كل
ما أعرفه عن
العالم.. هو
ما قلته لي
1
كل ما أعرفه
عن العالم
هو ما قلته
لي. في سماء
الليل أرى
مزقاً صغيرة
من غيمة النهار
فأتذكّر كيف
تمسك بوجهي،
وتقرأ تعبي
عائماً تحت
نظرتك. المُزق
الصغيرة من
ثوب الغيمة
لا تجري بعيداً
عن نافذتي،
تبقى تتعلق
في الهواء،
مثل نوتة مقطوعة
بلا أهل. أربع
مرّات متتاليات
طلبتُ رقمك
بأفضل مما
قدرتْ على
اللهاث. بقي
الرنين في
أُذني ولم
يتفجّر عندك،
فعرفتْ أن
نيّة الأيام
المقبلة تكون
قتلي. إن موتي،
بسبب من عدم
رفعك السمّاعة
بدأ يُهيّئ
نفسه، وربما
كان على مُزق
الغيمة في
السماء، أن
تعدّ نفسها
لموت مماثل.
2
قضيت نهاراً
آخر وليلة،
محاولة النوم،
متجنبة التلفون
على مقربة
من سريري،
ويرمقني. أخيراً
وصل الرنين
بعد ثلاثة
نهارات وليلتين.
داخل التلفون
كان صوتك ينظر
بهدوء إلى
صوتي، لكن
لهفتي تريثتْ،
وصوتي. الإنهاك
والتحرر البطيء
جعلاني طائشة.
كانت دموع
الحيرة تسيل
على خديَّ.
إنني مجنونة.
مجرد مجنونة.
كل الأمر كان
جنوناً. جنونٌ
كل ما يخصّ
علاقتنا،
كل الفكرة.
3
مرّ الليل
ومرّ النهار،
رابضة على
السرير، وحين
نظرت إلى التلفون
في الصباح
كان صوتك قد
رحل. كنت ما
زلت خائفة
من السقوط
ثانية في قبضة
الرنين لكن
الليل الطويل
أبكمني. من
طولِهِ تمرّستْ
على الصمت.
إذن، لا "حبيبي"
ولا "إشتقتلَّك".
وكان بعد شهر
أو أكثر، حين
عدتْ وإتصلتْ،
كان شتاء. المطر
غبّشْ النافذة،
وكان من الصعب
على عينيَّ
أن تعثر على
البناية المواجهة،
وكنتُ واهنة.
الآن، ينبغي
أن تعرف إنني
أفكّر بصوتك
القديم. كان
يقول لي أشياء
لا يقولها
لي أحد. إنك
لا تستطيع
التخلّص من
صوت بمجرد
عدم الردَّ
على الهاتف.
صوتك قديم
الآن لكن عظامه
نظيفة وجافَّة.
إنه في رأسي
منذ شهر. إن
الشيء الأمثل
هو أن أحتفظ
بعظامه جافَّة
ونظيفة. بهذه
الطريقة لا
أُحرّر قلبي،
أُلهيه قليلاً.
بمقدور صوتك
أن يرغب في
قتلي. بمقدوره
قتلي، ويُحتمل
أنه قد قتلني.
إن الثلاثين
يوماً هي نتيجة
قابلية صوتك
إلى قتلي،
وإنك في عدم
ردَّك ـ منذ
شهر أعني ـ
قد حرمتَ قلبي
من أن يثب لدى
سماع صوتك،
ويشبه الأمر
رجفة خاصرة
وردة حين تحطّ
عليها فراشة.
وأكثر من هذا.
شيء كالعار
إلتصق بسقف
غرفتي. العار
من أنك لم ترفع
السمّاعة
تاركاً أصابعي
تعبث في الأرقام
كما لو نسيتْ
إحداها. العار
من سرقة لحظتي
الإستثنائية،
ومن أن رجلاً
كبيراً مثلك
قد ضربَ ضربته.
4
هذه هي الأيام
الثلاثون.
وذلك صوتك.
ذلك صوتك الذي
لطالما هبط
في قلبي تماماً.
حسبت أول الأمر
أنك ضيّعت
صوتك ما دمت
لم تستعمله
لأجل أن تردَّ
عليَّ. وجدت
الأمر في البداية
مضحكاً لذلك
ضحكت. غريبة
وحزينة بعد
ذلك. أعرف أنك
مهما صمتت
فإنك تنتمي
إلى ذلك الصوت،
ومثلي تنتمي
إلى فزع الأيام
الثلاثين.
يتصرَّف الناس
بشكل أفضل،
يكونون أكثر
تهذيباً،
أكثر تفهّماً
ويردّون على
المتّصل حين
يرنّ جرس الهاتف.
إن حبّيَ لم
يغيّرك إطلاقا.
إنني أنا من
تُضفي طابعاً
قوياً على
الرجل الذي
تحبّه. يبدو
أفضل من حقيقته.
يردُّ على
الهاتف المتأرجح
رنينه بين
الإهتياج
الخفيف والصبر.
ثلاثون يوماً.
تبدو الآن
غير حقيقية
مثل طيف البناية
المواجهة
وقد غبّشها
المطر.
5
ما الذي تعرفه
عن واحدة هاتفتك
ولم تردّ،
وتسمع صوت
تنفّسها حتى
اللحظة. إنك
لم ترفع سمّاعة
أخفّ من قدميك،
تنقّلهما
بعيداً جداً.
بعيداً جداً
عنّي حتى مع
ضعف ركبتيك.
عناية
جابر / المستقبل