حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الأطلال الدائرية

خير تعريف للشاعر والناقد والقاصّ خورخي لويس بورخيس (1899-1986)، ما جاء في مقدمته لكتابه "إيفاريستو كارييغو: "اعتقدتُ منذ سنوات أني أصرخ في ضاحية من بوينس أيرس، ضاحية  من الشوارع المغامرة والمغارب الظاهرة. الحقيقة أني كنت أصرخ في حديقة خلف سياج من قضبان الحديد، وفي مكتبة من الكتب الانكليزية لا تُحصى". ذاك أن هواية هذا المبدع هي العزلة والفردية، حتى أنه غبط الخلوات في المقابر فهتف في إحدى قصائده: "جميل هو صفاء القبور / واتصال الرخام بالزهور / والاماكن الصغيرة ذات الممرات الندية / والعزلة والفردية الخالدتان". إذ لا شيء أدعى الى إثارة التوحّد أو الانفراد مثل حضرة الموت. فالموت وحده، يُشعرنا بذواتنا. "كل تأمل في موته الوحيد والشخصي مثل ذكرى"، يقول بورخيس. إنما هذه العزلة جرّحت رخامة عينيه بأظفار الشك والرعب والقلق والفراغ التي يتسلّح بها الوجوديون عادة لقتل تنين الزمان الذي يحرس الفروة الذهبية للحياة. إنها عزلة "الغُرَير" التي وصفها كافكا (بورخيس من مترجميه) في قصته "الجحر". وهي تحكي عن حيوان منعزل وخائف اتخذ لنفسه جحراً، وانقطع فيه عن الخارج الذي لا تصله به غير فتحة صغيرة مغطّاة بالاعشاب وراح يجرّ أيامه تحت الارض بعدما تزوّد كل مؤونته، مطمئناً الى خلوته. إلاّ أن مملكة الأمان المطلق هذه، غدت مركزاً للخوف والقلق. حتى أن اقل حركة في الخارج كانت تفسّر كأنها العدو المطبق، لدى هذا الحيوان الذي لم يعد يعيش إلاّ في انتظار الموت. لستُ أدري هل يرضى بورخيس بهذا التعليل لتفرّده الروحي، وإن كان الأرجح أن لا تعليل وراءه. غير أني إخال عزلته وما يتشعب في أصولها من موضوعات، متعمّدة فنياً، وليست طبيعية. "ذلك أن الشعور بالعزلة لا ينبثق من محاولة الانسان تنمية شخصيته وأصالته وتفرده وتميزه عن كل شيء وشخص إلاّ عندما يكون وحيداً، وإلاّ عندما يستبدّ به ذلك الشعور الحزين بانعزاله" (العزلة والمجتمع، نيقولاي برداييف). التأمل في أعمال هذا الأديب الواسع الثقافة، يُظهره لنا فريداً وبعيداً كل البعد عن الواقعية السحرية الاميركية اللاتينية، والهموم السيكولوجية أو الالهام البرّاق الاجتماعي والحماسي المحفور فوق رخامة أميركا اللاتينية. بورخيس هو قبل كل شيء رجل أدب، وأدبه ليس له أي تراسل مع الواقع الاجتماعي أو الحياة الاجتماعية. وُلد من الأدب عينه مثل غصن زاهٍ وشاذ. وهذا حكم يُثبت أن مواقف هذا المعتزل الكبير لم تكن صادرة عن معاناة عيش، وإنما عن اعتزال شديد ضمن جدران مكتبة لا تحصى كتبها. بمعنى آخر يمكن القول أن مواقفه مواضيع في ذات، ولا يصح العكس. فهمّه كان - وبحسب اعترافه - "أن يكتشف الامكانات الادبية للنظريات الفلسفية، مثل العَود الابدي، والمثالية، ونفي الأنا والمسافة، ونقض الزمان، ولاسيما اللايقين الوجودي الذي استمده من فيلسوف الطاوية "Taoïsme" الصيني تشوانغ تشو، والذي يمكن اختصاره بهذه النادرة التي لمّح اليها بورخيس في قصيدته "الاسباب": "حلم قديماً تشوانغ تشو بأنه فراشة طائرة قانعة بحظّها، وجاهلة أنها تشعر بالذات. وفجأة أفاق من نومه فأبصر في دهش أنه تشو. عند ذاك لم يعد يفهم هل كان هو تشو الذي حلم بأنه فراشة، أو كانت الفراشة هي التي حلمت بأنها تشو. فبينه وبين الفراشة ثمة اختلاف. وهذا ما نسمّيه تغيّر الكائنات". (Philisophes Taoïtes: PLةADE, NRF). هذا الحلم اللايقيني يكاد يشكّل لحمة النسيج الفانتازي الذهني الفريد في العمل البورخيسي، وخصوصاً على المستوى القصصي. فخيال بورخيس الخلاق وجد في القصة القصيرة مجالاً رحباً أكثر من القصيدة، ليقدّم فيه خوارقه في مهارة فنية تجمع بين الشعر والفكر، دافعاً الى أقصى حد اختبارات ادغار ألن بو، تشسترتن، كافكا، القصص البوليسية، وتراث بلاده الهندي القديم. وهذا الوجه القصصي هو الذي سيُكسب بورخيس البريق العالمي. وفي فرنسا التي كانت وراء إطلاقه، يُعدّ مبدع القصة الميتافيزيقية. في قصصه أجواء مذهلة يلعب فيها العقل لعبته الوهمية الكبرى. نحن أمام خالق تخيلات فكرية لا وجودية. أمام صانع حالات وألغاز عقلية وفلسفية أو فوق - علمية مشبعة بحسّ الخداع والشعوذة الدماغية، والاضداد التي تتلاحم، والعلاقات غير المنتظرة، وتعدّد المفاهيم، في رواق المرايا لتلك المتاهة التي تحقّق هوية العالم. وعلى الأخص، نحن أمام قصص يدحض فيها النثر ذاته، كما جاء في الكتاب التنظيري المهم عن الشعر والقصيدة، "القوس والقيثارة"، للشاعر المكسيكي العالمي أوكتافيو باث الذي لم يتورّع من اعتبار هذه القصص قصائد حقّة. في أجواء كهذه، أُعطيت الفانتازيا الذهنية قيمتها وقوتها، أي الدوار العقلي. والفانتازيا في الاساس، تستند الى مسلّمة أولية تدّعي بتعقّد الكون، وتكاثر العوالم التي يتداخل بعضها في بعض. فالحقيقة لا توجد كما هي. وإنما كملاصقة لحقيقة أخرى ممكنة. وعبّر عن ذلك بورخيس في إحدى قصصه الرائعة "الاطلال الدائرية" (يرى القارئ ترجمتها في ما يأتي)، حيث الحقيقة الاولى ليست سوى العالم المتصوّر في ذهن فقير هندي. في حين أن هذا الفقير لا يوجد في ذاته، ولكن في ذهن فقير آخر يوجد في ذهن فقير آخر الى لا انتهاء. وذلك همّ، أي النسبة بين النهاية واللانهاية، أولع به بورخيس، كما أولع بفكرة العَود الابدي التي اقتبسها من نيتشه لا سواه، مع أنها عميقة الجذور في التاريخ الفكري: "ستعود كل ليلة من الأرق في كل دقّة ساعة. / واليد التي تكتب هذا ستُولد من الرحم / نفسها. إن جموعاً صلبة ستعمّر الهوّة، / (هكذا قال الفيلولوجي نيتشه)" (من قصيدة بورخيس: الليل الدائري). هذه التعقيدات الذهنية الآسرة، حتى في تدلّلها في ثياب لغزية، تذكّرنا تقريباً بالمسائل الحسابية أو في ترزّنها في متّكأ فلسفي، قد تكون تُعيّن في دقة هيئة الفانتازيا، وغالباً المدهش في عصرنا. كما تقدّم مثالاً دامغاً عن متعة الفكر في الأدب، متى ما أُوتيت لها الموهبة والتقنية.
"وإذا توقّف عن الحلم بك، أين تظن نفسك عندئذ ستكون..." (لويس كارول: من الجهة الاخرى للمرآة).
لم يرَه أحد ينزل الى الضفة في الليلة المُجمَع عليها، لم يرَ أحد زورق الخيزران يغوص في الوحل المقدس، ولكن بعد بضعة أيام، لم يبقَ أحد يجهل أن الرجل الصموت أتى من الجنوب، وأن موطنه إحدى القرى اللانهائية القائمة في عالية النهر، على منحدر الجبل الوعر، حيث اللغة الزندية لم تلوّثها اليونانية، وحيث يندر الجذام. الحقيقة أن الرجل الأشهب أحنى وقبّل الوحل، وصعد الى الضفة بدون أن يُبعد عنه نصال النباتات (ربما لم يشعر بها) التي كانت تمزّق لحمه، وراح يجرّ قدميه، شارد الذهن، مدمّى، حتى السور الدائري الذي كان يتوّجه نمر أو حصان حجري، وكان في الماضي بلون النار والآن بلون الرماد. هذا السور الدائري هو معبد التهمته الحرائق القديمة، ودنّسته الغابة المستنقعية، ولم يعد إلهه يتلقّى التكريم من البشر. وتمدّد الرجل الغريب عند قاعدة التمثال. وأيقظته الشمس في كبد السماء. ولاحظ بدون استغراب أن جروحه التأمت؛ فأغمض عينيه الشاحبتين، واستسلم للنوم، لا بسبب وهن جسدي، ولكن بتصميم إرادي. فقد أدرك أن هذا المعبد، هو المكان الذي يتطلبه مشروعه الذي لا يُقهر. وأدرك أن الاشجار المتواصلة لم تنجح، عند سافلة النهر في خنق أطلال معبد آخر ملائم احترقت آلهته كذلك، واندثرت؛ وأدرك أيضاً أن واجبه المباشر هو النوم. وعند منتصف الليل، ايقظته صرخة طائر أليمة. فاستنتج من آثار أقدام عارية، وبعض ثمار التين، وابريق ماء، أن أناساً من تلك المنطقة راقبوا نومه باحترام، وانهم كانوا يلتمسون حمايته أو يخشون سحره. وأحسّ برعدة الخوف، فبحث في السور المتهدّم عن مشكاة للدفن فتكوّر فيها وتغطّى ببعض أوراق الاشجار المجهولة.
أما المشروع الذي كان يقوده فلم يكن مستحيلاً، برغم كونه خارقاً للطبيعة. كان يريد أن يحلم برجل: أن يحلم به مكتملاً بكل دقة، وان يفرضه على الواقع. هذا المشروع السحري قد استنفد كل حيّز عقله؛ فإذا ما سأله أحدهم عن اسمه الخاص أو عن لمحة من حياته السابقة، لما عرف أن يجيبه. وهذا المعبد المهجور والخرب كان يناسبه، لأنه يمثّل الحد الادنى للعالم المرئي؛ كما كان يناسبه ايضاً هؤلاء المجاورون من القرويين، لأنهم أخذوا على عاتقهم، أن يؤمّنوا حاجاته البسيطة. فما يجلبونه له من الأرزّ والثمار، كان غذاء كافياً لجسده، المكرّس فقط لمهمة النوم والحلم.
في البداية، كانت أحلامه مشوّشة، ثم أصبحت بعد فترة وجيزة، ذات طابع جدلي. فالغريب كان يحلم أنه وسط مدرّج دائري يُشبه تقريباً المعبد المحترق ذاته: حشد من التلامذة الصموتين يُثقل صفوف المدرّج، وكانت أوجه الاخيرين منهم، تتدلّى من مسافة أجيال، وعلى علوّ كوكبي، لكنها كانت واضحة كل الوضوح. وكان الرجل يُملي عليهم دروساً في علم التشريح، والكوسموغرافيا، والسحر؛ وكانت الأوجه تصغي بتلهف وتحاول الاجابة بنباهة، كأنها على علم بأهمية هذا الامتحان الذي سوف يُعتق أحدها من ظاهره الوهمي، ويُدخله العالم الحقيقي. في حلمه ويقظته، كان الرجل يتفحّص إجابات أشباحه، محترزاً من خداع المحتالين، واكتشف في بعض الارتباكات أن ثمة إدراكاً متنامياً. كان يبحث عن نفس تستحق المشاركة في الكون.
بعد تسع ليالٍ أو عشر، أدرك بشيء من المرارة، أنه لا يمكن أن يأمل شيئاً من التلامذة الذين كانوا يتقبلون تعاليمه في سلبية، بل بالاحرى من أولئك الذين كانوا يغامرون أحياناً باعتراض معقول. الأوّلون، وإن كانوا جديرين بالحب والحنان، لا يمكنهم أن يرقوا الى مرتبة الأفراد. اما الأخيرون، فكانوا سبّاقين الى الوجود اكثر بقليل. وذات أصيل (الأصائل الآن مكرّسة ايضاً للنوم، ولم يعد الرجل يستيقظ سوى ساعتين عند الفجر)، صرف نهائياً مجموع التلامذة الوهميين الضخم، واستبقى تلميذاً واحداً. كان فتى صموتا، حزينا، وعنيداً احياناً، ذا وجه بارز التقاطيع، شبيه بوجه الحالم به. لم يرتبك طويلا من جراء هذا الإلغاء المفاجىء لزملائه التلامذة، وقد أدهش المعلم بتقدمه الملحوظ بعد بضعة دروس خاصة. إلا أن الكارثة وقعت. فقد هبّ الرجل في أحد الأيام من نومه، كما من صحراء لزجة، ونظر الى نور الأصيل الباهت، فخلط بينه وبين الفجر أولاً، وأدرك أنه لم يحلم. طوال تلك الليلة، وطوال ذلك النهار، كان يطبق عليه صفاء الأرق اللايطاق. حاول أن يستكشف الغابة، أن ينهك نفسه، وبعد جهد جهيد، حصل بفضل الشوكران على أويقات من النوم الخفيف، تخلّلته رؤى عابرة من النوع البدائي، لا نفع لها. وأراد ان يجمع المدرسة. وما كان يتلفظ ببعض كلمات النصح الوجيزة، حتى تشوّهت وامّحت. وخلال أرقه الدائم تقريباً، كانت تنهال دموع الغضب محرقةً عينيه الشاحبتين.
أدرك أن محاولة تشكيل المادة المتفككة والدوارية التي تتكوّن منها الأحلام لهي من أشقّ ما يمكن أن يحاوله انسان، حتى لو نفذ الى جميع الألغاز من الفئة العليا أو الدنيا: حتى أشقّ بكثير من نسج حبل من الرمل أو سك عملة من الريح التي لا وجه لها. وأدرك أن لا مناص من إخفاق أوّل. فأقسم أن ينسى الهلوسة الهائلة التي ضلّلته في البداية، وأخذ يبحث عن طريقة عمل بديلة. وقبل أن يختبرها، خصّص شهراً كاملاً لاستعادة قواه التي كان بدّدها الهذيان. وتخلى عن كل تصميم على الحلم، وفي الحال تقريباً، توصّل الى النوم في شريحة معقولة من النهار. وفي المرّات النادرة التي حلم في هذه الفترة، لم يُعر الأحلام اهتمامه. ولكي يستأنف عمله، انتظر الى أن يكتمل قرص القمر. ثم تطهّر في مياه النهر، عند الأصيل، وصلى للآلهة الكوكبية، وتلفّظ بالمقاطع المباحة لاسم جبّار، وخلد الى النوم. وعلى الفور تقريباً، حلم بقلب ينبض.
حلم به نشيطاً، دافئاً، منغلقاً، في حجم قبضة يد، بحمرة العقيق، في ظليل جسد إنساني لا وجه له بعد ولا جنس، حلم به بشغف شديد التدقيق طوال أربع عشرة ليلة صافية. وفي كل ليلة كان يراه أكثر وضوحاً. لم يلمسه: اكتفى بمشاهدته، ومراقبته، وأحياناً بتقويمه في نظرة. كان يراه، ويعيشه من أبعاد متعدّدة وزوايا كثيرة. وفي الليلة الرابعة عشرة مسّ بسبابته الشريان الرئوي، ثم القلب بكامله، من الخارج والداخل. وأرضاه الامتحان. وعلى مدى ليلة تعمّد ألا يحلم: ثم تناول ثانيةً القلب، وابتهل الى اسم أحد الكواكب، وشرع في تفحّص عضو آخر من الأعضاء الرئيسية. وقبل مضيّ عام، توصّل الى تشكيل الهيكل العظمي، والأجفان. وربما كان الشَّعر الذي لا يحصى، المهمة الأصعب. كان يحلم بإنسان كامل، شاب، لكنه لم يكن ينتصب ولا يتكلم، ولا يستطيع أن يفتح عينيه. ليل نهار، كان يحلم به مضطجعاً.
في نظريات نشوء الكون الغنوصية، يجبل الآلهة آدم أحمر لا يمكنه الوقوف على قدميه، كمثل هذا الآدم من الثرى، الأخرق، الجلف والبدائي، كان آدم الحلم الذي فطرته ليالي الساحر. وذات أصيل، كاد الرجل يُتلف عمله بكامله، لكنه تراجع وندم (وكان الأفضل لو أتلفه). وبعدما استنفد كل التوسلات الى آلهة الأرض والنهر، ارتمى عند قاعدة التمثال الذي كان يمثّل ربما نمراً او مهراً، والتمس عونه المجهول. في غسق ذلك النهار، حلم بالتمثال نفسه. حلم به حياً، مرتعشاً: لم يكن هجيناً شرساً من نمر ومهر، ولكن كان كلا هذين المخلوقين العنيفين معاً، وكذلك ثوراً، ووردة، وعاصفة. هذا الأله المتعدّد، افشى له أن اسمه الأرضي كان "النار"، وأنه في هذا المعبد الدائري (وفي معابد أخرى مشابهة) كان يقدم له الناس الذبائح ويتعبّدون له، وأنه سوف يبث الحياة سحرياً في الشبح المحلوم به، بحيث تخاله كل المخلوقات، باستثناء "النار" بالذات والحالم به، انساناً من لحم وعظم. وأمره بأن يرسله ما أن يصبح ضليعاً في الطقوس، الى المعبد الآخر المتهدم الذي لا تزال اهراماته قائمة عند مهبط النهر، كي يمجّده صوت ما في ذلك الصرح المهجور. وفي حلم الرجل الذي كان يحلم، استيقظ المحلوم به.
نفّذ الساحر هذه الأوامر، فخصّص وقتاً (امتد الى سنتين في الأخير) ليكشف لتلميذه أسرار الكون وعبادة النار. وكان يؤلمه حتى الصميم، أن يكون عليه ان يفترق عنه. وبذريعة الضرورة التربوية، كان يطيل كل يوم الساعات المخصّصة للحلم. كذلك أعاد تشكيل الكتف اليمنى، وربما غير المكتملة. وأحياناً كان يقلقه انطباع بأن يكون كل ذلك حدث من قبل... وعلى العموم، كانت أيامه سعيدة، وراح يفكر وهو مطبق عينيه: "الآن سأكون مع ابني" أو على الأقل: "ان الابن الذي انجبته ينتظرني، ولن يوجد إن لم اذهب اليه".
ومضى يعوّده العيش تدريجاً في الواقع. وأمره مرة بأن ينصب علماً على قمة بعيدة. وفي اليوم التالي، كان العلم يرفرف على القمّة. وحاول أن يخضعه لاختبارات مماثلة، أكثر فأكثر جرأة. وأدرك بشيء من المرارة، أن ابنه متأهل لأن يولد – وربما متلهف. وفي تلك الليلة، عانقه للمرة الأولى، وأرسله الى المعبد الآخر الذي تبيضّ أطلاله عند سافلة النهر، على بعد فراسخ عديدة من الغاب المتشابكة والمستنقعات. في البدء (كي لا يتمكن من معرفة أنه كان شبحاً - وكي يعتقد أنه انسان كالآخرين) نفث فيه النسيان التام لسنوات تخرّجه.
الا ان نصره وسلمه كان يعكرهما الضجر. وفي غسق المساء والفجر، كان يجثو أمام التمثال الحجريّ، متخيلاً أن ابنه ربما، كان يؤدّي الشعائر الدينية ذاتها، في الأطلال الأخرى الدائرية، عند سافلة النهر، وفي الليل لم يكن يحلم أو كان يحلم كما سائر الناس. وبات يعي أصوات الكون وأشكاله في غلالة شاحبة، وكان الابن الغائب يقتات بهذه الشوائب في شخصه. إلا أن مشروع حياته كان بلغ غايته، وعاش في حالة من النشوة. وبعد وقت، يفضّل بعض رواة قصّته تقديره بالأعوام وبعضهم بالخمسيات، أيقظه في منتصف ليلة، جدّافان: لم يستطع أن يرى وجهيهما، لكنهما حدّثاه عن ساحر في معبد الشمال، يمكنه المشي على النار بدون أن يحترق. وتذكر الساحر فجأة كلمات الاله. تذكر ان النار وحدها، بين كل مخلوقات الأرض، كانت تعرف ان ابنه شبح. وهذا التذكّر المطمئن مبدئياً، انتهى الى اثارة قلقه. فقد كان يخشى أن يتأمل ابنه في هذا الامتياز اللامألوف، فيكتشف بطريقة ما، أنه مجرد طيف. وأن لا تكون إنساناً، أن تكون إسقاط حلم إنسان آخر، يا لها من مهانة بلا مثيل، ويا للدوار! وفطرياً، كل والد يهتم بالأطفال الذين أنجبهم (او سمح بذلك) في ارتباك خالص او في سعادة، فمن الطبيعي اذاً، أن يخاف الساحر على مستقبل ابنه، الذي فكّر في أحشائه حشاً بعد حشاً، وفي قسماته واحدة بعد اخرىـ، في الف ليلة وليلة سرية.
وانتهت تأملاته بصورة مفاجئة، ولكن بعدما أشعرته ببعض العلامات. أولاً (بعد جفاف طويل) لاحظ سحابة تعبر في البعيد فوق إحدى التلال، خفيفة خفة طائر، ثم اتجهت نحو الجنوب، وكان للسماء لون وردي كلثّة الفهود، وارتفعت سحابات الدخان الهائلة التي أصدأت الليالي، ثم كان فرار الحيوانات المذعورة. لأن ما حدث منذ قرون قد تكرّر. وها أطلال معبد اله النار تقوّضها النار. وذات فجر لم يرفّ في فضائه طائر رأى الساحر الحريق المتراكز ينقضًّ على الأسوار. ونوى في تلك اللحظة ان يلجأ الى المياه، لكنه ادرك في الحال أن الموت أقبل ليتوّج شيخوخته، ويعفيه من مشاغله. ومشى على قطع اللهب. فلم تلسع هذه، لحمه، بل كانت تلامسه في رفق، وتغمره بدون حرارة او إحراق. وفي ارتياح، ومهانة، وارتعاب، أدرك انه هو ايضاً لم يكن سوى شبح، كان يحلم به آخر.

من مجموعة: Ficciones, ED Emecé, Buenos Aires 1960
خورخي لويس بورخيس

 

الترجمة والتقديم: هنري فريد صعب / ملحق االنهار


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.