حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

رجل القمر

شعر بيلي كولينز

مقدمة للشعر

أرجوهم أن يأخذوا قصيدةً

ويعرِّضوها للنورِ

كأنها شريحةٌ مصوَّرةٌ

أو يضعوا آذانهم على طنينها.

أقول لهم أسقِطوا في قصيدةٍ من القصائدِ

فأرًا

وانظروا كيف يتحرِّى لنفسه مخرجًا،

أو امشوا في غرفةِ القصيدةِ

وتحسسوا الحيطان بحثا عن مفتاح النور.

أريد لهم أن يتزلجوا

على صفحة نهرِ قصيدةٍ

مُلَوِّحين لاسم كاتبها البعيد على الشط.

لكن كل ما يريدونه

هو أن يقيدِّوا القصيدة في مقعدٍ

ويعذبوها إلى أن يحصلوا منها على اعتراف.

يبدءون ضربها بالخراطيم

ليكتشفوا ما الذى تعنيه في الحقيقة.

إلى غريب يولد في بلدٍ بعيد

بعد مئات السنين من الآن

"أكتب لغريب يولد في بلد بعيد بعد مئات السنين من الآن"

ماري أوليفر

لا أحد هنا يحب كلبةً مبلولةً.

لا أحد يريد شيئًا من كلبةٍ

بلَّلها المطرُ وهى بالخارجِ

أو بلَّلتها البحيرةُ إذ تستعيد العصا.

انظروا

كيف تحوم الليلةَ في الحانة المزدحمةِ

كيف تنتقل من شخصٍ لآخرَ

عساها تنال تربيتةً على الرأسِ

أو دعكةً خلف الأذنينِ،

شيئًا

بوسع يدٍ واحدةٍ أن تمنحه

دون أن ينقطع الكلام.

لكن الجميعُ ينهرونها،

بعضهم بركبته

والبعض بسِنِّ الجزمةِ.

حتى الأطفالُ

ـ الذين لا يدركون أنها مبلولةٌ

إلا عندما يذهبون للتربيت عليها ـ

ينهرونها

ثم يمسحون أكفَّهم في ثيابهم.

ومتى تتجه إليَّ أنا

ألوِّح أمام عينيها بيدي

فتستدير.

فيا غريب يا ابن الغد!

يا ذا الوجود المرجأ!

أيًّا ما يكن بنيانُُ بيتِك،

أيًّا ما تكن طريقةُ إسراعِك من إلى مكان،

ومهما تكن غرابةُ ثيابِك عديمةِ الألوان،

أراهِن ألا أحد لديك لا ينفر من كلبة مبلولة.

أراهن أن كل من حولك في الحانةِ

،بل والأطفال،

كلهم ينهرونها.

نسيان

اسم المؤلف أول ما يذهب

يليه في إذعان العنوانُ، الحبكةُ،

النهايةُ المؤثرةُ، والروايةُ

التي تصبح كلُّها بغتةً

روايةً لم تقرأها قط،

بل ولم تسمع عنها،

وكأنما الذكريات التي كنتَ ملجأها

قررت الانسحاب ذكرى إثر ذكرى

إلى نصف كوكب مخك الجنوبي،

حيث قريةٌ صغيرةٌ تعيش على الصيد لا هواتف فيها.

منذ وقت طويلٍ طبعتَ قبلةَ الوداع

على خدود ربَّات الشعر التسع،

ورأيتَ المعادلةَ التربيعيةَ تحزم حقيبتها،

وبرغم أنك لم تزل إلى الآن

تحفظ ترتيب الكواكب،

إلا أن ثمة شيئا آخر ينسرب منك،

شعار ولايةٍ ربما،

عنوان أحد الأقارب، عاصمة باراجواي.

أيًّا ما يكون ذلك الذى تجاهد كي تتذكره،

هو ليس على طرف لسانك،

ولا هو كامنٌ في ركنٍ خفي من طحالك.

لقد جرفه بعيدًا نهرٌ أسطوريٌّ داكنٌ

أول حرف من اسمه لام، وذلك أقصى ما تتذكره،

وأنت على طريقك إلى النسيان لتنضم إلى أولاء

الذين نسوا حتى طريقة العوم أو ركوب الدراجات.

لا عجب أن تنهض في جُنحِ الليلِ

لتبحث عن تاريخ معركةٍ شهيرةٍ في كتابٍ عن الحرب.

لا عجب أن يبدو القمر من الشبَّاك

وكأنه انفصل عن القصيدة الغراميةِ

التي كنت تحفظها ذات يومٍ عن ظهر قلب.

أول حلم

تحوم الريحُ كالأشباح حول البيتِ

هذه الليلةَ

وبينما أنا متكئ على باب النومِ

أبدأ في التفكير في أول من حَلُم،

كيف كسا الهدوءُ ـ لا بد ـ وجهَه في الصباح التالي

بينما كان الآخرون وقوفًا حول النارِ

مكسوِّين بجلود الحيواناتِ

يكلمون بعضهم البعض بأحرف المدِّ

فقد كان ذلك قبل ابتكار الحروف الساكنة بوقت طويل.

لعله مضى ليجلس وحيدًا على صخرةٍ

شاخصًا إلى ضبابِ

بِركةٍ

محاولاًَ أن يحكي لنفسه ما حدث،

كيف ذهب إلى مكانٍ ما دون أن يذهبَ،

كيف لفَّ ذراعيه حول رَقَبَةِ

بهيمةٍ استطاع الآخرون أن يلمسوها

ولكن بعد أن قتلوها بالحجارة،

وكيف أحسَّ بأنفاسها على رقبته العارية.

ومن جديدٍ، لعل أولَ حلمٍ

جاء لامرأة، رغم ذلك تتصرفُ

،في ظني، بنفس الطريقة تقريبا،

تنأى إلى حيث تختلي بنفسها قربَ ماءٍ.

إلا أن انحناءة كتفيها اليافعين

وإطراقةَ رأسها المنكسرةَ

تسبغان عليها وحدةً مرعبةً،

ولو أنك كنت هناك بحيث تلحظ هذا،

فربما كنتَ نلتَ الخلودَ

كأول من هام بأحزان شخصٍ سواه.

رجل القمر

كان دأبه

في ليالى الطفولةِ

أن يروعني،

ذلك الوجهُ الراشدُ الجسيمُ

الصارمُ الشاهقُ

لم أكن أقدر أن أتخيل وحدةً مثل وحدته

أو برودة.

لكنني الليلةَ وأنا أسوق سيارتي إلى البيتِ

على هذه الطرق الصاعدة الهابطةِ

أراه يغوص خلف أشجار الشتاء المنتصبةِ

ويطفو من جديدٍ، يريني وجهه الأليف.

وإذ يخلو له الأفقُ فوق الحقول المديدةِ

يبدو كأنما هو شابٌ واقعٌ في غرامِ

الأرض المعتمة.

أعزبٌ شاحبُ الوجه معتدلُ الثوبِ

يغمره الشجن،

فاغرٌ فمَه المستديرَ

كأنما منذ لحظةٍ

انطلق في الغناء.

 

ترجمة: أحمد شافعي - خاص بالإمبراطور - 19.12.2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri