حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

أناشيد المجنون
جمعة اللامـي

(يا ربّ إن ذنوبي قد أَحطْتَ بها

علماً وبي وبإعلاني وإسراري

أنا الموحّد لكني المقرّ بها

فهب ذنوبي لتوحيدي وإقراري

أبو الحسن أحمد بن فارس ابن زكريا بن حبيب الرازي)

قال الراوي: كادت الحمََّى أن تصرعني، وكان ذلك في ليلةٍ من ليالي النصف من شهر أيلول، فقلت لنفسي: لعل نزهة عند شاطىء الكرخة تطرد هذه الزائرة غير المرغوب فيها. وقبل أن أصل إلى مبتغاي، سمعت صوتاً إنسيَّاً يقول:

تشبه الفلاة الفلاةْ

فأين... مَن يشبه روحي؟

ولما دنوت قليلاً من صاحب الصوت، عرفت فيه المجنون. فما أعارني انتباهاً، واستمر يقول:

إذ الصحراء تصمت

لن تَري في الأفق ألا اسمك

في مرآة قلبي

في كل شقوق الأرض عطرك

في ضياء وعتمة كل المجرات

قرنفلة تتحدث العربية

أنت بوذا وماني وطائر العقل

أنت آخر الأسرار

وأنا آخر المجانين.

قال الراوي: وضعتُ كفيَّ على كتفي المجنون وقلت: ماذا دهاك؟ قال الراوي.. قال المجنون: طائف من الحمى ألمَّ بي لساعات، فكيف حالي وسقر فراشي؟ ثم نزل إلى ماء النهر، وأنشد يقول:

1 - المسبحة السكرى

أيقظنا الليل من غفوته

والنهار - بكلمة منك -

تحرّر من سطوة الشمس

لم يبق للربيع ورد يهديه للعشاق

لم يبق للشتاء مطر

ولا البحار استمرت في غموضها

لم يبق للخريف فضيلة الاغتسال بورق الاشجار

ولا للريح امتياز العواصف

لأنَّ ذراعكِ توسّدتْ كتفي

كتفي!

يا أنت.. يا كتفي

كيف استطعت احتمال هذا الحب؟

***

اسمي المعلّق في أعلى الثريّا

بل جسدي كله

يسقط - الآن -

مثل حبة رطب بصراوية

ليستقر بين شفتيك

تكفيني جلسة إلى منضدة

منضدة خشبية متواضعة

منضدة خشبية متواضعة مغطاة بشال كشميري

منضدة خشبية متواضعة مغطاة بشال كشميري في مطعم صيفي

منضدة خشبية تكاد تتنفس

لأنك نسيت فوقها مسبحتك

ذات مساء

***

عندما تَنْهدُّ كل جسور العالم

عندما يصيب العطب كل عبارات الأكوان

عندما لا يوجد حديد أو خشب

عندما تُبلى حتى عظام الأجداد

سأبني من أضلعي معبراً

تمرّين فوقه إلى حيث الذي تُحبّين

***

تحفّيْ وانثري شعرك

أو كوني كما ترغبين

وعندها سأتعلق بدشداشتك

كما يحتمي الحوار بضرع أمه.

غَدنا سنصنعه معاً

أنت في عزلتك

وأنا في منفاي

***

منذ خمس عشرة سنة

صافحتك.

منذ خمس عشرة سنة

نسيت كفي اليُمنى في باطن كفك اليُمنى

منذ خمس عشرة سنة

نسيت نفسي فيك.

2 - حجاب

- 1 -

لا مفرّ

هي إرادة الله، وليست ضربة

من قدر

نحن تفاحة الحياة

نصفها أنتِ

وما تبقى لي

يا حلم آخر العمر.

- 2 -

في بعض قلبي، حفنة تراب. أرسيتها جبالاً، وسويتها سهولاً وودياناً، وأجريتها غدراناً وأنهاراً وخلجاناً وبحاراً، وزرعتها نخلاً وسدراً وحناء ولباناً وشيئاً من عنب وتين وزيتون.

وفي شاردة من شأني، نظرت إلى فصّ محبس بُنصري الأيمن، فامتلأت بالطير والحيوان. وعندما اشتعل الفصّ انقاد إليّ الرعد، وتبعتني الرّيح. وخفضت أجنحتها الأمطار، وتفعّت بين مفارق أصابعي النار، بينما استوت وحدتي فردوساً ما بين عينيك.

حفنة تراب استوت قارة

هي مملكتك

وهي منفاي

فتعالي - إذن - إلى لطفي

لأنه أمرٌ من الله

وليس ضربة من قدر

يا ربات الشعر، وأنتن يا بنات نَعْش

ويا جبال هذي الأرض.

يا فرسان العرب، وأنتم يا حكماء العجم

وأنت أيها المبجل هوميروس.

يا بوابات بابل وأرباض أوروك وطيبة

وأنت يا نحيب جلجامش

ويا وحشة كربلاء.

أيها العماليق، وأنتم يا قتلى كل الحروب

ويا مخابيل الخليقة

يا كتائب الشعراء وكراديس الفنانين

وأنتِ أيتها الأحلام والبحار التي لم تكتشف بعد

أنت يا أراجون وجميل ومعمر

أنت يا شاتوبريان والخضر

اشهدوا لي جميعاً:

أن زينب منفاي وفردوسي

وأنِّي متيمها الأخير

- 3 -

هَجَرْتُ حبّاً

وليس خوفاً من دنو الأجل

وحدي - أنا مجنون الليل والنهار

وحدي أدخل وحدتي

وحدي،

أكلّم يقظتي وموتي

وأنت وحدتي ويقظتي وموتي

- 4 -

يا له من بصير مقتدر

ابتلاني بجنوني

وأبعدني عن العامة

- 5 -

في بيداء روحي

شجرة لوز وقطعة من نفنوفك

قالت لي شجرة اللوز:

يا مجنون الزمان..

هي خيمتك

وهي كفنك.

3- امتثالات

- 1 -

حياتي حلم متصل

ومثل رضيع يحلم قبل أن يلتقم ثدي أمه

تدخلين في حلمي،

ونضحك

فأية شريعة تمنعني من الحلم

وأنت حلمي المتصل؟

- 2 -

قال الراوي:

رأينا المجنون بعد صلاة العصر يخرج راكضاً مخلفاً مسجد الكرخة وراءه، مولياً وجهه باتجاه النهر وقبل ان يدخل في الماء توضأ وصلى ركعتين.

اقتربنا منه: رجالاً ونساءً وأطفالاً، سميناه المجنون، ربما لأنه يكون دوماً عاري الجسد إلا من خرقة تستر وسطه. وكان عارياً إلا من تلك الخرقة، بينما كان يمد ذراعه اليسرى ويفصد باليمنى مكاناً عند الرسغ الأيسر، ثم يكتب بدمه هذه الكلمات:

قلبي المحموم

قلبي الأبيض مثل حمام المساجد

قلبي الذي بات بستاناً للبلابل

قلبي الحزين.

يا أنت، يا هذا القلب الذي مثل مرآة.

قال الراوي:

كان دم المجنون يسيل من رسغه الأيسر، دون أن يكترث لجمعنا الذي أحاط به. دائرة: شكَّلنا حوله دائرة بشرية، كنا نَخْزُرُه بعيون فاحصة، بينما كان هو يستعد للعياط.

ثم إنه استدار إلينا، واحداً واحداً، وللمرة الأولى نسمعه يتحدث، لكنه لم يتحدث طويلاً بل بالتأكيد -

أنك امتثالي الأخير.

- 4 -

في بساتين النخيل التي نَمَت وأينعت وأسقطت رطباً جنياً برعاية الله. دون أن تمتد إليها أيادي البشر.

في تلك البساتين، بل فوق قامة كل نخلة كتبت اسمك.

وعندما كان الناس يتابعونني وأنا أكتب اسمك على أعمدة النور وفوق جدران المدارس، وعلى بوابة المسجد، وعلى ماء النهر، وعند ثديي الأيسر، وعلى بندقية شرطي الحراسة، وقرب قدر بائعة الباقلاء، لم أكن أرى أيّاً منهم، لأنني كنت أراك في كل واحد منهم.

للجميع شواهدهم، مثل القبور تماما.

للناس أسماؤهم، وشكل ملابسهم، وأماكن سكناهم.

ولك قلبي.. شاهداً واسماً وحريراً وغرفة بحجم كف رضيع.

- 5 -

في اللحظة الأخيرة..

قبل أن يقبضني ملك الموت

في اللحظة الأخيرة

قبل التكفين وآخر كلمة من أنشودة التلقين

في اللحظة الأخيرة..

وقبل آخر كلمة في استجواب الملكين الشاهدين

في اللحظة الأخيرة..

قبل الارتحال من البرزخ

في اللحظة الأخيرة..

وأنا في المتر الأخير على الصراط

في اللحظة الأخيرة.

وأنا قبالة النور

سيهتف قلبي:

زينب.

4 - صداقات

إلهي..

بحق جلال وجهك

هَبْني صبراً

لأحتمل نعياً لم يأتِ بعد

كلّهم مضوا - أصدقائي الرائعون -

في سراديب ظلماء

أو عطاشى في صحراء »النقرة«

كلّهم مضوا - أصدقائي الرائعون -

في حانة شبه مضاءة

أو شهداء في محاريب

كلّهم مضوا - أصدقائي الرائعون -

أسرى عند الأحزاب

أو في حوادث طرق

كلّهم سيمضون - أصدقائي الرائعون -

ولن يبقى منهم أحد

جوعى في منافي الأوطان

ومنفيون في مدن الرفاهية

أصدقائي الرائعون..مضوا

وسيمضون

يا رب:

آن لي أن أعود شاباً

لأقطفَ وردةً من حديقة في ميسان

أو أخطبَ في مظاهرة

آن لي أن أعود شاباً

لأرقد على الرصيف الذي أختاره

أو أخط شعاراً على الحائط

آن لي أن أعود شاباً

لأحجز قبري في »وادي السلام«

أو أتأبط ذراع زينب

آن لي أن أعود شاباً

لأتخاصم مع ستالين

أو أكتب تاريخ سجن »الحلة«

آن لي أن أعود شاباً

لأتبصر في حياة أبي ذر

أو أبوس سيفاً لم يغمد بعد

يا رب:

هبني صبراً

الأصدقاء الرائعون رحلوا

ولم أعد أحتمل وحشة ما بعد الأربعين

5 - مشاهدات

- 1 -

يا مَنْ أخذتَني منّي

لا تردّني إليّ

تعاليت.. تعاليت

فما قبلك قِدَمْ

ولا بعدكَ حدثْ

قدّوس

قدّوس

فهذا ترابي - بقدرتك -

عاد نوراً في حضرتك

وهذا - أنا - تعاليتَ

ترابي نور بمشيئتك

أنصب تختَ عرسي

وحيداً في بريتك

فكيف لي بعد هذا الكشف

- يا سيدي -

بنفسي إذا ما رُدّتْ إليّ

وقلبي وقد عاد أرضيا..!

- 2 -

يا من أخَذْتَني منها

لا تردّني إلى نفسي

قدّوس

قدّوس

منك الأمر

وعليّ السمع والطاعة

وكما أمرت - يا لجلال وجهك -

استقمتُ.

بل أقول استَوَيْتُ

لحافي سماواتك

وأرضونك مسجدي وطهوري

الآن

وقد أخذتني - يا سيدي -مني

الآن

ولم تردّني - يا مولاي - إليّ

الآن

أستقيم يا خالقي بأمرك

وأستوي - يا بارئي - بمشيئتك

يا من توفيتها مني

لا ترد نفسي إليّ

لا تردني إليّ

لا تردني

لا.

نجمة في الكف

وأخرى في الذرى

نجمة في القلب

وأخرى مجتباة

يا لتلك الروح

يا شبيهة نفسك

6 - رعد صامت

عندما فتحت عينيّ

لم يكن ثمة في المدى

سوى رعود صامتة وسحب عمياءوعندما أغمضت عينيّ

جلستُ إلى النور

أبكي

لينتحِبَ من أجلي النور.

***

عندما فتحت عينيّ

لم يكن ثمة في الأفق

إلا قناطيس مفزوعة

ومراكب هجرها ملاحوها وبحر دائخ

وعندما أغمضت عينيّ

رأيت سمكاً في مرآب قلبي

ر في النور؟

أهو قدري..

أن أتضاحك في الضوء

وأبتسم في النور؟

أيها النور..

أهو قدري أن أهجر الضوء

لأكونك!

- 3 -

يأتون من حيث لا أحتسب

في الضوء المبهر لصالات المرايا

وشطآن الفيروز

يأتون من كل الجهات

أولئك الهازئون الشامتون

يرقصون حولي ويعربدون

وعندما أغمض عينيّ

تتقد منائر النور

ويهربون

- 4 -

أصدقائي الفانين

وأنتم - أحبتي - الموتى

ما جدوى هذه الحفلة؟

- 5 -

وحشة عند الفجر

وفي الصباح كما في الظهيرة

تتبعثر الروح تحت الكراسي

وثريات الصالات

أما في الغروب والمساء

فلا مروءة إلا في المرآة

أيتها المرآة، أنت أيتها المرآة

أين وجهي في عمقك؟

- 6 -

ستمضي هذه العاصفة

من غير نسل

لأنني لم أكن محورها

ستمضي هذه الغيمة إلى مستقرها

ولن تمطر

لأني ماؤها اليابس.

- 7 -

سأمضي وحدي

مثل عاصفة بلا محور

وغيمة بلا مطر،

سأمضي وحدي

أبعد من استمرار نهاية المنارة

وسور البستان

سأعبر - بروحي - وحدي

ودون اهتمام باهتمامكم

آخر بحور الكلمات

وهناك..

حيث تستقبلني روحي زينب

سأتقد...حباً

ونوراً.

 

من النص المفتوح: " مجنون زينب "


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri