
يا صموئيل
بيكيت..
إنها فعلاً
نهاية اللعبة
إنها المئوية
الأولى على ولادتك يا صموئيل بيكيت، فهل اختليت الآن
أيضاً بنفسك وبكيت، كما كنت تفعل في حياتك مع مرور كل
سنة على ولادتك؟
غودو لم يأتِ
بعد يا صموئيل، والأرجح أنّ أحداً لم يعد ينتظرهُ. الكل
بات يعرف أن لا شيء اسمه غودو، وأنّ اللاشيء لا يأتي.
وإذا كان أحد لا يزال، بعد، ينتظر اللاشيء، فهو بلا
شك ينتمي إلى الجنون. وجنونه عظيم جداً. ولكن إذا الجنون
تعاظم هل يمكنه خلق شيء من لا شيء؟ هل يمكن الجنون إحضار
غودو؟
وإنْ حضر غودو
يا صموئيل ماذا سيكون هذا الغائب الأبدي الذي انتظرناه
طويلاً؟ ما شكله، ما المختلف فيه عن الحاضرين؟ وماذا
قد يغيّر فينا، وفي العالم؟
كنتَ حقاً مجنوناً،
ونقلت إلينا عدوى جنونك. لكنّ جنونك البائس وصلت إلينا
عدواه أكثر بؤساً. فنحن، يا بيكيت، بالكاد نرى شبحاً
اسمه غودو. بالكاد نرى شبحاً، باسم أو بغير اسم، يمكن
أن يأتي. أنت رأيت شيئاً في جنونك، ونحن لا نرى شيئاً
حتى في وعينا.
كنت، كما نعتقد،
تبحث بقلق في كتاباتك عن شكل قادر على التعبير عن اللاشيء.
اللاشيء الذي اسمه غودو، الذي اسمه معنى الحياة. اللاشيء
الذي له أسماء كثيرة، وليس له أي حضور. وبلغت نهاية
اللعبة قبل حضور غودو وقبل حضور أي اسم. فالكتّاب، كما
قلت يا بيكيت، لا أخ لهم ويأتون من لا مكان. فكيف لمن
يأتي من لا مكان ولا أخوة له أن ينتظر أحداً؟ كيف لمن
لا مكان له أن يفسح مقعداً لأحد إنْ أتى؟ ولماذا يا
صموئيل، علمتنا ان نُجلس الغائبين على مقاعدنا، وليس
لنا مقاعد ولا أحد سيأتي؟
قلت ما قلت.
ولم يكن في إمكانك إلا أن تقول ما قلت. وقلت أيضاً أن
ليس لديك ما تقول سوى الرغبة في القول. ولكن هذه الرغبة
يا صموئيل، الرغبة التي هي ميراث أيضاً، لماذا لم تتخلَّ
عنها مثلما تخليت عن عشيقتك حين عرفت أنّ فيها نسلاً
منك، فارتديت قبعتك وحذاءك ومعطفك ورحلت؟ لماذا لم ترحل
عن رغبة القول أيضاً، مثلما رحلت عن صراخ المخاض، مثلما
ابتعدت عن إبقاء إرث؟ أليست الرغبة في القول جنيناً
فينا أيضاً، طفلاً لنا، وعلينا الرحيل، ربما، قبل أن
يولد؟
أم أنّ الكتابة
تبقى "اللا مسمى" ولا إرث لمن ليست له أسماء، أما الطفل
الحقيقي فيجب أن نسميه، ومن اسمه يكتسب إرثاً؟ أم أنّ
الكتابة ـ مثلها مثل غودو ـ لن تكون أبداً طفلاً حقيقياً؟
يا صموئيل بيكيت،
حين نتذكرك اليوم في المئوية الأولى لولادتك لا نتذكر
فقط غودو الذي لن يحضر، بل نتذكر كذلك أننا كلنا غائبون
أيضاً. ولا نتذكر اللعبة لأننا لم نلعبها، بل نتذكر
نهاية اللعبة لأننا دخلنا إلى المسرح وكانت اللعبة انتهت.
يا بيكيت، حلمتَ بغودو ولم يأت. ناديت اللامسمى ولا
اسم له حتى اليوم. استدعيت الأيام السعيدة وما نُفض
من خيالها حتى غبار. لكن اللعبة التي قلت إنها انتهت،
انتهت فعلاً.
انتهت لعبة الحضور،
ولعبة الحلم، ولعبة الوهم، ولعبة الجنون، ولعبة التغيير،
ولعبة السعادة، ولعبة السلام، ولعبة الحق، ولعبة الجمال،
ولعبة الخير، ولعبة اللعب...
يا صموئيل بيكيت انتهت كل الألعاب.
لم يعد في العالم
لعبة واحدة يلعب حتى المجانين بها.
فأية لعبة، بعد، نتوخى من العقلاء؟!
إنها نهاية اللعبة.
نهاية اللعبة، يا صموئيل بيكيت.
وديع سعادة / شاعر
من لبنان يقيم في أستراليا