حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

من الشعر الأمريكي الحديث

روبنسون جيفرز
Robinson Jeffers
(1887-1962)
تألّقي، يا جمهوريةَ العدمِ

بينما تتوطُّدُ أمريكا هذه في إطار سُوقيَّتِها، وتَتَنامى بقوةٍ

بانية امبراطوريَّتَها

وليس الاعتراض عليها إلا فقاعةً في كُتْلَةٍ مَنْصَهِرَةٍ، تَفور وتَغلي

فتقوى بها الكتلةُ.

أذكرُ بحزنٍ وأنا أبتسمُ أنَّ الزهرةَ تذبُلُ لتعطيَ فاكهةً

والفاكهةُ تتعفَّنُ لتعطي أرضاً.

ومنِ الأرض الأمِّ، وعبر ابتهاجاتِ الربيع، يكونُ النُّضْجُ

والتَّفَسُّخُ، ويصيح الوطنُ أمّاً.

أمّا أنتِ يا مَنْ تُسرعينَ وتَحثِّينَ خُطاكِ نحو ذاكَ الفَنَاءِ: فإنَّكِ لا تستحقينَ اللَّومَ؛ والحياةُ خيرٌ

فَعيشُهَا بعنادٍ مدةً طويلةً أو لبُرهةٍ

ألقٌ فانٍ، ولا حاجَةِ للشهبِ أكثَر من الجبالْ:

فاسطعي، يا جمهوريةَ العدمْ.

أما أنا فإنني سأبقي أطفالي بعيدينَ عن

بؤرة الفسادِ المُتنامي

ولا يكونُ الفسادُ غَصباً، فعندما تركعُ المدنُ تحتَ أقدامِ الوحوشِ

تبقى هناكَ الجبالُ أبيةً.

فيا أولادي، لا تعتدلوا في شيءٍ إلا في حبِّ أخيكم الإنسانْ،

أخيكمُ العبدِ الذكي، السيِّدِ الذي لا يُطاقْ.

فهناكَ يكمنُ الشَّرَكُ الذكي الذي يُوقِعُ بأنبلِ الأرواحِ

النسور الجريحة

-1-

دعامةٌ مكسورةٌ لجناحٍ متدلٍٍ تبرزُ منَ الكتفِ الجريحِ

يتجرجرُ الجناحُ على الأرضِ كبيرقٍ مَهْزومٍ

من الآنَ لنْ يشقَّ عنانَ السماءِ بل سيعيشُ للجوعِ

والألمِ بضعةَ أيامٍ: لا القطُّ ولا الذئبُ

سيقصرانِ فترةَ انتظارِ الموتِ، فهناكَ لعبةٌ دونَ

مخالبٍ.

إنه يقفُ تحت شجيرةِ السِّنديانِ، ينتظرُ

وطءَ أقدام خلاصِهِ العرجاءِ؛ وفي الليلِ يتذكُر الحريةَ

ويحلقُ في حلَمٍ يمحَوهُ بزوغُ الفجرِ

إنه قويٌ، والألمُ سيءُ للقويِ، والعجزُ أسوأُ.

وكلابُ النهار اللئيمةُ تأتي لتُعذبَهُ

وعن بعدٍ، لا أَحدَ سوى الموتِ المخلّصِ سوف يُذِلُّ

ذلِكَ الرأسَ،

ذلكَ التأهبَّ الجريءَ، وتلكَ العيونَ الرهيبةَ.

وإلهُ العالم الوحشيِ رحيمٌ أحياناً بسائلي الرحمةْ

ولا يكون كذلكَ في الغالبِ مع المتكبرينْ.

أيها الناسُ أنتمُ لا تعرفونه، أو إنكم قد

نَسيتموهُ.

النسرُ الهائجُ المتوحشُ يتذكرُه.

إلهٌ رائعٌ ضارٍ، النسورُ الجريحةُ والناسُ المحتضِرونَ

يتذكرونه دوماً.

 

-2-

وفيما عدا العقوباتِ، أُحَبِّذُ أنْ أقتلَ إنساناً في الحالِ على أنْ أقتلَ صقراً، ولكن

لم يبقَ للذيلِ الأحمرِ الكبير سوى عَجزٍ بائسٍ نلحظهُ

في العظمِ الذي تهشمَ إلى حدٍ لا يمكنُ فيه ترميمهُ

نراهُ في الجَناحِ الذي تدلى تحتَ المخالبِ حين يتحرك الصقر.

لقد أطعمناهُ ستةَ أسابيعَ، ووهبناهُ الحريةَ،

فحلقَ فوق الهضبةِ القريبةِ وعادَ في المساءِ، طالباً الموتَ،

لكنِنهُ لمْ يطلبِ الموتَ كمتسولٍ، ولا يزالُ الكبرياءُ القديمُ ماثلاً في عينيه.

وقَدمتُ إليه هديةً من الرصاصِ قُبيّلَ الشروق.

وهوى جسدُ الصقر بريشه الأنثوي الناعم الأملس كملاسةِ ريشِ البومِ،

لكن الروح المندفعة المتوحشة حلقت عالياً:

فارتعبتْ طيور مالك الحزين الليلية على جوار النهر الفائض

منَ الخوفِ عندَ ارتفاعِ تلك الروح المنتفضة

قبلَ أن تنسلخ نهائياً عنِ الواقعِ.


ارشيبالد ماكليش
Archibald MacLeish
(1892-1982)
فن الشِعر

على القصيدةِ أن تكونَ واضحةً وخرساءَ

كفاكهةٍ مدوَّرةٍ

بكماء.

كالرصائعِ العتيقةِ في الإصبعْ.

صامتةً كأطرافِ الصخرةِ الهرئةِ

ذاتِ الحوافِ المُفَرغةِ حيثُ ينمو الطُحلبُ

على القصيدةِ أن تكون صامتة

مثلَ تحليقِ الطيورْ.

على القصيدةِ أنْ تكونَ ساكنةً في سيرانِ الزمانِ

كما يصعدُ القمرُ،

تاركاً في صعوده أغصانَ الأشجار التي يَلفُّها الليلُ غصناً بعد غصنٍ

تاركاً الذهنَ خلفَهِ ذكرى بعد ذكرى مثل أوراقِ الشتاءِ-

على القصيدة أنْ تكونَ ساكنةً في سيرانِ الزمانِ

كما يصعدُ القمرُ.

على القصيدةِ أنْ تكونَ مساويةً:

للكذبِ.

من أجلِ كلِّ تاريخِ الأسى

درباً خالياً وورقةَ شجرٍ

من أجل الحبِ

والأعشابِ الغضّةِ وضَوءين فوقَ البحرِ

على القصيدةِ ألا تعنيَ

ولكن أن تكون.


ستيفن كرين
Stephen Crane
(1871-1900)

هيأَ اللهُ سفينةَ العالمِ بعنايةٍ

وبمهارةِ الزعيمِ العظيمِ الأبديةِ

صنعَ هيكلِها وشِراعَها

ثم أمسكَ بالدّفَةِ

استعداداً لتوجيهيها

ووقفَ مُنتصباً متشامخاً متأملاً ما صنعْ

وفي لحظة حاسمةٍ دوى صوتٌ يوحي بوقوعِ ظلمٍ

فاستدارَ الإلهُ ليرى ما حدثَ هناكَ

وفي هذه اللحظةِ أفلتتِ السفينةُ منه بمكرٍ ودهاءٍ.

وأبحرتِ السفينةُ إبحاراً غريباً

راحتْ تدورُ وكأنَ لها هدفاً جِدِّياً

أمام الريحِ الهادئةِ

وكان كلُّ مَنْ في السماءِ

يضحكُ من هذا المنظرَ

لكنَّ السفينةَ لا يُنقذُها إلا اللهُ.

 

-من مجموعة "الخيالة السود وأبيات أخرى" التي صدرت عام 1895:

-1-

جاءَ الخيالةُ السودُ من البحرِ

وعلا رنينُ الرماحِ وصليلُ الدروعِ

وعلتْ قرقعاتٌ المهاميزِ وأصواتُ الحوافرِ

وصرخاتٌ وحشِيةٌ وموجَةٌ من الشَعر

في الاندفاعِ فوقَ الريح:

إنه ركبُ الخَطيئةِ.

-56-

كانَ شخصٌ يخافُ أن يصادفَ في طريقهِ قاتِلاً؛

وكان شخصٌ آخرُ يخشى أن يُصادفَ ضحية.

أحدُ هذين الشخصين كانَ أذكى من الآخر.

-42-

كنتُ أمشي في الصحراءِ

صرختُ:

"ياربُّ، أَخرجني من هذا المكانِ"

دوى صوتٌ مجيباً: "لكنَّ هذا المكانَ ليس صحراءَ"

صرختُ مجدداً: "ياربُّ، ولكنْ-

ألا ترى الرمالَ، والحرارةَ، والأفقَ الخالي

علا الصوتُ مجيباً: "نعم، ولكنها ليستْ الصحراءَ".

-111-

في الصحراءِ

رأيتُ مخلوقاً، عارياً، متوحشاً

كانَ يفترشُ الثرى

وكانَ يحملُ قَلبه بين كفيه

وكأنَ يأكلُ منه

قلتُ له: "أهو طيبٌ، أيها الصديقُ"

أجابني: "إنه مرٌ -مرْ

ولكني أحبه

لأنه مرٌ

ولأنه قلبي".


ماريان مور
Marianne Moore
(1887-1972)
الشــــعر

أنا أيضاً لا يروقُ لي: ثمةَ أمورٌ هامةٌ وراءَ كلِّ هذا

الهُراءْ.

على كلٍ فعند قراءتهِ بازدراءٍ تامٍ يكتشفُ المرءُ بعدَ كلِّ ذلك

مكاناً لشيءٍ حَقيقي.

ففي الأيدي التي تستطيعُ أن تتماسكَ، أو في العيونِ التي تستطيعُ

أن تحملقَ، أو في الشعرِ الذي يطيرُ

تكونُ الأشياءُ هامةً إذا كانَ لابدَ منها،

لا لأن تفسيراً رناناً مُعبّراً يمكنُ أن يصاغَ حولها بل لأنها أشياءٌ

مفيدةٌ.

وعندما تُصبحُ هذه الألفاظُ متولدةً من بعضِها حتى يصبحَ فَهمُها صعباً

يمكنُ أن يقالَ لنا جميعاً الشيءُ نفسُه: إنه

لا يروقُ لنا شيءٌ لا نستطيعُ فهمَهُ،

فمن الصعبِ أنْ نفهمَ لِمَ يتعلُق الخفاشُ ورأسُه إلى الأسفلِ

أو عندما يبحثُ عن شيءٍ يأكله

أو عندما تشقُ الفيلةُ طريقَها، أو عندما يَعدو حصانٌ بريٌّ،

أو عندما يكمنُ ذئبٌ تحت شجرةٍ بلا كللٍ

أو عندما لا يبرحُ ناقدٌ ساكنٌ ينتفضُ كحصانٍ لسعه برغوثٌ،

أو عندما يشجعُ البعضُ كرةَ البيسبول، أو عندما لا يستطيعُ إحصائيٌّ

أن يميزَ بين وثائقِ رجالِ الأعمالِ وكتبِ المدرسةِ؛

كلُّ هذه الظواهرِ مهمةٌ.

وعلى المرءِ أن يميّز، ولكن عندما يُؤخذُ ببريقِ أنصافِ الشعراءِ،

فإن النتيجةَ لا تكونُ شعراً،

ولا يمكنُ أن نحصلَ عليه حتى يكونَ الشعراءُ من بيننا أدباءَ مُخَيّلةٍ

يرتقونَ بمخيلاتهم فوق الغطرسة والتفاهةِ

ويقدمونَ لنا ويخلقون حدائقَ خياليةً فيها ضفادعُ حقيقيةٌ،

عندها سنحظى به.

فإن كنتمْ في هذه الأثناءِ تطلبونَ أولاً المادةَ الخامَ للشعر بكلِ فَجاجتَها.

وأن تكونَ ثانياً شيئاً حقيقياً غيرَ زائفٍ، فأنتمْ إذنْ مهتَمونَ بالشعر.

 

ترجمة: د.فؤاد عبد المطلب - 05.12.2004 - خاص بالإمبراطور


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri