
عـــشــــر
ســـــنـــيـــن
عـــلـى الـغـــــــيــاب
هل
انتهى زمن
نزار قبّاني
هل
ينتهي؟
عشر
سنين عمراً
هي لا شيء تقريباً
في عين الزمن.
ثانية، شبه
ثانية، أو
أقل. وفي عين
الأدب، هي
فاصلة أو علامة
استفهام. ربما
أكثر، ربما
أقلّ. فهل يكون
الشعر هكذا؟
وعمر الشعر
هل يكون هكذا؟
من يدري؟! وحده
الشعر يدري.
فقد تكون القصيدة
أشبه بتقليب
صفحةٍ ونسيان
وإغفال، أو
أشبه بتقليب
دهر لا ينقلب.
هذه هي على
كل حال، طبيعة
الاعمار، كل
الأعمار، والحالات،
واللحظات،
والذكريات،
والمشاعر،
واللغة، اللغة
الشعرية خصوصاً.
لا أعمار محددة
مسبقاً لهؤلاء.
ولا أعمار
مستقبلية.
ونهائية. ولا
قوانين. ولا
أقدار. فحتى
الشعر يموت
أيضاً، ومعه
الشعراء، شأنه
في ذلك شأن
البشر أفراداً
وشعوباً، والشجر
والحجر. وقد
لا يموت الشعر
على رغم موت
هؤلاء الذين
يموتون. فهذه
مسألة تخضع
لمعيارٍ ليس
بالمعيار،
ولعمرٍ لا
يقاس بالعمر،
ولأمراضٍ ليست
تُعايَن بعوارض
وأوهان. يا
لكَ أيها الشعر!
فأنتَ عصيّ
وخارجيّ، على
طريقة كل العصاة
والخوارج،
وشأن كل ما
هو منزاحٌ
عن نسق أو سياق.
وأنتَ يصنعكَ
عمركَ الشخصي،
جسدكَ وعصبكَ
ولغتكَ وروحكَ.
أشكالكَ ومعانيكَ
ودلالاتكَ.
ولا إله لكَ،
سوى طبعكَ
الذي قد يكون
إلهاً أو شبه
إله. وقد يكون
شيطاناً أو
شبه شيطان.
وهو طبعكَ
وقد يكون لا
إلهاً ولا
شيطاناً إنما
محض كتابة
تعثر لنفسها
على ما يجعلها
قابلة للعيش
أو للاضمحلال،
بذاتها، وتبعاً
لذاتها الشعرية،
اللغوية أولاً،
وتماشياً مع
دلالاتها،
وأمزجة فضائها
ومحيطها وقارئها.
ولا شيء مسبقاً
من شأنه أن
يملي على الذات
والفضاء والمحيط
والقارئ ما
يعيش وما لا
يعيش. ما يعيش
كثيراً وما
يعيش قليلاً،
أو ما يعيش
بين بين. هذا
المعيار بالذات،
لا يملي نفسه
على آخر، كمعيار،
لأنه غير قابل
لأن يكون معياراً
مستتباً، تتحدّد
على أساسه
الأعمار وقابليات
العيش والموت.
تحدوني الى
هذه المقدمة،
عشر سنين خلت،
هي عمر الغياب
الذي مضى على
نزار قبّاني
الذي توفي
في الرابع
من أيار من
عام 1998. المسألة
ليست مسألة
ذكرى أو مسألة
حقبات وعقود
ومحطات، إنما
هي مسألة الشعر
بالذات. فهل
يموت الشعر؟
وهل يظل حياً؟
وما الذي يملي
هذا وذاك؟
وما الذي يتمرد
على الإملاء،
ويخرج على
القصد، فيختطّ
لذاته عمراً
مستمراً لا
يعتريه مرض
ووهن وشيخوخة
واقتراب موت؟
مات
نزار قبّاني
قبل عشر سنين،
تاركاً وراءه
ملايين القراء،
وطبعاتٍ متتالية
من دواوينه،
وأكداساً مكدّسة
من الآهات
والمقالات
والأبحاث والدراسات.
الآن، هل لا
يزال الشاعر
الغائب حياً
يُرزَق بشعره؟
أم هل مات شعره
حقاً بموته،
أو بعد هذه
العشر؟ أم
مات قبلاً؟
لستُ أدري
حقاً، هل من
حالٍ واحدة
للشعر، لمصيره،
ديمومته أو
موته. بل أدري
ولا أدري.
بمعنى أن مثل
هذه الأسئلة
تستدعي أجوبة
قد لا تكون
أجوبة. فمن
طبيعة الجواب،
كل جواب، أن
يحمل قياساً
يطمئن اليه.
أما هنا فليس
من قياس، إذ
كيف يمكن المرء،
قارئ الشعر،
أو كاتبه،
أو ناقده،
أو الناظر
في أعماره،
أو متلقّيه،
أن يعثر على
قياس، وأن
يحظى هذا القياس
في حال العثور
عليه بديمومته
النقدية، أو
بقبول الآخر،
كل آخر؟
أدرك تماماً
أن لا قياس.
هذا شأن مفروغ
منه، أقلّه
بالنسبة اليَّ
شخصياً. فالاعمار
ها هنا ليست
في يد الله
طبعاً. كما
هي ليست في
أيدي مخلوقاته.
وقد لا تكون
في يد شيء أو
في يد أحد البتة.
فكيف يقيس
الواحد منا
عمر الشعر؟
أقول "عمر الشعر"
لا عمر الشاعر،
لكي يظل السؤال
في منأىً تقريبي
عن الأحوال
التي تحيط
بالشعرية،
ابتداء بـ"موضوع"
الشعر، ثم
بشخص الشاعر،
شخصيته، حضوره،
سلطاته، علاقاته...
وسوى ذلك من
شهرة وغواية،
وليس انتهاء
بالظروف والأمكنة
واللحظات الموضوعية
التي تكون
قد رافقته
وزامنته، وداخلته،
وقد تملي هي
أيضاً تأثيراتها
ومعاييرها
وشروطها ومقاييسها،
فتصير أحياناً
هي الشعرية
أو بعض هذه
الشعرية.
أفكر في هذا
كلّه، وأنا
أستعيد نزار
قبّاني من
قبر حياته،
بعد عشر سنين
على رحيله.
أفكر وأسأل:
هل يموت الشاعر
بموته؟ بل
هل يموت شعره
بموته؟ والى
أيّ حدّ يموت
أو يبقى حياً؟
وما الذي يجعله
ميتاً أو يبقيه
حياً؟ والى
متى؟ وهل من
قياسٍ تفكيكي
تقاس به هذه
الأسئلة؟
هذا الشاعر
بالذات، ومعه
ثلة من الشعراء
اللبنانيين
والعرب الكبار،
بعضهم أحياء
يرزقون وبعضهم
غادروا، قد
يجوز أن نطرح
على شعره،
وشعرهم، مثل
هذه الأسئلة.
وها هنا إشكالية
قد تكون جديرة
بالتأمل والتفكير.
ذلك أن الأسئلة
التي أدور
عليها لا بدّ
أن يكون شعره
يستحق مثلها:
كالسؤال حول
الديمومة الشعرية
مثلاً. تالياً،
لا بدّ أن يكون
للنقد القدرة
على إيجاد
موجبات شعرية
لدى شاعر ما،
"تليق" موضوعياً
بهذه الأسئلة،
و"تليق" بها
هذه الأسئلة.
وسواها كثير.
إذ لا تُطرَح
أسئلة كهذه
على شعر لم
يُعطَ له أن
يخلق فضاءً
بذاته، ولذاته،
وأن يثير أسئلةً
واحتمالات
ودلالات، وأن
يستجلب لغةً
وعقولاً وقلوباً،
وأن ينجب مريدين،
وأن يخضّ ركوداً
أدبياً ومجتمعياً،
وأن يغيّر
مساراً.
هذا المحلّ
بالذات، هو
ما أريد أن
أصوّب عليه
القياس في
هذه المناسبة.
القصد واضح:
فأنا أريد
أن أقيس الآتي:
ماذا يفعل
الزمن النقدي
بعمر الشعر،
في غياب الشاعر؟
هل يخمّره،
وكيف؟ هل يعثر
على علامات
قوته، أو علامات
وهنه وانحلاله،
وكيف؟ أي أني
أريد أن أعرف
الآن بالقياس
لماذا يموت
شعرٌ ما؟ ولماذا
يتأخر شعرٌ
آخر عن الموت؟
ولماذا لا
يموت شعرٌ
آخر ما، مهما
طال به الزمن
على أنواعه،
ومنه الزمن
النقدي الشعري؟
وهل هو لا يموت
لأن شعريته
وحدها هي التي
تحميه من موت؟
أنا أطرح هذه
الأسئلة على
شعر نزار قبّاني،
مثلما أطرحها
على شعر امرئ
القيس، وعمر
بن أبي ربيعة،
بل مثلما أطرحها
على كل شعر
كبير استطاع
أن يفعل فعله
في زمان ومكان،
قد يطولان
أو يقصران.
لستُ في معرض
تفكيك شعرية
نزار قبّاني
تفكيكاً مرجعياً
لأن المناسبة
لا تدّعي مثل
هذا الطموح.
ولأن التفكيك
من شيم الكتب
أكثر منه ها
هنا.
هذا ليس تهرّباً
من تفكيك أو
تحايلاً عليه،
أو خبثاً،
على طريقة
الذين يشعلون
عود ثقاب ويؤججون
حريقاً، ثم
يسحبون يدهم
من حيث يدسّونها.
ما أفعله،
اعتقد أنه
يضع القارئ
على سكّة التأمل
الهادئ في
شعرية نزار
قبّاني، بل
على زورق الإبحار
في متونها،
من دون أن أزعم
أيّ زعم، وحتماً
من دون أن يرقى
ما أفعله الى
ما أعتقد أنه
حصراً من صلاحيات
الكتب الكبرى،
ومن شروطها،
على طريقة
رولان بارت
وموريس بلانشو
وسواهما. لكن
هذه الأسئلة
تؤرقني حقاً،
ومن حقّي أن
أطرحها على
نفسي، وعلى
الشعرية، وعلى
النقدية، وعلى
القارئ، لتكون
المناسبة،
مناسبة العشر
السنين هذه،
فرصة للتأمل
في الشعر،
شعر نزار قبّاني،
في معزلٍ،
وإن قليلاً،
عن الشاعر،
حضوره الجسدي،
غوايته، شطارته،
وهجه، ومهابته.
وبالقدر نفسه،
في معزلٍ عن
شهرته، والظروف
الموضوعية
المحيطة به.
هذا لأقول
إنه قد يكون
من المناسب
للشعر مطلقاً،
ولكل إنتاج
إبداعي، العكوف
عليه بقياس
الأسئلة، وبما
هو أكثر حفراً،
أي بالتفكيك
والتأويل والقراءة،
لكشف السرّ
النقدي في
كل شعرية كهذه
الشعرية التي
نستدعي التفكير
في شأنها،
لمعرفة ما
الذي يبقى
فيها، وليعرف
الواحد منا،
شاعراً أو
متلقياً، أو
ناقداً، ما
الذي ينضمّ
من هذه الشعرية
الى عملية
التراكم الشعري
الخلاّقة،
منذ كان ثمة
شعر حتى الآن.
هنا وفي العالم.
الأسئلة
كمادة تفكيكية
من الأسئلة
التي تظل أسئلة
مشروعةً وواجبة،
على رغم وجود
أجوبة محتملة:
هل "الموضوع"
هو الذي يجعل
شعر هذا الشاعر،
نزار قبّاني
تحديداً، يسطو،
ويخترق، ويرتقي
الى المكانة
التي يستوي
عليها؟ هل
هو شعر المرأة؟
هل هو المكبوت
في هذا الشعر؟
هل هو كشف الجسد،
جسد المرأة؟
هل هو كسر المحرّم
المجتمعي والسياسي
والعقلي والديني؟
هل هي الذكورة،
الفحولة الذكورية،
وقد فتحت أبواب
العذرية، وولجت؟
هل هو سؤال
الرغبة؟ هل
هو شعر السياسة،
شعر فلسطين،
والقدس، والشام،
وبيروت، وعبد
الناصر، والنكبة،
والأنظمة العربية؟
وهل قول ذلك
كله عالياً،
وحالماً، وبطريقة
شعبية، شعبوية،
مباشرة، بسيطة،
أليفة، حقيقية،
أصيلة، ما
يجعل شعر قبّاني
على هذه المكانة
الشعرية العالية؟
وهل لأن ذلك
كله هو مرافقة،
أو صدىً، لكل
ما هو مسكوتٌ
عنه على هذا
المستوى؟ أريد
أن أعرف تماماً،
وبالنقد، ما
الذي يجعل
هذا "الموضوع"
يرتقي شعرياً
في شعر نزار
قبّاني؟ وهل
مقاربته على
هذه السوية
هي مدماك وجيه
من مداميك
شعريته؟ هذا
لأعرف الى
أي حدّ يكتسب
الشاعر شعريته
من هذا الموضع
بالذات؟ والى
أيّ حدّ يكون
قياس شعريته
هنا، أو لا
يكون، قياساً
شعرياً؟
ثم، أريد أن
أعرف ما الذي
يجعل الشعرية
رهين "موضوعها"،
حتى لكأنه
حبل سرّتها؟
والى أيّ حد؟
ثم، أريد أن
أعرف الآتي:
إذا كان "الموضوع"
ليس شعبياً،
شعبوياً، مباشراً،
بسيطاً، وأليفاً،
وإن حقيقياً
وأصيلاً، فهل
كان ليظل متاحاً
للشعر أن يحظى
بما يحظى به
في "الموضوع"
المضاد، من
حيث المكانة
الشعرية، والديمومة؟
لا بدّ أن تكون
هذه الإشكالية
تنطبق بالطبع
على كل شأن
جليل. في الأدب،
شعراً ورواية،
وفي الفنون
جميعها، المسرح
والرسم والنحت
والموسيقى
والرقص، وفي
الشأن العقلي
والفكري والفلسفي،
وفي الشأن
الإلهي، وفي
التصوف، وفي
كل من التاريخ
والاجتماع
والسياسة.
وهلمّ.
على مستوىً
ثانٍ، لا بدّ
أن تكون هذه
الأسئلة التي
أدور عليها،
تزعم أيضاً،
ربما بتعسف،
أن لا بدّ أن
يستولي قياس
"شهرة" شاعر
ما، نزار قبّاني
ها هنا، على
هذه الأسئلة،
كسؤال الموت
الشعري، و"الخلود"
والديمومة
والاستمرار،
ولا بدّ أن
يكون هذا القياس
"الشهروي"
يفرض تأثيراته
ومعاييره وشروطه
ومقاييسه على
الشعري نفسه،
فيصير متدخلاً
في المعيار،
حيث تختلط
شعرية هذا
الشعري بشعرية
"الشهرة" وسطوتها
المهيبة.
لأسأل: هل من
شعرية لـ"شهرة"
الشاعر؟ وما
هي "شهرة" هذا
الشاعر؟ أسبابها،
معطياتها،
مكوّناتها،
طبيعتها، ظروفها...؟
والى أيّ حدّ
هي "شهرة" شعرية؟
وتالياً: ما
هي معايير
هذه "الشهرة"
وقياساتها
شعرياً؟ وهل
يمكن تفكيكها
بالنقد؟ ثم،
لأسأل: بعد
تفكيك هذه
"الشهرة"،
وعزلها عن
كونها تشكّل
فاعليةً مؤثرة
في تقويم الشعر،
ماذا يبقى
من شعرية الشاعر؟
نزار قبّاني،
هنا تحديداً؟
على مستوىً
ثالث، لا بدّ
أن تكون هذه
الأسئلة التي
أدور عليها،
تزعم أيضاً
وأيضاً، ربما
بتعسف، أن
لا بدّ أن يكون
للظروف الموضوعية،
التاريخية
والاجتماعية
والسياسية
والفكرية والدينية
والمدينية،
دورٌ ما في
قياس شعرية
الشعري. وفي
قياس شهرته.
فما هو هذا
الدور؟ والى
أيّ حدّ يستولي
هذا الدور
"البرّاني"
و"الخارجي"
على دخيلة
الشعري بالذات،
فيحلّ محلّه،
أو يندرج فيه،
والعكس، وبنسبة
أو بأخرى،
فيأخذ الواحد
من الآخر،
أو يأخذ الآخر
من الاول،
ما يفضي الى
تكوين مكانة
كبرى للشاعر
ليست في الضرورة
مكانة محض
شعرية، أي
شعرية بالخالص؟
لأسأل: هل لنا
أن نقرأ شعرية
الشاعر، شعرية
نزار قبّاني
تحديداً، ونقيسها،
في معزلٍ عن
هذه المعطيات؟
كأن نقرأ شعريته،
أولاً، متخلصةً
من هيبة "موضوعها"
ومهابته؟ وكأن
نقرأ هذه الشعرية،
ثانياً، وهي
تتبرأ من ربقة
تأثير "شهرتها"
وغواية شاعرها
في عملية القياس
الشعريّ؟ ثم
ثالثاً، أن
نقرأها حرةً
من وطأة الظروف
الموضوعية
المشار اليها
آنفاً، حيث
جرت "العادة"
أن يكون لهذه
الظروف، كما
لشهرة الشاعر،
ولموضوع قصيدته،
القدرة على
أن تكون أشبه
بأوعية متصلة
مع الشعر،
فيصير جزءاً
منها، وتصير
جزءاً منه،
بحيث يُقرأ
هذا الشعر
على ضوئها
المغوي، لكن
الخادع؟ أسئلة
ثلاثة، أعتقد
أنها جوهرية
ومفيدة، بل
وضرورية لكل
قراءة شعرية،
ولكل قياس
شعري، بل أيضاً،
لكل "تأبين"
نقدي، إذا
صحّ أن نعتبر
هذه المناسبة
العشرية لغياب
الشاعر نزار
قبّاني "تأبيناً".
أسئلة
مضادة
هذا
من جهة، أما
من جهة أخرى،
فلكي تكون
هذه الأسئلة
وفيةً لذاتها،
لا بدّ أن تفضي
الى السؤال
الآتي: ما طرحتُه
من أسئلة،
كان يقترح
قراءة للشعر،
متعسفة الى
حد ما، لأنها
تقوم على "عزل"
قياس الشعرية
عن "موضوع"
الشعر، وعن
"الشهرة"،
"شهرة" الشاعر،
وعن الظروف
الموضوعية،
الخارجية،
البرانية،
التي تشيّدت
على جانب من
أسسها ومداميكها
شعريةُ نزار
قبّاني. فعلى
ضوء هذا "العزل"،
كيف تُقرأ
هذه الشعرية،
ومن أين تستقي
مكانتها الشعرية؟
وما الذي يبقى
منها؟ لأسأل:
هل يموت هذا
الشعر إذا
عزلناه عن
هذه الإشكاليات
الثلاث التي
كبّل نفسه
بها، ونحن
أيضاً لا ننفكّ
نكبّله بها؟
لأجيب جواباً
ليس من حقّه
أن يكون قاطعاً،
بالسلب أو
بالإيجاب،
بل "واجبه"
أن يحتاط،
على طريقة
الأسئلة الآنفة،
لكي يكون احتمالاً
لمقترح تأسيسي
لكل قراءة
مماثلة، في
مناسبة مماثلة.
بل وخارج كل
مناسبة.
جوابي هو على
طريقة تفكيك
الأسئلة أيضاً:
أين كان الشعر
العربي قبل
نزار قبّاني؟
أين كان هذا
النوع من الشعر
تحديداً؟ وأيّ
دور خاص اضطلعت
به تجربة هذا
الشاعر؟ وأيّ
إضافة؟
الجواب "جاهز":
كان هذا النوع
من الشعر مغرقاً
في ماضويته،
وتقليديته،
وقد جعله نزار
قبّاني راهنياً،
وابناً للحظته
وزمنه. وكذا
كانت لغته.
هذا جليّ جداً،
حتى ليبدو
أن شعرية قبّاني
تبالغ في لحظويتها،
حيث الزمن
الشعري هو
زمن معيش بالكامل،
واقعي، وإن
محلوماً أيضاً.
فحتى الحلم
هو حالة واقعية
في شعر قبّاني.
وهذه لا بدّ
أن تُحسب في
اعتبارها فضيلة
في القياس
الشعري عند
هذا الشاعر.
لكن شعرية
قبّاني لا
تكتفي بقياس
راهنيتها الزمنية،
فهذا فضلٌ
يشترك فيه
شاعرنا مع
كثيرين، بل
هو من طبيعة
الشعر والشعراء.
إذاً، أين
تكمن شعرية
الشاعر الجوهرية؟
أنظروا ها
هنا: لم يكن
نزار قبّاني
ظاهرةً عادية
في الشعر العربي
الحديث. أقول
"الحديث"،
وأعني ذلك.
فهو مؤسس أيضاً
من مؤسسي الحداثة
الشعرية الكبار.
وإن من وجهة
مغايرة للمعنى
التاريخي السائد
الذي ربط هذه
الحداثة بقصيدة
النثر.
قصيدة نزار
قبّاني هي
أيضاً قصيدة
نثر. قصيدة
نثر، موزونةً
ومقفّاة، ما
يجعلها شعراً
ونثراً في
آن واحد.
وهي قصيدة
نثر، محكيةً
ومرويةً على
غرار القصص
والحكايات،
ما يجعلها
قصيدةً وقصةً
في آن واحد.
هاتان صفتان
جليلتان ومفردتان
في القياس
الشعري، لم
يُعطَ شعرٌ
آخر في زمن
منتصفات القرن
العشرين، وما
بعد، أن وُصف
بهما، وأن
"احتل" لغةً
شعرية، أو
بعض لغة شعرية،
بسببهما. فضلاً
عن القلوب.
فيهما، أي
في هاتين الصفتين،
وبسببهما،
ولأجلهما،
قد يكون من
الموضوعي ومن
المناسب جداً
أن نقيس شعرية
نزار قبّاني
العالية. وأن
نعيّنها.
صفتان شعريتان
فريدتان، على
بساطة، وألفة،
ومرونة، وطواعية،
وسلاسة، وانسياب،
وموسقة، وعلى
لغة قريبة
المتناول،
حكواتية، واقعية،
حلمية، قلّ
نظير فعلهما
في القصيدة.
صفتان فاعلتان
وبعيدتا الغور
في استنباط
خصوصية الشعرية
القبّانية،
وفي جعل أثرها
المحوِّل يتغلغل
في اللغة الشعرية،
موسِّعاً ملاعب
حداثتها، وشرط
النثر الحاسم
فيها.
في هاتين الصفتين،
لا بدّ للتفكيك
النقدي من
أن يأخذ مجراه،
وأن يذهب بعيداً،
وأن يدرس،
ويحلل، ويقيس،
لأن من حق شعرية
نزار قبّاني
على كل قراءة
أن تقيم نوعاً
من التوازن
بين ما "يعطب"
هذه الشعرية
القبّانية،
وما يحييها.
بين ما يفد
من خارج الشعرية،
وما يولد من
داخلها. بل
من الصميم
الصميم.
ثم، قد يكون
من المناسب
إضافة صفة
شعرية أخرى،
جرت عليها
أقلام الشعراء
والأدباء والنقاد،
تقريظاً ومدحا:
صفة المخملية
التي أنتجت،
أو حاولت أن
تنتج طبقة
أريستوقراطية
- بورجوازية
في الشعر والشعراء،
فضلاً عن المساهمة
في إنتاج طبقة
مماثلة في
المجتمع، بالتكافل
والتضامن مع
معطيات الرفاه،
رفاه القلب
والحالة ورفاه
العيش، هنا
وهناك في العالم
العربي، وفي
باريس ولندن،
وسواهما.
انطوت هذه
الشعرية الأريستوقراطية
- البورجوازية
على خلفيات
حلمية وتغييرية،
لعلها كانت
تطمح الى توسيع
مدارك هذه
الصفة لتحدث
تحويلاً بالشعر
في المجتمعات.
وأخشى أن تكون
انكسرت، وأخشى
أن يكون انكسارها
سبباً من أسباب
خفوت الحالة
الاريستوقراطية
– البورجوازية
في بعض المجتمعات
العربية، بما
انعكس خفوتاً
في قياس الوهج
القبّاني في
الشعرية الراهنة.
كان الزمن
زمن الأربعينات
والخمسينات
والستينات
والسبعينات،
زمن الهزائم
وحركات الخروج
والتمرد والحداثة،
وزمن بيروت،
والثورة الشعرية.
لم يكن نزار
قبّاني غريباً
في ذلك الزمن،
بل كان في قلبه،
وعلى طريقته.
وإذا كانت
طريقته تلك
لم تعد تجد
فسحة جليلة
لها في فضاء
الشعرية العربية
الراهنة، وفي
فضائها النقدي،
لأسباب شتى
ليس أقلها
ثورة التكنولوجيا
والعولمة،
فإن ذلك مدعاة
لإعادة طرح
الأسئلة التي
جعلتُها عماد
هذا التأمل
الاستذكاري،
بغية استدراجها
الى محاولة
استخلاص الاجوبة،
او احتمالات
الأجوبة.
قد لا أسمح
للقياس بالأسئلة
أن يصطاد نزار
قبّاني شاعراً
كبيراً. لكني
لن أسمح لهذا
القياس أو
لغيره بأن
يصطاد الشعر،
والشعرية،
ويصطادنا.
بمعنى أن لا
تكون الأسئلة
ذريعة للتعمية
والتزوير والتشويه
والتنكيل،
ولأكل الحقوق
الشعرية وهضمها
وسرقتها. لا.
بل أن تكون
مدعاة للتفكير
الدائم في
الشعر.
لهذا السبب
بالذات، أقول
لكَ شكراً
يا نزار قبّاني
في عشرية غيابكَ
هذه. شكراً
لأن شعريتكَ
لا تزال تدعوني
الى أن أقيسها.
وأن أفكر فيها.
وفي الشعر.
وإنْ كنتَ
في موقع مضاد.
أي في شعرية
مضادة.
فهذا أيضاً،
شكلٌ من أشكال
الوفاء للشعر
مطلقاً. ولهذا
الشاعر الكبير
تحديداً
عقل العويط
/ شاعر وكاتب
لبناني