
شيءٌ
عن سترند بيرغ
- هل يمكنني
الجلوس إلى جانبكِ؟ المصاطب الأخرى في أوج ازدحامها...
كما ترين.
- أنا لم ألصق على المصطبة ورقةً تقول: ممنوع... كما
ترى!
- أنا في انتظار جواز سفري من المكتب المجاور... كي
استقلّ طائرة أخرى بعد ساعتين. وإنه لوقتُ ثقيل. ولا
أي مقهى في هذا الممرّ الأصفر الطويل!
- أنا أيضاً في انتظار جواز سفري.
- وفي انتظار طائرةٍ أخرى؟
- أنا في الطريق إلى أوسلو.
- أأنت نرويجية؟
- أنا من السويد... بلاد الشمس الباردة
- وأنا من بلاد الشمس اللاهبةً... من بغداد.
- حيث عاش أبو القاسم الطنبوري؟
- كتب سترند بيرغ شيئاً فكاهياً عن هذه الشخصية”الظريفة“...
آخذاً إياها من ألف ليلة وليلة.
- واضح انك تعرف الكاتب السويدي معرفةً جيدة... ما دمت
قرأت هذه المسرحية ”المغمورة“ مقارنةً بأعماله الشهيرة.
- لا اعرف كاتباً مسرحياً أوروبياً، بعد التراجيديا
الاغريقية، يمكن ان يضاهيه علوّاً... غير إبسن وتشيخوف...”بعيداً
عن المسرح الشكسبيري الاعلى!“...
- ولماذا هذان... ليس غير؟ كان القرن التاسع عشر مائجاً
بالابداع المسرحي... وكذلك النصف الاول من القرن العشرين.
- كان إبسن ابرع من انعطف بالمسرح من الواقعية الى الرمزية.
اي هو اول مجددٍ بعد شكسبير . وجاء تشيخوف بمسرح”اللاحركة
“... أي جاء بالرمادية”الساكنة “... وهو من حوّل التراجيديا،
في الصميم منها، الى كوميديا... في”النورس“ و”الشقيقات
الثلاث“ مثلاً.
- كان سترند بيرغ واقعياً في الكتابات الاولى.
- كان واقعياً في ”الأب“و”مس جوليا“... ولعله كان اقرب
الى الاتجاه الطبيعي. كتب ”الأب“ انتقاماً من زوجته
الأولى ”المسترجلة“... وكتب الثانية غاضباً من عليّة
القوم.
- أتراه كان
ثأرياً … حقوداً؟
- في”عيد الفصح“... في هذه المسرحية القصيرة، كان ”أرقَّ“
كاتب مسرحي في تاريخ المسرح العالمي. كان رحيماً وطيباً
كالملائكة... حيث تتحرك الصبية ”المشوّشة ذهنياً تقريباً“
فرحةَ فجرٍ ربيعي دافئ في ليل الغرور القارس والظلال
”الشريرة“ المتوعدة... من منّا لم يحبها؟
- كانت اغنية تقوى... أغنيةً صافية
-أغنية ً في”إجازةٍ “ من البحث المحموم عن”الذهب“...
من تلك الجلبة المرعبة التي عاشتها أوروبا في الظلمات
الفاوستية.
- كان”مريضاً“ وغريب الأطوار... فلا تقس عليه... من
الصعب جداً ان تكتشف الأعين الضياء الكامن خلف صورته
الشخصية السوداوية.
- ولربما كان”ضاّلاً “ طيلة الطريق”إذا استثنينا تلك
الومضة الدافئة... أعني عيد الفصح“... قلّة هم الكتّاب
الغربيون الذين خبروا تلك الحياة المريرة، المتقلبة.
قد نتذكر ، هنا، إدغار بو وبودلير و دوستوييفسكي، ويبدو
انه لم يكن”مخطئاً “ حين ارتفع الى المرتقى”التصوفي“...
آخذاً لبوس”الضحايا“.
- أتريد شيئاً من الشوكولاته؟
- شكراً. إنها كالقهوة. وستمنعني من النوم. وأنا أريد
أن أغفو ساعةً في الطائرة.
- كنت تتحدث مشيراً الى”الطريق إلى دمشق“..
- هي عمله المسرحي المركزي. أو هي سيرته الذاتية درامياً.
وكأنه ذلك الباحث ”اللاهوتي“ عن النور صاعداً الطريق
الشائك. إنما هي سيرة دنيوية في معظمها.
ولم يجد أيضاً النور والدفء في البيت الخشبي المنعزل
. بل كان عليه ان يتسلق المرتفعات الأعلى. كانت الكاتبة
الالمانية هي النجمة الهادية التي أضاعها في أول الطريق،
وقد التفّت من حوله شباكً الماضي.
- يبدو لي أنه ”اختفى“ من سماء المسرح الغربي كما يختفي
الشهاب.
- ولعل آخرَ من حاول القبض على شيء من ”النيزك“ الجمالي
الفاجع هو الشاعر الروسي بلوك.. في عددٍ من قصائده الدرامية.
- كان اوسكار وايلد جمالياً هو الآخر.
- تلك جمالية”باهرة“... انما هي جمالية قشور!
- لا شك انك تعني”سالومي“.
- لم تجيء هذه المسرحية التراجيدية القصيرة إلا احتفاءً
بالجمال الجسدي. ولم يكن قطع الرأس الا تتويجاً جمالياً
إيروسياً.
- ترى أين وجدت الممرَّ بين سترندبيرغّ وبلوك؟
- في غرائبية التوق الجمالي. لم تكن”غريبةً“ الاثنين
إلا شبحاً ”جمالياً“ على رصيف مكتب بريد عند سترند بيرغ...
وطيف امرأة آتية من العالم الليلكي عند بلوك... أتدرين؟
إن لكِ وجهاً غريباً!- وأية غرابةٍ في وجهي؟
- إن لكِ وجهَ فتاةٍ فنلنديةٍ من منغوليا!.
حسب الشيخ جعفر
(الصباح الجديد)