 |
 |
الياس كانيتي |
كلوديو ماغريس |
منفى
وتحولات
أراد الكاتب الإيطالي
كلوديو ماغريس أن يحيي الكاتب الذي عرفه جيدا, الياس كانيتي,
مؤلف كتاب "الإعدام حرقا" والحائز على جائزة نوبل للآداب
عام 1981 وذلك بمناسبة نشر كتابه"السنوات الإنكليزية" في
فرنسا
عن جريدة "لوموند"
الياس كانيتي: ولد
عام 1905 في مدينة روشتشوك الواقعة على نهر الدانوب (بلغاريا).
بعد قضائه عامين في إنكلترا، ذهب إلى فيينا عام 1913 حيث
تعلم الألمانية التي ستصبح بالنسبة له "لغة الكتابة". نشر
روايته الوحيدة "الإعدام حرقا" في 1935 أي قبل أربعة أعوام
من ذهابه إلى إنكلترا التي سيبقى فيها حتى عام 1971 وهو
العام الذي نشر فيه كتاب "الجمهور والسلطة" وهو من أهم ما
كتب. تسلم جائزة نوبل للآداب عام 1981 عن "الإعدام حرقا"
وتوفي في زيورخ عام 1994. كانت له كتابات عديدة جدا (صحف،
سير ذاتية، بحوث) وهي التي تجعل منه شاهدا مهما على القرن
العشرين وجراحه.
بحسب التقاليد الدينية
هناك شيطان "يرانا ولا نراه" وقد يكون إسحاق باشفيس على
حق حينما يقول إن الكاتب يشبه هذا الشيطان فالكتابة هي أيضا
طريقة في التملص وفي إخفاء الوجه حتى إن كان الكاتب يكتب
سيرته الذاتية. قليلون جدا هم الكتاب الذين استطاعوا أن
يتخفوا بمهارة كما فعل الياس كانيتي الذي امتدح في صفحات
لا تنسى الانسلاخ والتحولات واعتبرها أفضل استراتيجية للتهرب
من السلطة والموت. وقد برع كانيتي بهذا الأمر حتى في حياته
الخاصة ولم يكن ذلك على الهاتف فقط فقد كان يدعي بأنه مدبرة
المنزل عندما لا يريد أن يزعجه أحد وهذا ما حصل معي في أحد
الأيام حينما اتصلت به في لندن حيث كنا قد تقابلنا فيها
للمرة الأولى في الستينيات. كانت سنواته الإنكليزية تلك
التي تمثل سنوات المنفى تشارف على الانتهاء وبالنسبة له
فإنه في أعماقه كان يعتبرها منتهية.
هذا الفصل الإنكليزي
من حياة كانيتي هو ليس فقط الفترة الممتدة من 1939( التاريخ
الذي ترك فيه مع زوجته فيينا النازية) و1971 وهذه الفترة
هي التي يتناولها الكتاب الذي صدر مؤخرا بالفرنسية وبالترجمة
المميزة لبرنار كريس ففي إنكلترا، وتحديدا في مانشستر ،
قضى الشاب كانيتي عامين من 1911وحتى 1913 وهي التي تكلم
عنها الكاتب –وقد يكون أعاد اختراعها أو حجبها- بلغة شعرية
قوية جدا في الفصل الأول من سيرته الذاتية والتي كانت بعنوان
"اللغة الناجية". كانت هاتان السنتان جوهريتين في تشكيله
العاطفي الخاص جدا فخلالهما توفي والده وتوضح حبه الشديد
والجريح لوالدته وأيضا اكتشف اللغة الألمانية التي سيصبح
فيما بعد ومن خلالها – وقد يكون ذلك من خلال كتاب واحد فقط
ألا وهو "الإعدام حرقا"- واحدا من أكبر وأغرب كتاب الأدب
العالمي.
كتب كانيتي كتابه
"الإعدام حرقا" قبل وصوله إلى المنفى في لندن عام 1939حيث
عاش التجارب التي اختطها في هذا العمل العظيم وهذا الكتاب
ليس سوى رمز قاس وبارد للمرض المعاصر القاتل ورمز للهذيان
الذي يشوه حكمة وعقلانية القرن بل إن العقل نفسه يصبح هذيانا.
"الإعدام حرقا" هو المغامرة الساخرة للذكاء الذي يتوحد وينعزل
من شدة خوفه من الحياة ولهذا فهو في الختام يحطم نفسه لأنه
تحول من جراء الانعزال إلى ترس يسحق الوجود نفسه. ترسم لنا
الرواية بتناسق تام وبمقدرة شعرية استثنائية عالما فوضويا
خاليا من أي رغبات وتمنع البارانويا الناس في هذا العالم
من أن يعكسوا مؤثراتهم على الأشياء. ويختفي المؤلف تماما
كما لو إنه لا يوجد احد بتاتا ليرى ويسير الأشياء التي تكتسب
وحشية وقسوة عنيفة. والمفارقة هي إن الغياب اليائس للحب
يشعرنا تماما بضرورته.
"الإعدام حرقا" كتاب
مكدر ومكروه ككل الكتب الكبيرة التي لا تساوم ولا تلطف الواقع
ولا تقلل من مرارة الواقع ولا القلق أو الموت كما إنها لا
تخفف من حدة الخلافات وتصدمك كلكمة شديدة. هذا الكتاب واحد
من الأعمال الجوهرية الكبيرة التي كتبت عن جنون القرن العشرين
وجحيمه وبالتأكيد فإن مؤلف الكتاب وقف على حافة هذا الجحيم.
مؤلف هذا الكتاب ليست له علاقة بالإنسان اللطيف، الهادئ
والكريم الذي كان لي حظ التعرف عليه ومخالطته شخصيا ومع
عائلتي في تريست وزيورخ وقد ساعدني هذا الإنسان أن أرى الأمور
بشكل أوضح في داخلي والذي أسعد طلابي في تريست بحضوره وقد
شكلوا مجموعة ما زالت تربطهم حتى يومنا هذا أسموها "مجموعة
كانيتي" الذي أصبح أسطورة الآن فمن خلال كتاباته العديدة
التي تبعت "الإعدام حرقا" وخصوصا البحوث وجوامع الكلم أصبح
كانتي نموذجا ورمزا للإنسانية.
نشر كتاب "الإعدام
حرقا" في 1935 ونال إعجاب توماس مان وروبرت موزيل إلا إنه
أعيد اكتشافه بعد عدة عقود من هذا التاريخ وبعد أن اختفى
تقريبا من الساحة الأدبية. إذا وصل كانيتي المنفي إلى لندن
وهو غير معروف تقريبا وشهدت سنواته الإنكليزية عمله في الكتاب
الكبير الثاني في حياته ألا وهو "الجمهور والسلطة" وهو العمل
الذي لم يكن يضم حقائق موضوعية وعلمية كما كان يظن الكاتب
إنما كان يضم عظمة الحقيقة المجازية ففيه الرمزية الرائعة
والشاذة للموت ، السلطة ، الجمهور والهذيان.
ولا نجد سوى أثر بسيط
عن كتابة هذا العمل في "السنوات الإنكليزية" بالرغم من إن
كانيتي أعتبره هدف حياته وضحى من أجله بكل شيء حتى بمتطلبات
زوجته التي كان يحبها كثيرا. كتب كانيتي صفحات كتابه "السنوات
الإنكليزية" دون أن ينشرها وهي التي تنشر في فرنسا حاليا
بمناسبة الذكرى المئوية للكاتب ؛ وهذه الصفحات مهمة جدا
كأي وثيقة تتعلق بكاتب كبير إلا إن هذه الصفحات التي نشرت
بعد وفاة الكاتب لا تضيف الكثير إلى صورة كانيتي بل إنها
أحيانا تضع القارئ المتحمس لكانيتي في حيرة من أمره.
بالنسبة لصور الشخصيات
الكبيرة أمثال برتراند روسيل وهنري مور وهربرت ريد وآخرين
فقد كانت مكتوبة بلغة نثر كلاسيكية نموذجية ورائعة إلا إنها
لم تكن روائية بل وصفية فقط وهكذا فقد بقيت معزولة وساكنة
وبلا حياة كتلك التماثيل النصفية التي نجدها في الحدائق.
وهذا الجزء المخصص للشخصيات الشهيرة يشبه كثيرا تلك الأجزاء
التي ينتقد فيها الكاتب التفاهة. أما بالنسبة للنقد المتعلق
بإنكلترا فلم يستطع كانيتي أن يتحاشى الخوض في العموميات
الكليشات في كثير من الأحيان وهذا ما أوضحه جيرمي آدلر في
ملحق خاص بالكتاب وتناوله بكثير من الدقة والوضوح. وفي الحقيقة
فإن كانيتي يفتقد الأحساس الحقيقي والقوي لسنوات الحرب تلك
فهناك صفحات قوية وعميقة كتلك التي ينقد فيها بشكل دقيق
وقاس انحطاط بريطانيا وهناك صفحات ليست سوى إطلاق مؤلم لمشاعره
المكبوتة كتلك التي يتناول فيها إيريس مردوخ التي ارتبط
معها بعلاقة. إلا إنه حتى العباقرة من حقهم أن يكونوا عاديين
أحيانا وأن يكتبوا ما يشاؤون وبما في ذلك حتى الأمور الحقيرة
وأن يكتبوا على قصاصات أوراق يتركونها في الجرار.
يمكن اعتبار كتاب
"السنوات الإنكليزية" كتذييل لاعمال المؤلف الذي كتب "الإعدام
حرقا" والذي علمنا دوما بأنه يجب احترام كل حياة وحمايتها
من الموت. وقد ألف سفين هانوشيك كتابا تناول فيه حياة كانيتي
بشكل رائع وتام وإنساني جدا ويساعدنا أكثر من أي نص آخر
على فهم كانيتي الإنسان والمؤلف إلا إن كانيتي كان ينظر
بكثير من الشك والريبة لكل أولئك الذين كانوا يقتفون آثاره
وقد حاول دائما التخفي عنهم والتملص منهم كما حاول أن يدجن
صورته وأن يخفي الوجه الأقصى لمؤلف "الإعدام حرقا" وذلك
خلف وجها إيجابيا وباعثا على الثقة.
وانسجاما مع الحرية
التي يجب أن نمتلكها أمام الكتاب الكبار والتي تجعلنا نستطيع
قول ما نفكر فيه فقد قلت له إن كتاب سيرته الذاتية هذا بالنسبة
لـ"الإعدام حرقا" لا يعدو أن يكون بحثا جميلا عن كافكا بالقياس
إلى كتاب كافكا "المحاكمة". ظهر الحزن على محياه عند سماعه
تلك الكلمات وكتب لي بعدها إن زمن صداقتنا انتهى. تعلمت
منه ومن قليلين غيره بأن كل واحد منا، نعم كل واحد منا هو
مركز الكون.
* كلوديو ماغريس:
كاتب وأكاديمي من مدينة تريست وأهم مؤلفاته كتاب "الدانوب".
ترجمة: د. سندس فوزي
فرمان