
سيرة الشعر
في قبوره الجماعية
حنديري
السياسة
تذكرت الآن ظاهرة غريبة تهاجمني بين آونة وأخرى، منذ
سنوات تتجاوز العقد، كنت أخاف واهرب من ظاهرة الأصوات
المندلعة المتدفقة داخلي في دفعة واحدة، كلها تحاول
قول ما عندها، تحاول شقّ الصفوف المتراصة من الأصوات
لقول نفسها وعلّة اقتحامها، فهي تعاني الاختناق من هذا
التزاحم الصوتي، تقول نفسها بعبارة أو فكرة لكن الأصوات
الأخرى تسعى نفس المسعى، وتمارس حقها في الاقتحام والهجوم،
لذلك تندفع كل الأصوات معاً مختلطة متشابكة بحيث يتعذّر
عليّ الإمساك بجملة أو عبارة أو فكرة واحدة.
كثيراً حاولت الإصغاء والتحفز لصيد عبارة واحدة ولتلقف
جملة واحدة لكن دون جدوى لأنه سيلٌ مخيفٌ من الأصوات،
تتصارع للانفلات من ثغرة يبحث عنها ولا يجدها، سيلٌ
جارف لا يصلني منه ولا قطرة معنى واحدة.
لذلك كنت ألوذ بالفرار خارج نفسي لأسمع العالم وأصوات
الواقع والآخرين، فهم السدّ المانع لفيضان الأصوات،
وهكذا تنقطع، كلما أهرب منها تهرب مني، تتوعدني بالهجوم
الشرس الذي تتحشد له فور انقطاعي عن العالم والدخول
إلى مملكة الصمت.
لماذا ”تتحاشك“ الأصوات وتتقاطع؟
هل هي نبوءات أو إنذارات تمدّ أعناقها اليّ من كهوف
العقل الباطني؟
هل هي أبخرة بحيرة الذاكرة؟
هل هو ركام الواقع تكدّس في داخلي مستغلاً شفافية الصمت
لينطّ خارجي ولماذا؟
هل هو الشعر الخام ينبجس تلقائياً لأنه عثر على طبقة
رخوة من الوعي؟
هذا الشعر مستحيل الكتابة، وحتى لو كتبته وفعلاً أنى
أجاهد لكتابته، لكن يتعذر عليك أخي الشبح رؤيته لأنه
مكتوبٌ بحبر الروح السري.
هل يكتب الشعر الطليق قصيدته البركانية؟ لكن السياسة
النجاسة عدوة الشعر الأول، كاتمة أنفاس الغابات، ملوثة
الماء والهواء، تتخذ الطبيعة خادمة لها تفعل بها ما
تشاء. السياسة ترى الجميع مطايا لها حتى الوصول إلى
الهدف المرسوم.
السياسة حنديري، وهذا (الحنديري) عبارة عن سيور جلدية
توضع على جانبي عيني الحصان ليرى ما أمامه فقط، أي ترويضه
إلى حصان مكدون، لكن الشعر دائماً يشذّ ويتمرد وينفصل
عن جماهير المطايا- أخي الشبح استبعدْ قوائم أسماء كتبة
الشعر الذين امتطهم السياسة، وإلا أين هم الآن إذ لم
يبقً الاّ من كان من سلالة بودلير، رامبو، لوتريامون،
ملارميه، اليوت، ايلوار، ييتس، بليك، لوركا، بريتون،
ابوللينير، ريلكه، هولدرن، بيرس، السياب، ادونيس، باثيو،
ادغار الان بو، والشعراء بلا شعر من سلالة دستويوفسكي،
نيتشه، جورجيو، جويس، بربوس، كاربنتير، هيسه، ميللر،
فوكنر، كونديرا، برناردشو………………….. إذا استرسلت هكذا
بالتعداد تتزاحم الأسماء وربما أسهو عن ذكر الكثير ممن
شقوا طرق السماء والأرض سواء في القصائد أو في الكتابة،
ولا أجوس حقل الدين المترامي الأهداف، حيث الداخل أليه
خارج غيره.
قنفذ
الشاعر أما طفل أو راكض إلى طفولته، ها أنا أشكو مني
حين استحالت عليّ قصيدتي وتملصت فلا أقوى على الإمساك
بها، لأنها هناك وراء طفولتي الضائعة، وقد ضعت من هول
عذاب البحث عنها. الشعر ركض محموم للحاق بالطفولة الهاربة
والخاتلة في كهوف الروح، والقصيدة هناك خلف الجيش المدجج
بالممنوع. فيّ شهوة مدوّمة للحياة وفيّ طاقة رغبة عمياء
لتدمير الذات، ليتني قادرٌ على نسف ذاتي بقصيدتي، كم
تشلني تفاهات العيش وكم انا محروم من العزلة، آه يا
الهي كلهم يقفون بين القصيدة وبيني حتى احبّ الناس لي:
أمي أبي زوجتي أطفالي اخوتي أصدقائي والدين.
مسألة الوفاق ما بين الشعر والدين أجدها عويصة وغامضة،
بينما الشعر غصن من شجرة الدين، ولم أعثر حتى هذه اللحظة
على شاعر كبير غير روحاني يدير قلبه عن وجه السماء،
حتى الشعراء الآبقين مثل نيتشه الذي سعى بكل السنة اللهب
المندلعة في روحه لأن يكون مسيحاً ظلامياً يخبّ عكس
تيار المسيح النوراني، وبقي معلقاً على صليب القلق ينزف
جمر التوق إلى الله. كذلك لوتر يامون، شاعر يحاول بكل
طاقاته ان يجعل قلبه في كل لحظة ينتحر، أشعل زيت روحه
المريضة ليرينا هول كتل الظلام من حوله، احرق وقود الخير
في نفسه ليرينا اقيانوس الشر، لوتر يامون لم يكن أبشع
مخلوق ولا أعضل مرضٍ من بقية الفنانين، ولكنه تكاتف
مع مرضه، وتعانق مع بشاعته ضد نفسه وضد البشر وضد الله،
فهو متصوف متطرف في المقت، انه الجانب الآخر من القمر،
قفا الجمال. وشعراء آخرون غيرهم لا يديرون قلوبهم عن
وجه السماء، انما يرمون قلوبهم في سديم عربات المجرات.
لكن الدين يطلب من الشاعر ان يكون حارساً في عرزال حقله
لان مسؤولية الدين أوضح من مسؤولية الشعر، فهو يعالج
النفس البشرية ويسمو بها بأسلوب صريح مباشر عكس أسلوب
الشعر الغامض الموحي، الذي يهمس للنفس البشرية أن تتوحد
وحدة الله وتتخلق بأخلاق الله- حتى وان كان الله والشيطان
يصطرعان وميدان الصراع هو القلب على حدّ تعبير دستويوفسكي-
أنا هنا افتح أبواب أسئلة لا أقوى على غلقها، وستأتي
الإجابة من غيري، فمثلاً السياسة حين تبلغ سن الرشد
وتدير شؤون العالم كما تدير سياسة العقل شؤون الجسد،
آنذاك أطمئن على مصير الكون وعلى جمال الطبيعة. لذا
لا أملّ من فتح أبواب الأسئلة مهما كبر الرتاج وصدأ
المزلاج، لكن موضوع الدين والشعر زلق محفوف بالمهاوي،
لا يخرج الداخل أليه إلا محاطاً بألسنة ملتهبة تقذفه
بأقذع النعوت، ومع هذا كله تبقى الحقيقة الساحقة، هي
ان الشعر دائماً يلوذ بالدين.
فالدين اللبنة الأولى لقلعة المعرفة، والشمعة الأولى
في ظلام حيرة الإنسان، وأول سفينة للأخلاق، فالأديان
الأرضية تنويعات للأديان السماوية، هكذا يجب الاعتراف
أخي الشبح، لكن المشكلة الكبرى تظل غائصة في محيط الإنسان،
إلا وهي مشكلة الذوبان، حيث يذوّب الإنسان نفسه في الدين
وذلك شأن العظام، لا ان يذوّب الدين في نفسه وذلك شأن
الأقزام، فهنا يكون الدين رهينة المزاج حيث يتمزق الحقل
إلى ميادين حروب ترتكب فيها اخسّ الجرائم وحشية باسم
الدين.
فيكون الدين ضدّ الدين، أي اصبح ديناً عدوانياً خاضع
لمزاج ونزوات الشخص غير المتجرد من العواطف البشرية
كما تجرد الأمام علي بن أبي طالب لمّا ذاب في الله،
في الحب ودين الإنسانية، وهو يقول واصفاً كيفية التعامل
مع الآخر : إن لم يكن أخاك في الدين فنظيرك في الخلق.
لكني أنا نصيف أخي الشبح أُصارع للتخلص من الدين بواسطة
الدين، أي بإمكان وردة أن تدلني على الله اكثر مما يدلني
فقيه.
وأتناغم عبادةً مع أسراب الزرازير اكثر مما أتناغم مع
أسراب مصلي الجماعة، كيف أتحرر من الشرائع بكل تفاصيلها
الواجبة وأظل داخل حقل الدين ولا اهوي من السراط المستقيم؟
أخي الشبح أعتقدني دخلتُ ارض الزلق المحفوفة بالمهاوي،
هل تمضى قدماً بعيداً عن الشعر إلى الشعر بواسطة الدين
أم أرجع بواسطة الشعر إلى الشعر؟ لا اعرف لماذا ساورني
شعور الآن هو: أني قنفذ. ثم غادرني ومضى هذا الشعور
لكنه بلبل تزلجي الحبري على الورق.
إمبراطورية
الشعر
أخيراً هاكم رأي في الفن بشكل عام والشعر بشكل خاص،
ما هو برأيٍ جديد ولا هو أحدوثة، الفن هو اللاتكون،
اللاتشكل، أو عدم ثبات الأثر الفني، اللاتكون هو ديدن
الطبيعة وقانونها كما أبدعها الله، لاتثبت على حال مطلقاً
من أبعد مجرة إلى اقرب نبتة أو صخرة أو حيوان أو بركة
ماء، أو أي شيء موجود، فعدم الثبوت هو حالها، لذلك اقول:
على الفن أن يحاكي الطبيعة ويحذو حذوها في اللاتكون
واللاثبوت لكن الغموض سيلفه ويحفه وهذا طبيعي لأنه عودة
إلى روح الأشياء بعد إزالة ركام وقشور العادة والمألوف
وماكوّنا من فكرة واعتقاد له، انه غموض بحيرة فاتنة
بعد سجن طويل، حيث القصيدة متدفقة ابداً غير قابلة للانجماد
حتى في ميلون درجة تحت الفهم، عندما تتوقف الغيوم عن
التشكل والتنوع الصوري، وتتوقف الإيحاءات المترادفة
تتوقف القصيدة، متى توقفت الأشجار عن الحركة والهيام
والتبدل- بما فيها الأشجار الميتة- تتوقف القصيدة، الماء
وهو راكد لاشكل له واضح محدد، النار لاتسكن ولا تهدأ
على شكلٍ واحدٍ لا غير. اذاً القصيدة لايمكن السباحة
في نهرها مرتين.
هل تعرف النحلة بتجوالها ورحلاتها وعملها الدؤوب أنها
تجمع العسل؟
طبعاً لا، هي تجهل تمام الجهل الغاية، فنحن من وضع هذه
الغاية، بينما هي تعمل من ذاتها لذاتها بلا تكليف أو
واجب، كذلك يكون الشاعر بالضبط مثل هذه النحلة، لكن
إذا حدد الغاية ووضع القارئ نصب عينيه وقلبه، يتحنظل
عسل القصيدة إلى الأبد.
دلوني على شيء في هذا الكون ثابت محدد جامد- كم اكره
كلمة جماد إذ لاوجود للجماد في هذا الكون مطلقاً- هل
السماء هي هي من الصباح إلى الظهر إلى الغروب إلى الليل،
هل البحر هو هو في ساعات أو حتى في دقائق، بل الجبال
أهي جامدة صلدة لا تتغير أبداً.
كلٌّ في حركة دؤوب وأشكال وألوان متغيرة متباينة من
والى. لماذا لايكون الفن وخاصة الشعر مثل الماء، مريحٌ
للعين، فاتنٌ للأذن، نتذوقه فلا نعرف مذاقه، نشربه ولايمكن
الاستغناء عنه، لكن لانعرف أي سرٍّ هو؟ كذلك الفن نراه،
نسمعه، نقرأه، ولا نعرف ماذا أضاف لنا، ولا نعرف ماذا
استفدنا منه، لانعرف أي جرح شافاه، ولا أي مشكلة حلها،
ونبقى ندور في فلك سرّ الماء.
هل تنبع كل هذه المشاكل في الحياة لأننا لانحسّ بالعطش
للفن، ولو شربناه هل تتسرب هذه المشاكل من حياتنا. لكننا
مع الأسف مع الألم لا نعرف كيف نرى بعيوننا، ولا نعرف
كيف نسمع بآذاننا ولا نعرف كيف نشمّ بأنوفنا، ولا نعرف
كيف نستفيد من عقولنا وكيف نستعملها حتى الآن. لقد ران
عليها صدأ الكسل والعادة وفقدان الإرادة، لقد تكدس عليها
غبار الواقع حتى اندفن الخيال وضاق أفق الإنسان. أخي
الشبح هل فقدنا الشعر أم الشعر فقدنا وصار حالنا مثل
ذلك الإمبراطور الذي فقد إمبراطوريته لانه احبّ الفن،
فقد زوجته وأطفاله، فقد أعزّ أصدقائه، فقد بلاده، فقد
المنفى، فقد عقله، وها هو الآن مجنون ينبش المزابل يبحث
عن إمبراطوريته المفقودة… ولا يصدقه أحد؟
نصيف فلك - كاتب
من العراق