((الجبرانية))
أو: الروحية
العصيانية
تمثل
"الجبرانية"
شكلاً مميزاً
للروحية "الحديثة"
في النصف الأول
من القرن العشرين،
وأما ما نعنيه
بـ"الجبرانية"
تحديداً هو
هذه "الروحية"
عينها، التي
كانت تبدو
عاصفة وطليقة.
وقد نتجت هذه
"الروحية"
عن ذلك التناغم
الفريد ما
بين طبيعة
الكتابة "الجبرانية"
أي تميزها
الرومنتيكي
ووظيفتها
–أي انقلابها
إلى روحية
"عصيانية"
في وجدان الشبيبة
"العصرية"
ووعيها وهو
ما يثير أسئلة
عديدة من الدلالة
الاجتماعية
لـ"الجبرانية"
في الحقل الذي
تكوّنت وأثرت
وتفاعلت فيه.
بل هو ما يثير
سؤالاً أشد
تحديداً عن
سر العلاقة
الخاصة ما
بين طبيعة
"الكتابة
الجبرانية"
أي علاقات
حضورها الذهبية
ووظيفتها
"العصيانية"
أي دلالتها
أو علاقات
غيابها واندراجها
في عمليتي
التفسير والتأويل
(عمليتا التلقي).
فليس
مفارقة في
ضوء هذه الأسئلة
أن تسقطب "الجبرانية"
عاصفة روحية
مدوية، كان
فيها "العصري"
(بتعابير النصف
الأول من القرن)
مطابقاً على
المستوى الجمالي
الروحي لـ"الجبراني".
وبهذا المعنى
شكلت "الجبرانية"
روحية النزعة
"العصرية"
وفضاءها النفسي
–الدلالي،
بل إن جبران
نفسه كان على
مستوى الوعي
الإيديولوجي
النظري "عصرياً"
يفكر بأدوات
النزعة "العصرية"
ومفاهيمها
وعلى مستوى
الوعي الجمالي-الروحي
"جبرانياً"
يتميز بحساسية
رومنتيكية
فريدة، وكان
"الجبرانية"
على المستوى
الجمالي-الروحي
هي "العصرية"
نفسها على
المستوى الإيديولوجي-النظري.
ولعل ذلك ما
يفسر أن "الهلال"
كانت تصف جبران
باستمرار
بـ"الشاعر
العصري".
لقد
دفع هذا التطابق
ما بين "الجبرانية"
و"العصرية"
–وهو التطابق
الذي نتجت
عنه أيضاً
الروحية "الحديثة"
أو "العصرية"
–الثقافة التقليدية
المسطيرة
إلى وصم "الجبرانية"
بـ"الانحلال"
و"الكفر" و"الإلحاد"
و"الفسق" و"الفجور"،
إلى الدرجة
التي كانت
فيها قراءة
جبران من منظور
هذه الثقافة
ضرباً من "المعصية"
إذ ليس صعباً
أن نجد –وعلى
نحو يسير للغاية-
إن ما وصم به
جبران هو نفسه
ما وصمت به
"العصرية".
ولعل
ذلك يفسر الحملة
"التفكيرية"
التي قادها
مجلة "الأمالي"
السلفية "كان
عمر فروخ رئيساً
لتحريرها"
ضد "الجبرانية"
في عام 1939 على
سبيل المثال
لا الحصر،
إذ وصم جبران
في هذه الحملة
بـ"الكافر"
و"المنحل"
و"الزنديق"
و"الأهوج"
و"الفاسد
المفسد" و"التافه"(1)..
إلخ وهي وصمات
قاتلة في مجتمع
تحكم الإيديولوجيات
الراكدة –المتسلطة-
وعيه الاجتماعي،
وسلوكه في
الحياة اليومية.
***
وقد
ترك لنا خليل
خليل الهنداوي
الشاب (الذي
يُنَمذج إلى
حد بعيد صورة
وعي المثقف
العصري في
النصف الأول
من القرن وقد
كان الهنداوي
مثقفاً عصرياً
مستنيراً
بالمعنى العميق
للكلمة) سيرة
ذاتية نموذجية
دالة على ذلك.
إذ تنهض لديه
"الجبرانية"
من حيث هي "روحية"
في نسيج متشابك
العلاقات
بين طبيعة
الكتابة الجبرانية
ووظيفتها
ودلالتها
في سياق النزعة
"العصرية".
إذ لم تكن "الجبرانية"
بالنسبة للهنداوي
مجرد أسلوبية
رومنتيكية
وجدانية بالمعنى
الضيق للكلمة،
بقدر ما كانت
"روحية" "عصيانية"
صدمت الهنداوي
بعالم التقاليد
والركود والمشيخة
والمسلمات
والظلم الاجتماعي.
ويشير الهنداوي
في سيرته الذاتية
إلى ذلك بقوله:
".. ثم جاء جبران
فصعق روحي"(2)
"لقد كانت
نفوسنا كامنة
مغلقة ففتحها.
لقد كانت أرواحنا
مقيدة فأطلقها".
لقد
كانت عقولنا
مستسلمة إلى
الركود، فنفخ
فيها روح الحياة
والحركة والتمرد.
لقد كانت أفكارنا
مكبلة بقيود
العبودية
ففتح أمامها
آفاق الحرية،
وكانت "عواصفه"
و"أرواحه
المتمردة"
و"الأجنحة
المتكسرة"
فاتحة خلق
جيل جديد،
يتمرد على
التقاليد
والأوضاع
الجامدة،
وعلى كل ما
يرجع بالحياة
إلى الوراء"(3).
إن ثنائية
أو قطبية المغلق
/المفتوح،
المقيد/ الطليق،
الركود/ الحركة،
الاستسلام/
التمرد، العبودية/
الحرية، تحكم
طريقة تفسير
الهنداوي
لـ"الجبرانية"
وتأويله لها
في سياق العلاقات
الاجتماعية.
وتكشف هذه
الثنائيات
القطبية عن
مدى الوظيفة
"العصيانية-للروحية
"الجبرانية"
في وجدان الهنداوي
وحساسيته.
وبهذا المعنى
انفتحت "الجبرانية"
–من حيث هي خطاب-
مباشرة على
عمليات التلقي
بما تعنيه
من آليات تفسير
وتأويل وإعادة
إنتاج، وهي
عمليات ليست
مشروطة بطبيعة
الكتابة الجبارنية
وحسب، بل وأيضاً
بموقع المتلقي
في نسيج العلاقات
الاجتماعية
وتناقضاتها-
فـ"الاجتماعي"
كما تستبطنه
"الذات" هو
المرجعية
الدفينة لعملية
تفسير "الجبرانية"
وتأويلها
بـ"الروحية
العصيانية".
وقد كان الهنداوي
نفسه في أعماله
أحد الممثلين
الكبار لهذه
الروحية في
الأدب العربي
الحديث. ويعبر
الهنداوي
عن استراتيجية
"الاجتماعي"
في سر استقطاب
"الجبرانية"
لروح الجيل
"العصري" بقوله:
"والسر في
ميلي إلى جبران
هو روحه وتمرده
على النزعات
الطائفية
والمذهبية
التي كنا غارقين
في نتنها"(4).
من هنا
وبهذا المعنى
تحديداً فإن
تفسير المثقف
"العصري" وتأويله
للخطاب "الجبراني"
–من طراز الهنداوي
الشاب- كان
محكوماً بمعنى
"الجبرانية"
أو دلالتها
في حقل العلاقات
الاجتماعية،
التي كانت
بالنسبة لهذا
النموذج من
المتلقي،
كسورات طائفية
ومذهبية ومللية
مفوتة ومتأخرة.
وقد أفرز ذلك
ما يسميه الهنداوي
بـ"التفكير
الجبراني"
وهو تفكير
أقرب إلى الروحية
منه إلى المنظومة
النظرية المتراصة
ويقول الهنداوي
بهذا الصدد
".. مثل هذا التفكير،
كان غريباً
ومستنكراً
في بيئة محافظة
مطوية على
نفسها، ولقد
قاسيت الكثير
من حمل أفكار
جبران وأدب
جبران على
منكبي الضعيفين..
وشاع ذلك عني
في المدينة،
وما أكثر مسرى
الشائعات
في المدن الصغيرة:
-إن ولد العريجي
أفسده جبران
وجعله ملحداً..
يجب حرق كتبه.
وجاء صديقي
يحذرني بأن
الملأ يأتمرون
بي، لأنني
أقرأ جبران،
وأجهر بمحبتي
لهذا الكاتب
الملحد، ونصحني
بأن أخفي كتبه
عن النظر لأنهم
سيقتحمون
البيت فجأة،
ويحرقون كل
ما يقعون عليه
من كتب"(5).
***
إذا
كانت الروحية
"العصبانية"
لـ"الجبرانية"
فضاء جاذباً
لوعي الشبيبة
الصعرية ووجدانها
وأسئلتها
فإن هذا يقود
إلى مناقشة
الدلالة السوسيولوجية
"الجبرانية"
في تميزها
الرومنتيكي
الغنائي الفريد.
تكمن هذه الدلالة
في التعبير
المتمرد والعاصف
عن روح "الفرد"
الطالع لتوه
من شبكة العلاقات
الاجتماعية
–الثقافية
"الجماعية"،
ينفض الغبار
المتكلس عن
وجدانه. وهي
العلاقات
التي لا تعترف
أساساً بـ"الفرد"
إلا بقدر إعادة
إنتاجه لجماعيتها
الطاغية،
أي بقدر تحوله
إلى جماعة
مكثفة في "فرد"
نمطي قطيعي،
من هنا كان
طبيعياً إلى
حد بعيد أن
تشكل الرومنتيكية
في يميزها
الجبراني
الفريد وعياً
جمالياً مطابقاً
لتكون "الفرد"
كمفهوم سوسيولوجي.
فالوعي الرومنتيكي
هنا هو بالدرجة
الأولى وعي
شخصي منفرد
بـ"الذات"
أي ما يميزها
عن الكم العددي
"للإنسان
المعمم" أو
الجماعة الراكدة.
ويتحدد المغزى
الدلالي العميق
لـ"الجبرانية"
في تعبيرها
"الرومنتيكي"
المميز.
هذا
عن روح الفرد
المنطلق المستيقظ
المتمرد على
قيود المؤسسة
الاجتماعية،
التي رأى جبران
تكثيف مظالمها
في المؤسسة
الكهنوتية.
من هنا يواجه
جبران ما بين
عالم "الغباوة"
"القروسطي"
القطيعي الكمي
الجماعي"
وعالم "العواطف
المستيقظة"
"العصري" "الفردي
الشخصي"،
إذ تقوم المؤسسة
الاجتماعية
في الخطاب
"الجبراني"
على منظومة
من العلاقات،
العبودية
كـ"العبودية
العمياء"
التي "توثق
حاضر الناس
بماضي آبائهم
وتنيخ نفوسهم
أمام تقاليد
جدودهم، وتجعلهم
أجساد جديدة
لأرواح عتيقة"
و"العبودية
الصماء"،
"التي تكره
الأفراد على
اتباع مشارب
محيطهم والتلون
بألوانه والارتداء
بأزيائه فيصبحون
من الأصوات
كرجع الصدى"(6).
فتقوم آلية
المؤسسة حسب
جبران وبتعابيره
على الخضوع
والطاعة والامتثال
والانقياد
والتقليد
والخنوع في
حين أن آلية
الفرد الحر
تقوم على التمرد
والانطلاق
والاستيقاظ
والحركة والرفض
والحرية.
وفي
إطار هذه التناقض
ما بين "الفرد"
و"المؤسسة"
التي تصم كل
من يواجهها
ويسائلها
بـ"الكفر"
و"المعصية"
كما في "خليل
الكافر" و"يوحنا
المجنون"،
تنهض الروح
"العصيانية"
للفرد –الإنسان،
فعلينا أن
نفهم في هذا
الإطار مثلاً
قول جبران:
"في قلبي كره
لما يقدسه
الناس وحب
لما يأبونه،
ولو كان بإمكاني
استئصال عوائد
البشر وعقائدهم
وتقاليدهم
لما ترددت
دقيقة"(7).
ولعل
ذلك يفسر أن
جبران يواجه
الحق الوضعي
للمؤسسة الغاشمة
بالحق الطبيعي
للفرد الحر،
بل نجده على
غرار "روسو"
تقريباً،
يفكر بـ"الإنسان
الطبيعي"
الذي نقشت
مبادئ الحرية
والمساواة
في فطرته الأصلية
كحالة نقية
للإنسان الحر
الذي لم يتعرض
بعد إلى الشوائب
الوضعية وفسادها،
وبالتالي
لم يفسد ناموسه
الطبيعي. وتتجلى
هذه المواجهة
في سخط جبران
على الشريعة
الرسمية التي
رأى قوانينها
وأحكامها
عمياء وغاشمة
وظلومة كما
في "صراخ القبور"(8).
ويعني ذلك
على المستوى
النظري أو
على المستوى
المنظومة
النظرية المقابلة
للمنظومة
التخيلية
الرومنتيكية،
إن الحقوق
الأساسية
لـ"الفرد"
وفي مقدمتها
حق الحياة
والمعتقد
والرأي والاعتبار
قد لعبت دوراً
استراتيجياً
في تشكيل الوعي
"الجبراني"،
وهو ما يضع
هذا الوعي
في مستوى متميز
وفريد من مستويات
الوعي التنويري
أو روحيته،
لا سيما وأن
جبران رأى
في هذه الحقوق
حقوقاً طبيعية
(نسبة إلى الإنسان
الطبيعي).
وداخل
هذه الدلالة
السوسيولوجية
لـ"الجبرانية"
من حيث هي روحية
ذات وعي رومنتيكي
مميز، يمكن
اكتشاف العلاقة
العقدة ما
بين الروحية
"الجبرانية"
ومثل النهضة
العربية،
ما دام الفرد
الحر هو المثال
الأعلى لإنسان
النهضة. فقد
وجد تمجيد
الفرد الحر
في "الجبرانية"
تعبيره المعقد
في السخط على
"الكهنوت"
من حيث أنه
مؤسسة اجتماعية
منظمة. وبدلاً
من أن نرى في
هذا السخط
"إلحاداً"
و"كفراً" كما
فعل "الكهنوت"
الذي طرد جبران
من الكنيسة
عام 1904، وطبق
عليه نظام
"الحرم" المسيحي،
فإن علينا
أن نرى فيه
بحثاً عن إيمان
فردي شخصي
لا تحكمه وساطة
"الكهنوت"
ما بين المؤمن
والله. فقد
رأى جبران
أن المسيحية
الحقة المطابقة
لطبيعة الإنسان
هي مسيحية
دون كهنوت
في الوقت نفسه
الذي رأى في
"الكهنوت"
مؤسسة ظالمة
غشومة فاسدة.
ويعبر جبران
عن ذلك بواسطة
خليل في "خليل
الكافر": "إن
سكان هذه القرى
يا مريم قد
تعلموا من
الرهبان والكهان
بفض كل من يفكر
لذاته، وصاروا
يقلدونهم
ويبتعدون
مثلهم عن جميع
الذين يريدون
أن يصرفوا
حياتهم فاحصين
لا تابعين.
فإذا بقيت
في هذه القرية
وقلت لسكانها
تعالوا يا
أخوتي نعبد
ونصلي حسب
مشيئة نفوسنا،
لا مثلما يريد
الرهبان والقسس،
لأن الله لا
يريد أن يكون
معبوداً من
الجاهل الذي
يقلد غيره.
يقولون هذا
ملحد يعاند
السلطة التي
وضعها الله
في أيدي كهانه،
وإن قلت لهم
أصغوا يا أخوتي
واسمعوا صوت
قلوبكم، واعملوا
إرادة الروح
الكائنة في
أعماقكم،
يقولون هذا
شرير يريدنا
أن نكفر بالوسائط
التي أقامها
الله بين السماء
والأرض"(9). من
هنا أيضاً
يقول جبران
عبر صوت "يوحنا
المجنون"
الراعي الفقير
الذي يبتزه
الدير، مخاطباً
السيد المسيح:
".. إن صراخ البائسين
المتصاعد
من جوانب هذه
الظلمة لا
يسمعه الجالسون
باسمك على
العروض، ونواح
المحزونين
لا تعيه آذان
المتكلمين
بتعاليمك
فوق المنابر،
فالخراف التي
بعثتها من
أجل كلمة الحياة
قد انقلبت
كواسر تمزق
بأنيابها
أجنحة الخراف
التي ضممتها
بذراعيك.. لقد
أقاموا يا
يسوع لمجد
أسمائهم كنائس
ومعابد.. تعال
ثانية يا يسوع
الحي واطرد
باعة الدين
من هياكلك،
فقد جعلوها
مغاور تتلوى
فيها أفاعي
روغهم واحتيالهم،
تعال وحاسب
هؤلاء القياصرة.."(10).
ولم
ير جبران في
"الكهنوت"
المسيحي تمثيلاً
للمظالم الاجتماعية
والروحية
وحسب، بل ورأى
أيضاً في "الإمام
المسلم" و"الكاهن
البرهمي"
نوعاً من "الكهنوت"
مشبهه بـ"الأفاعي"،
وتكشف هذه
النبرة الراديكالية
ضد "الكهنوت"
الخلفية العلمانية
العميقة لـ(الجبرانية)،
ودعوتها لتقويض
أركان السلطة
الدينية. ولا
نحتاج إلى
كبير جهد كي
نكتشف تساوق
هذه النبرة
مع المثل العلمانية
للنهضة العربية
ومضمونها
التنويري.
بهذا
المعنى يمكن
الحديث عن
المحتوى التنويري
للروحية "الجبرانية"،
إذ كشف جبران،
لا سيما في
"خليل الكافر"
المحتوى الاجتماعي
للمؤسسة "الكهنونية".
وهي روحية
تجد مرجعيتها
العميقة في
روحية "العاميات"
الفلاحية
في القرن التاسع
عشر، حيث يرى
جبران أن الرابطة
بين "الكاهن"
و"الإقطاعي"
تتجلى في أن
الكاهن "يتحكم
بالأرواح
في حين يتحكم
"الإقطاعي"
بـ"الأجساد"
فـ"منذ ابتداء
الدهر إلى
أيامنا هذه،
والفئة المتمسكة
بالشرف الموروث
تتحالف مع
الكهان ورؤساء
الأديان على
الشعب، هي
علة مزمنة
قابضة بأظفارها
على عنق الجامعة
البشرية.. ابن
الشرف الموروث
ببني قصره
من أجساد الفقراء
الضعفاء،
والكاهن يقيم
الهيكل على
قبور المؤمنين
المستسلمين..
الأمير يقبض
على ذراعي
الفلاح المسكين
والكاهن يمد
يده إلى جيبه..
الحاكم يدعي
تمثيل الشريعة
والكاهن يدعي
تمثل الدين"(11)
فالكهنة حسب
جبران يشاركون
"الإقطاعي"
في "قتل المعرفة
وإحياء الطاعة
في نفوس حارثي
حقوله وكرومه"(12).
من هنا
تنهض الروحية
الفلاحية
لـ"الجبرانية"
على نحو جلي
إلى الدرجة
التي يرى فيها
جبران في الفلاحين
"رمز الشعوب
المظلومة"
و"البلاد
المغمورة
بالذل والهوان"(13).
بل إن "الجبرانية"
عمقياً وفي
العديد من
نصوصها مرآة
رومنتيكية
لتفكك العلاقات
البطريركية
–الإقطاعية
الشرقية،
إذ يصور جبران
مثلاً في "خليل
الكافر" انهيار
هذه العلاقات
وتفتتها،
عبر تحرر الفلاحين
من "المقاطعجي"
/الشيخ عباس
ومن الكاهن
إلياس في آن
واحد.
تتحدد
الدلالة السوسيولوجية
لـ"الجبرانية"
هنا على وجه
التحديد،
في أن إشكاليتها
العميقة هي
إشكالية النهضة،
أي إشكالية
التحول من
المجتمع القروسطي،
ومن "المجتمع
الفسيفسائي"
إلى "المجتمع
التعددي".
وقد رسم جبران
صورة "المجتمع
الفسيفسائي"
في ضوء المرجعية
الاجتماعية
لسورية الساحلية،
حيث تقوم آلية
العلاقة ما
بين طوائف
هذا المجتمع
على الاقتتال
الأهلي الطائفي
".. قد سلحوا
الدرزي لمقاتلة
العربي، وحمسوا
الشيعي لمصارعة
السني.. وشجعوا
الأحمدي لمنازعة
المسيحي،
فحتى متى يصرع
الأخ أخاه
على صدر الأم..
والأم يتباعد
الصليب عن
الهلال أمام
أعين الله(14).
من هنا كانت"
الجبرانية
"بروحيتها
التنويرية
العلمانية،
العصيانية
على المؤسسة
الكهنونية
والإقطاعية
الشرقية،
روحية" مجتمع
تعددي "يقوم
على التعايش
الأهلي العلماني
وعلى المحبة
الوطنية،
وقد ترجمت
هذه الروحية
في حقل الكتابة،
أي في حقل المشاعر
واللغة والعواطف
والأحاسيس
وبشكل يصبح
ممكناً معها
وصفها بالرومنتيكية
الفلاحية.
إذا
كانت "الجبرانية"
الروحية العميقة
لحركة "النهضة"
بمحتواها
العلماني
التنويري
المعادي لـ"القروسطية"
فما معادلها
الجمالي؟
وبمعنى آخر
ما الأسلوبية
المحددة المطابقة
لها؟
تتحدد
هذه الأسلوبية
بما يمكن تسميته
بـ"الشمولية
الشعرية"(15)
بلغة هنري
لوميتر، وهي
نوع متميز
وفريد من أنواع
الكتابة الرومنتيكية
التي تتجاوز
"شعريتها"
حدود الجنس
الأدبي. وبمعنى
آخر لا تتحدد
هذه الشمولية
بقياسها إلى
نوع أدبي محدد،
كما لا ينطبق
عليها صفة
مفهوم محدد
للجنس الشعري،
إنها حالة
شعور لا تتحدد
بشكل. ولعل
ذلك مصدر ارتباك
ميخائيل نعيمة
في تشخيص الجنس
الذي تنتمي
إليه "الأجنحة
المتكسرة"
حيث يقول نعيمة:
".. يروي جبران
رواية حبه
الأول يوم
كان ما يزال
طالباً في
بيروت (1897-1900 عندما
كان طالباً
في مدرسة الحكمة
البيروتية
–الباحث) ويرويها
بأسلوب شعري،
وجداني، مشبع
بروح التقديس
للحب. لقد حاول
جبران في "الأجنحة
المتكسرة"
أن يكتب أكثر
من قصة، حاول
أن يكتب رواية(16).
حقاً إن "الأجنحة
المتكسرة"
كثير الارتباك
إذا ما تم قياسها
إلى جنس محدد
كالرواية
أو القصة أو
الشعر أو ما
بعد القصة،
ومن هنا فإنه
لا يمكن فهمهما
إلا في طبيعتها
الأساسية
أي طبيعة "الشمولية
الشعرية"
أو "الفنية"
التي هي خاصة
من خصائص الوعي
العاطفي الرومنتيكي.
فـ"الأجنحة
المتكسرة"
تبحث عن "الشعري"
في كل مكان،
في الرواية
والقصة والأسلوب
الوجداني
والحياة والتوتر
النفسي، وهو
البحث الذي
يميز "الشمولية
الشعرية".
من هنا
فإنه من الخطأ
الفادح قياس
"الشمولية
الشعرية"
التي هي الأسلوبية
المحددة لـ"الجبرانية"
وفق مفهوم
الجنس الأدبي.
ويمكن اعتبار
محيي الدين
صبحي كنموذج
لمثل هذا الموقف
الخاطئ في
مقاربة الأسلوبية
الجبرانية
حيث يكتب صبحي:
"لو نظرنا
إلى صنيع جبران
لوجدناه قد
أساء إلى الأدب
العربي أبلغ
إساءة من حيث
كونه لم يتقيد
بقواعد الأجناس
الأدبية: كتب
القصة بدون
المقومات
الأساسية
للقصة، وكتب
الشعر بدون
معرفة باللغة
ولا بالأوزان،
وكتب النثر
على طريقة
السبحات الشعرية،
فابتلى الأدب
العربي بمرض
الخلط بين
الأجناس الأدبية:
الشعر المنثور،
قصيدة النثر،
القصة الشعرية،
وهذه كلها
ترجع إلى اختلال
الحساسية
الأدبية في
نفس جبران"(17).
والواقع
أن "الشمولية
الشعرية"
هذه التي ينظر
إليها صبحي
على أنها "خلط
بين الأجناس
الأدبية"
بل خلط مرضي
لها تصدر بالنسبة
لجبران بالضرورة
عن جهل بمفهوم
"الأجناس
الأدبية"
بل تصدر أساساً
عن وعي يتجاوزها.
ولا نعلم فيما
إذا كان صبحي
يتجاهل عمداً
أن المزج بين
الأجناس الأدبية
نظرية رومنتيكية
سبق فيكتور
هوغو في مقدمة
مسرحية "كرومويل-1827)
أن صاغها،
وإذا كان لا
يتجاهل ذلك،
فلماذا يقوم
بسحب الكتابة
الجبرانية
من تربتها
الأسلوبية،
أي تربة "الشمولية
الشعرية"
إلى قياسات
الجنس الأدبي؟!.
لقد
أعادت "الجبرانية"
بواسطة هذه
الأسلوبية
المفتوحة
النظر جذرياً
بمعنى الشعر
العربي كما
ورثته "الكلاسيكية
الجديدة"
وأعادت إنتاجه،
وهو ما كان
يعني بالضرورة
إعادة النظر
بالقيم التعبيرية
والجمالية
التقليدية.
ويعبر جبران
في "لكم لغتكم
ولي لغتي"
عن ذلك إلى
حد بعيد: ".. لكم
لغتكم ولي
لغتي، لكم
من لغتكم البديع
والبيان والمنطق،
ولي من لغتي
نظرة في عين
المغلوب ودمعة
في جفن المشتاق،
وابتسامة
على ثغر المؤمن،
وإشارة في
يد السموح
الحكيم. لكم
منها ما قاله
سيبويه والأسود
وابن عقيل،
ومن جاء قبلهم
وبعدهم من
المجضرين
المملين. ولي
منها ما تقوله
الأم لطفلها،
والمحب لرفيقته،
والمتعبد
لسكينة ليله..
لكم لغتكم
عجوزاً مقعدة،
ولي لغتي صبية
غارقة في بحر
من أحلام شبابها..
أقول أن السراج
الذي جف زيته
لن يضيء طويلاً،
أقول أن الحياة
لا تتراجع
إلى الوراء.
أقول أن أخشاب
النعش لا تزهر
ولا تثمر. أقول
أن ما تحسبونه
بياناً ليس
بأكثر من عقم
مزركش وسخافة
مكلسة..".
يبحث
جبران هنا
عن "اللغة"
في الحياة،
انطلاقاً
من أن الشعر
كحالة حياة
كما يريد أن
يقول لم يعد
ممكناً ضمن
اللغة السابقة
لغة "البديع
والبيان والمنطق"
و"العقم المرزكش"
على حد تعبيره.
والحال كذلك
فإن هذه النظرة
للغة هي ما
يميز "الشمولية
الشعرية"
في وعيها الرومنتيكي.
ومن هنا فإن
الشعر وفق
هذه النظرة
ليس معنياً
بمعرفة الأوزان
والعروض كما
يذكر صبحي
بل إنه معني
كما يقول جبران
بالثورة على
"العروض والتفاعيل
والقوافي
ما يحشر فيها
من جائز وغير
جائز". إذ يستهدف
جبران "خلق
لغة جديدة
داخل اللغة"
وهو ما يذكره
في رسالة إلى
ماري هاسكل:
"ففي العربية
قد خلقت لغة
جديدة داخل
لغة قديمة
كانت قد وصلت
حداً بالغاً
من الكمال
–لم ابتدع مفردات
جديدة بالطبع،
بل تعابير
جديدة، واستعمالات
جديدة لعناصر
اللغة"(18).
لقد
قامت هذه النظرة
"الجبرانية"
للغة الشعرية
على أولوية
حالة الشعور
على الصنعة،
والدفقة على
التنظيم،
والتفجر على
البناء. وقد
كان لهذه الأولوية
معناها التغييري،
إذا أدركنا
أن الصنعة
والبناء والتنظيم
كانت من خصائص
البنية الجمالية
التقليدية
التي اعتبر
جبران كتابته
نفياً له