يهتم اهتماما شديدا بموضوع يتحدث
حياته الحميمة إلي حياة النميمة لا يعلن الا المجتمع
والذي يهتم اهتماما شديدا بموضوع يتحدث فيه او ينسحب
من موضوع آخر لعزوفه عنه هو من وجهة نظر هذا المجتمع
الراقي شخص ممل غير مرغوب فيه. وكل الموضوعات كالموت
والدين والمرض لا يتحدثون عنها الا إذا اصابتهم ويحولونها
دائما الي موضوعات مسلية خفيفة والمجتمع يسعي دائما
لخلق نموذج امثل وهو ان يجلعنا جميعا ندور في فلك هذا
النموذج والمجتمع لا يرحم من لا يدور في هذه الدائرة
فانه قد ارس معاييره وقوانينه وغالبا ما يعادي هذا النموذج
الجدية ويركن الي السطحية والبهرجة حيث ان المظهر او
'العرض' هو الذي يهم كما ان هذا النوع من المجتمع يحارب
اي ميل الي ان يكون المرء 'ذاتيا' لا يدور في دائرة
المجتمع ولا يحب ان يظهر هذا العرض الذي يحرص عليه المتجمع.
وحديثا أثبت الشعراء في بلاد النثر ذواتهم وذلك عن طريق
خدعة ظريفة ماكرة، لقد تظاهروا بأنهم يحللون أوجه الحياة
المعاصرة بطريقتهم الرمزية ولما كان لابد من تصنيف ما
يكتبونه فقد كان 'النقد' هو الاسم الذي وصفوا به كتاباتهم
وكانوا بذلك يكتبون لأنفسهم كي يثبتوا مصداقية شعرهم،
فالنقد هو التحليل النثري للتحليل الشعري للحياة فهو
يشرح ماتعنيه الرموز والنقد الحديث يستطيع ذلك مع شراء
من أمثال Walter de la Mare أو w.H.Davies.
***
منذ ليلتين أصابتني
هلوسة غريبة، نوع من الفانتزيا، لم يكن ذلك حلما بالضبط،
لقد رأيتني أرقد في سرير في مستشفي فاقد الوعي بعد حادثة
كبيرة علي ما أعتقد ورأيتني نصف يقظ وكأنني محاصر داخل
سيارتي أو في سرير وعقلي ذاهل شارد ثم تخيلت انني في
سريري في البيت، كان ماحدث هذا قويا جدا مهيمنا علي
درجة أنني تمنيت أن يكون هذا قد حدث بالفعل وأصبح الذي
يحدث دائرة أدوار فيها وأنا أعلم ان لمثل هذه الهلوسة
أو الفانتزي مغزاها. فمنذ صغري وانا واع دائما بالزمن
من يطاردني من خلفي والموت يقترب من أمامي حتي خلت أنني
أعيش في المستقبل الآتي أكثر مما أعيش في الحاضر وكأن
ماكنت أعيشه ليس إلا ذكري لحياتي التي انتهت. يساورني
نفس الإحساس عندما أزور المعارض الفنية أو عندما اقرأ
عن أناس عاشوا في الماضي وادرك فجأة: هؤلاء الناس ماتوا
واندثرت صورهم وحكيت قصصهم وأجسادهم تحت الأرض وان ماتركوه
خلفهم كأعمالهم التاريخية ومنهم لازالوا يتلكأوون خلفهم
كرائحة. تتساءل الناس كثيرا عن معني التاريخ ولماذا
ندرسه واذكر أنني اثناء زيارة للمتحف القومي أدركت
بشكل واضح لا لبس فيه ان التاريخ ببساطة هو الطريقة
لمعرفة الأموات وكأنهم معاصرون لنا ومحاولة نسيان أنهم
قد ماتوا حقا. إنني اندهش حقا لخيال المؤرخ أكثر مما
أندهش لخيال الروائي أو الشاعر.
الآن تبدو حياتي
وكأنها ضائعة وهذا يعني ببساطة أنني لا أكتب وأنني أفكر
في الكتابة كنوع من الملكة التي ذبلت أو عضلة توقفت
عن الحركة وما يجعل الأمور أكثر سوءا هو أنني أعلم تمام
العلم ان هذه العضلة لم تكن قد وصلت بعد إلي درجة كبيرة
من الكفاءة. ولكن الأشياء التي تشغلني غير الكتابة تشغل
حيزا أكبر من حياتي وهذا ما يجعلني أشعر طول الوقت،
فحتي الشعراء النشطون مهما كانوا مخلصين لكتاباتهم لايستطيعون
ان يكتبوا الشعر طول حياتهم ولهذا السبب تمتليء حياتهم
بأشياء أخري، فكتابة الشعر هو أن ينشغل الشاعر ثلاثة
أرباع وقته في نوع من اللانشاط المحكم وهذا مايجعلني
أشعر أنه ربما كان من الأسهل ان أكون رساما أو مؤلفا
موسيقيا عن أن أكون شاعرا، فالرسامون يستطيعون ان يرسموا
معظم الوقت.
***
مغرم أنا برصد
وجهات النظر المختلفة لشخصين مختلفين عن شخص ثالث لأنني
أومن تماما أن شخصا ما لايستطيع ان يفهم شخصا آخر كل
الفهم، انه ينظر إليه من زاوية معينة ويريد أن يصل إلي
مركز الشخصية وهذا أمر عزيز المنال ، فوراء كل تفسير
لسلوك شخص ما توجد دائما كلمة 'لماذا؟.
***
ذهبنا لزيارة
أودن Auden فلم نجده بالبيت وقيل لنا انه يتنزه علي
شاطيء البحر، فذهبنا إلي هناك فلم نجده فعدنا إلي بيته
ورغم انه أودن معادي للهنود فإن بيته يذكرني بالكتاب
الهنود الذين التقيت بهم من قبل في الهند. فأرضية بيته
مزرية ودميمة وحيطان البيت كئيبة وعارية اي من صورة
رسمها له الرسام الإيطالي الشاب Giocondo الذي كان يرعي
شئون منزله وليس هناك إلا عدد قليل من الكراسي والطاولات
التي تتكوم عليها الكتب والمجلات والجرائد والمخطوطات
والرسائل دون أدني نظام أو ترتيب. وبما أني نفسي غير
مرتب فإنني لا أجد صعوبة في فهم ذلك الأمر ولكن فوضوية
حياة أودن تعكس لامبالاة للمظاهر الأمر الذي يجعلك تتصور
ان الذي يعيش في هذا المكان شخص أعمي.
فبإثناء صورة
أو صورتين رسمهما له أصدقاؤه فإن اودن لم يحلم ابدا
باقتناء شيء جميل، لقد عاش دائما كشخص يتمني دائما أن
يفر من الأشياء التي حوله.
بعد أن دخنت
ثلاث أو أربع سجائر من علبة أودن غضب وانفعل قائلا 'ليس
لدي تقريبا مثل انجلترا. فقلت: حسنا سوف أخرج واشتري
سجائر ولكن للأسف ليس معي ليرة. فنظر الي كأن إجابتي
غير دقيقة فقلت: كل ما معي هو جنيه واحد هل تعطيني ليرة
مقابل هذا الجنيه كي اشتري علبة سجائر لنفسي فقال :
دعني أري سعر الليرة اليوم وقام إلي الجريدة ونظر الي
معدلات تغيير العملات وقال: للأسف يا صديقي ان الجنية
لايكاد يساوي الليرة تماما. وخرجنا واشتريت علية سجائر.
وهذه الحادثة
تبدو لي نموذجا لإحدي تصرفات أودن العبثي وليس البخيل
ولو أنني قلت له: اسمع عندما كنت تقيمه في بيتي منذ
ستة أسابيع شربت كل الخمر التي كانت في بيتي، لوصلنا
إلي مهاترة كلامية لاطائل من ورائها لأنه كان سيقول
انه في 1945 ترك لنا أكثر من ثلاث عشرة زجاجة شمبانيا
وأننا شربنا هذه الشمبانيا. لقد شعرت أنه لو كان Christopher
Isherwood مكاني لصرخ في أودن: انته يا أخي من هذه العادات
السخيفة.
***
اقامت مجلة Encounter
حفلا علي شرف وليام فوكنر وفوكنر
يبدو كفلاحي أهل الجنوب ، انه يعي دوره تماما ويصر علي
انه ليس لديه أصدقاء في عالم الأدب وانه لايقرأ كتبا
بل يفلح الأرض ويعرف الناس في قريته بالمسيسي. كان عنيدا
غير متصالح في أدب وان كان عنده يبدو أكثر وضوحا. وعلي
كل حال فلم يحدث معنا شيء من ذلك النوع الذي حدث في
روما حيث قدمته مضيفته إلي بعض الكتاب الإيطاليين شارحه
له ماكتبوه من كتب ورد بأنه لم يقرأ لأي كاتب إيطالي
وربما كان سبب عدم حدوث نفس الشيء معنا هو إنني تجنبت
تقديم أي شخص علي انه كاتب.
كانت إجابات فوكنر عن الاسئلة مسطحة مباشرة أحيانا ولم
تكن مضيئة لنا. سأله أحد الامريكيين العاملين بالسفارة
الامريكية عن رأيه في اليابانيين فرد فوكنز: يحتاج المرء
أن يولد يابنيا كي يستطيع أن يقيم اليابانيين إنهم يتحدثون
الانجليزية ولكنها ليست الانجليزية. أنا لا أفهم اليابانيين.
'يبدو أننا لابد ان ننطق كلمات فوكنز بلهجة جنونية حتي
نحصل علي التأثير الكافي لكلماته.
***
كتابة الشعر كل
يوممن وجهة نظري كعدسة مكبرة تمر فوق حياتي الداخلية
وأنا اليوم أعرف ان هذه الحياة قد صارت إلي خمول وانا
لا اعتقد ان لدي خيال قوي نشيط لو كان عندي مثل هذه
الخيال لاستعملته دون رحمة دون ان أسمح لأي شخص ان يعترض
طريقي ولكني في نفس الوقت كلي ثقة من انه بالعمل
الذي لانهاية له يمكنني الوصول الي نتائج طيبة مرضية.
***
أخبرت أحد المساعدين
في متحف الفن الحديث بأنني قد فقدت كارت عضويتي، فسألني
اسمي وبدأ يكتب علي ورقة قرنفلية 'السيد سبنت'. فقلت
له : ليس هذا اسمي . فقال: ربما يبدو هذا مهما لك ولكني
أؤكد لك انهم بالذي كتب علي هذه الورقة سوف يسمحون لك
بالدخول.
***
زرت المتحف الاسلامي
الذي افتتح حديثا، فكان رائع، تحف وتصميمات وزخارف ومشاهد
من عالم ألف ليلة أحدها يصور اثنين وعشرن فتاة مصرية
غاية في الجمال وهن في شرف استقبال أميرين حيث يقمن
بنثر الورود أمامهما. ما أثار تعجبي الشديد هو أن هذه
الاعمال التي تصور حضارة حسية كانت تحيي في رفاهية تحتضنها
وتهتم بها دولة اسرائيل الاشتراكية الحديثة التي تحوطها
عدة أقاليم يحكمها شيوخ عرب يناصبونها العداء ويحاصرونها
عسكريا، هؤلاء الشيوخ العرب ينفقون بلايينهم التي يحصلون
عليها من البترول ليس علي الحرير المطرز بالذهب والخناجر
المزدانة بالجواهر واللوحات ولكن علي الطائرات والكاديلاك
ويتزيون كملوك المال في العالم بالأزياء الأوربية والأمريكية
التي يراها المرء في فاترينات المحلات في باريس ولندن
ونيويورك.
***
أشعر بالخجل من
نفسي عندما أشعر بتأكيد 'هويتي' عند قراءة اسمي مكتوبا
في الصحف ويحتوي قلبي إحساس صحفي: يقفز أو يدق فرحا
عندما تنجذب عيني نحو اسمي المطبوع في الصحيفة أو حتي
أي كلمة تشبه اسمي كتابة أو نطقا.
يعجبني حقا أولئك الناس الذين يكرهون الشهرة الذيوع
واتخيلهم في حدائق أكواخهم حيث الورود العتيقة الجميلة
وحيث تحوطهم أسوار حدائقهم ولاينزعون أبدا إلي أدني
درجة من ذيوع ما يفعلونه وأتصور أنهم لو وصل لهم طاقم
من مصوري ومعدي برامج التليفزيون لاجراء حوار أو اعداد
فيلم عنهم سيعتبرون ذلك فعلا فاضحا بكل المقاييس.
***
يقوم الشعر وربما
الفن عامة علي فكرة أن هناك 'حقيقة' أخري غير التي تحياها
المجتمع وهذه الحقيقة الأخري يتخيلها الشاعر في شعره
وهذه الحقيقة المتخيلة تسير حتما في موازاة مع حياة
الشاعر المجتمعية لأنه لابد وأن يعيش حياتين في نفس
الوقت: حياة المجتمع وحياة اخيال وربما تتقابل الحقيقتان
المتوازيتان في حالات قليلة كالحب مثلا أو في رحاب الطبيعة.
والحياة المجتمعية أحيانا ما تجود ببعض اللحظات التي
تستحق الاحتفال بها ك 'الواحات الزمنية' عند وردزورث
و'ومضات الرؤيا moments of vision والحب والرحلات الخلوية
عند توماس هاردي.
هناك نوع من انعكاس
الفكرة السابقة في حياة وأعمال بعض الشعراء كجورج هربرت
ووليم بليك إذ يبدو العالم المجتمعي المعاش في عيونهم
كأنه صورة باهتة شاحبة لأن العالم الذي يخلقه خيالهم
واضح كل الوضوح ولا يعدو العالم المعاش أن يكون مخزنا
كبيرا للاستعارات والصور والرموز من أجل وصف 'عالم النور'.
وكثيرا ما يبدو أن هؤلاء الشعراء يكتبون شعرا عن عالم
بديل يرونه شعرا: انه شعر عن شعر ولكن اذا كان الشعر
عالما ثانيا بديلا عن العالم المعاش فانهم يكتبون عن
عالم ثالث هو دينهم حيث يدخل الشعر إلي حقيقة متخيلة
لابطالها الشعر (الكنيسة مثلا تمثل هذه الحقيقة المتخيلة
في شعر جورج هربرت).
***
تعني كلمة الناس
بالنسبة لي امتدادا زمنيا طوله خمسون عاما علي الاقل
يقف عن نهايتها الاطفال وعن بدايتها يقف الشيوخ والعجائز
وبين البداية والنهاية يقف الشباب الذين لم يعودوا أطفالا
وفيما وراء البداية ينام الموتي الذين يشعر المرء تجاههم
بحميمية تتزايد مع الأيام. والمعاصرون للمرء هم الجوقة
الخاصة وطاقم الرحلات الذين سافروا كثيرا ولا يزالون
علي سفر ولكن عند أعلي نقطة وصلنا إليها يكون منا من
سقط فجأة ويكون منا من مرض أو نسي أو هرم أو مات ولكننا
نستمر في رحلتنا علي كل حال نذهب للحفلات ونعمل ونمزح
ونتقابل ونسافر ونشعر أننا نتمتع بالشباب مادمنا لم
نتذكر أننا قد بلغنا الكبر.
***
فكرت مرارا في
الشكل والموسيقي والشعر، يبدو لي الشكل كآلة طائرة تنطلق
وتتوقف ومصممة علي أن تغادر الأرض اذا ما أدير محركها
أما القوي المحركة لهذه الآلة فانها اللغة أو الصوت.
ان المؤلف الموسيقي أو الشاعر هو الطيار الذي بتشغيله
لهذه الآلة يستطيع أن يتحكم فيها وأساسا فان العلاقة
بين الفنان الشكل علاقة زواج وفي هذه العلاقة يقوم الفنان
بدور الذكر (هل يعود قلة عدد الفنانات أو الكاتبات الي
مدار التاريخ إلي ذلك؟)
سألني أحد طلابي
عن الخط الفاصل بين الشعر والنثر فقلت: لو أنك ذهبت
في نزهة وعند عودتك إلي البيت حاولت أن تصف أهم شيء
رأيته فيها بحيث يستطيع القاريء أن يري ما رأيته فإن
وصفك هذا وصف نثري لأن كلماتك التي استعملتها من الممكن
الاستغناء عنها بكلمات أخري تصف نفس الوصف أما اذا حاولت
أن تنقل هذه التجربة في كلمات تمكن قارئها من الدخول
إلي حالة تفرد تجربتك بحيث لايستطيع أن يستبدل بها كلمات
أخري فإنك تكون قد اقتربت من الشعر.
شعرت أن كلامي هذا لم يكن دقيقا لأنني سمعت همهمات تدل
علي عدم الفهم.
أخبار الأدب
ترجمة: شعبان مكاوي