حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

مُوجَزٌ عَدَمِيٌّ لِمَهَالِكِ الْمُغَنِّي

سأحاولُ الآنَ التّدحرجَ نحو منحَدَرِ اللّغةْ

حيثُ الكلامُ يدورُ كالطّاحونِ دونَ سنابلٍ

والوقت رحّالٌ إلى ساعاته فوق الجبالْ

قدرُ الجبال بأن تظلّ هناك مفردةً وثابتةً

ولي قدرٌ بأن أبقى هناك مقلقَلاً ومجزّءاً

وأنا أريدكِ أن تعيدي حَمْلَ هذا الكون من قلبِ الرّعودْ

لأعود نحوكِ تاركاً لحدائقي حريّةَ الأشجار في العالي

هنا فقد المكانُ ظلاله

هل سوف ترتاحُ الحكايةُ فوق مقعدها المسيَّجِ بالجراد

أخافُ رمي الفجرِ من شبّاكِ فوضى

لا يطلّ على سماءٍ مغريةْ

سأشيلُ ذاكرتي على ظَهْرِ الفراشةِ

وهْي تحترفُ احتراق جهنّمٍ

وأعيدُ تأليفَ القصيدةِ دونما شبقِ الزّخارفِ

فهي مقتلُ رقصتي

وأجيءُ قبل غروب ساحرتي

لأخطئ في الصلاةِ على معذّبتي

فتغفرَ زلّتي

سأحاول استئصال وجه الرّمزِ من هذيانِهِ

وأقول للّغة الفقيرة هيّئي لي مقعدينِ

بدون تأويلٍ وتحليلٍ لشكل الموتِ فيَّ

أنا المناهضُ للحجرْ

سأقبّلُ التمثالَ إن كان امرأةْ

وأعانقُ الريحانَ لو أعطى صباحي عطرَه

وأسلّم الخلجان للرّبّانِ لو شدّ السفينةَ

نحو نخْلاتٍ تحيط بمشهد التّكوينِ

خيّل يا نشيدْ

خيّل بعيداً يا نشيدُ

وسرْ وحيداً بين قطعانِ اليتامى

مثلَ طاووسٍ يغازلُ نكهةَ الأنثى

بريشٍ لازورديٍّ وأقواسِ القزحْ

خيّل بعيداً يا نشيدُ

فليسَ لي وقتٌ لأبتكرَ الفرحْ...

*

كم كان أجملَ لو تركنا الريح ذاهبةً إلى عنوانها

لتفاجئ الأشجارَ في حمامها العاري

وأجملُ لو هجرْنا كوخَنا من غير سوءٍ

وارتفعنا كالحريرِ إلى مصافِّ العارفينْ

كم كان أجملَ لو تذكّرنا بأنّا بئرُ نسيانٍ عميقْ

تُرمى به كِسَرُ الخيالِ وفَضلةُ الحلمِ العتيقْ

لكننا اخترنا نهايتنا

وعطَّلنا الكواكبَ والمدارْ

زُرْنا بقايانا، حَسِبناها طيوراً غضّةً

لا تقتلوها واقذفوها في عروق الأفقِ نبضاً أبيضاً

زرنا بقايانا... عددنا كم لبِثْنا في كهوفِ الصّمتِ

أرسلنا بثالثِنا ليُحضِرَ وردةَ المعنى

من السّوقِ البعيدِ فلم يعدْ...

كم كان أجملَ لو طوَينا البحرَ في أيقونةٍ زرقاءَ

نُهدِيها لماريّا لنُرْجِعَها لمهنتها القديمةِ

في اصطيادِ العاشقين ودَلْكِهِمْ بالموج

حتّى يخضَعوا للعِطْرِ مثل الياسمينْ

لكننا جُبنا بحاراً شدّها التيّارُ من شطآنها

فهوت بلا سفنٍ ودون نوارسٍ

كم كان يحملنا إلى الماضي حنينُ الزرقة الخضراءِ

نغْلِقُ نفسَنا ونحصّن الشهواتِ بالنّايِ الفقيدْ

يا قاطفَ التّفاحِ من قنديلِ سيّدةِ الأعالي

لا تعد لخطيئةٍ تودي بنا في الأرضِ ثانيةً...

مللنا الموتَ مجّاناً

وأجملُ لو كسرْنا الانتظارَ كجرّةٍ مهجورةٍ من عهد بابلَ

لا نديمَ يلمّ عن جدرانِها أصداءَ موتاهُ

ولا خمرٌ يرممها ولا أسطورةٌ...

كم كان أجملَ لو أعدناها إلى فجر الحكايةِ

وهو يهربُ من مطاردةِ النخيلْ

ذهبت بنا الذكرى قريباً من هواءٍ سومريٍّ

كان ينعشُ روح حصّادين يغتنمون أن الوقت تموزٌ

وأنّ الحبَّ يترعُ خمرَه كوزٌ

بكفّ الشاربين الطّيبينْ

وبأنّ عشتارَ اليتيمةَ غادرت زيَّ الحدادِ

وواصلتْ عصْرَ النّبيذِ وقدّمته بمجمع الأربابِ

للبعلِ الكبيرْ

ذهبتْ بنا الذكرى إلى بستانِ لذّاتٍ

دخلنا في فحيحِ عبيرِها

نشتمُّ أصنافاً وألطافاً ونمعنُ في الثَّملْ

ونعيد توزيع الكؤوس بحسبِ أمزجةِ العسلْ

والآن ندخلُ في القيامةِ وهْيَ عاطلةٌ

وشاعرها الوحيدُ مضرّجٌ بقصيدةٍ نقَصَتْ مفاتنُها

تفرّق شيعةً قرّاؤها واستقبلوها بالحروبْ

الآن نزعمُ حكمةً ونشيخُ مثلَ صنوبرٍ عفِنٍ

تساقط في السهولْ

الآن قلتُ

وبعد هذا ما أقولْ؟

*

أشرقتُ قبل الشمسِ ثم مشيتُ متّكئاً على الذكرى،

وقلتُ لحارسي:

أحتاجُ أن تتخفّف الأعباءُ مني

لن أستطيعَ الآنَ إغراءَ الوجودِ فتلك ليلى شيّعتني

لم تنتظرني كي أعودَ من الحنينِ إلى يديها

فاستمعتُ إلى معلّقة الوداع وكان يقرؤها الظلامْ

فخسرتًُ من أسمائها الاسم الأخيرْ

ورميتُ من أبوابها زوّادة الموتى التي نفدت براءَتُها

وما عادت موائمةً لتزيين القبورْ

لا أستطيعُ الرّكضَ في المجهولِ أكثرَ

كلما قلتُ انتهيتُ لحكمةٍ

فاجأتُ قلبي فارغاً من أي مأوى للمعاني

وسمعتُ هاتفةً على شجرٍ تنوحُ:

جميعنا وترٌ يعلَّقُ بين شاهدتينِ

فاطربْ قبل حِرْمانِ المزيدِ من الأغاني

وسمعتُ شاهدةً تصيحُ:

ضيَّعتُ قبري وارتطمتُ بغيره...

حتى الشَّواهد – يا زمان الفقد – تهدِمُ كلَّ أندلسٍ

وتبحث عن مكانِ

*

أنا لستُ مذهولاً لشيءٍ

لستُ مصدوماً بشيءٍ

لا أصدّقُ أيّ شيءٍ

ليس لي شيءٌ لأشعرَ بالتشيّؤْ

روحي اضطرابٌ مخمليٌّ قاتلٌ

لا شكّ أنّ هناكَ مذبحة تخصّ رحيقَ وجداني

ولكنْ ليس من حقّي ممارسةُ التقيُّؤْ

لا رحلةٌ قبلي ولم تُخْتَمْ بصاعقةٍ...

فكيف أحجّ في المعراجِ؟

لا... لن يستطيعُ الحجّ تلبيتي

أنا الدّورانُ حول النورِ منطفئاً

أنا هذيانُ تكبيرٍ

"بلالٌ" شقَّ حنجرتي وأطلقَني أذاناً

فوق وديانٍ يعزّي بعضها بعضاً...

فكم يتكلّف الشعراء زخرفة الوجودْ

وهو الذهابُ السّرمديُّ إلى العدمْ؟

هل أستطيع الآن إقناعَ الوجودِ

بأن يجدّف مرة أخرى عليّ؟

وهل أصدّق صوتَ حسُّونٍ يقلّدني

وليست بي غرائزُ للحياةْ؟

وأنا تبلّغتُ الرسالةَ قبلَ سنّ الأربعين

بأنّ هذي الأرضَ تابوتُ اليقين

فما الذي سيضافُ بعدَ الأربعينْ؟

طفلان لي / لي زوجةٌ / وقصائدٌ / وحرائقٌ

لكنني زوجُ السّرابِ من الأنين إلى الأنينِ

وصدّقوني كانَ حلمي أن أذيب الياسمينَ على يدي

لأعطّر الدنيا

فما ذنبي إذا ضيّعتُ سرّ الياسمينْ؟

قالت متيّمةٌ بأني لستُ شاعرها

فقلتُ: ولستِ بوصلةَ الخيالِ

فأجهشتْ برنين دمعتها وقالتٍ:

أنت من حجرٍ وفي حجرٍ تقيمْ

قاسٍ أنا

لكنني هشٌّ كطفلٍ خاسرٍ ألعابه

يبكي وحيداً عند سور البيتِ

يحسبه ذووه مخرّباً

وهو الذي يبني الوجودَ على مقاس جنونِه

يختارُ حتى شكلَه الثّاني

ويختارُ الهروبَ لغابةٍ أخرى

ولكنّ الصباحَ يشحُّ والأسوارَ تعلو

كيف لا يبكي إذاً

ويداه محراثانِ ينتقلانِ في أرضٍ من الأوهامِ

يفتتحان أضرحةً

ويصطادان لا جدوى هنا ودماً هناكْ

قاسٍ

ومن نغمٍ رخيمٍ أدّعي ذكرى مهشّمةً

ليُدخلَني إلى طقسِ الهلاكْ

ويثيرني قمرٌ يكفِّنه سحابْ

قاسٍ ولكن كلّ ما بي

مُلكُ مولاي الخرابْ

أنا لن أجازفَ مرّةً أخرى بتحميلِ الرياحِ رسائلَ النّهوند

فلتَعُدِ القصائدُ من أماكنها إليَّ

ولتنبه مرآةُ ليلى قبل هذا الصيفِ

ألاّ وجه لي سيليقُ بالقصص الغريبةِ

لستُ ميزاناً لتعديل الحروبِ أو الحبيبِ

أنا مظاهرةٌ سأهتفُ ضدّ نفسي

قبل أن يجتاحَني قصْفٌ حضاريٌّ

ولستُ هوايةَ المهووسِ ضاجَعني وبالَ عليَّ

صنّفني أحطَّ من الهنودِ الحمرِ

فزّرَني وقالَ المغفرةْ

أنا لستُ بوذيّا ولستُ مؤهّلاً

لأكون ابناً لابن مريمَ أو محمّدَ

إنّني جرذٌ وجوديٌّ

سيبلى العمرُ فوق هلامه قبل العثور عليَّ

لن يجد المنقِّبُ أي لقيا من عظامي

حتى ولا كتبُ الرواة ستستفيضُ بذكرِ مأثرَتي

ولن يجدوا خلال البحرِ لا صَدَفاً يدلّ عليّ

أو سمكاً تحوَّلَ بي

ولن يعطي المفسّرُ أي شرحٍ لي

فلا الأسمالُ برهانٌ ولا كلّ الأسامي

أنا سلحفاةُ الكونِ تركَبُها جلالةُ يأسِها

وتسيرُ أبطأَ من سكاكين المنامِ

لا تبحثوا عنّي

فلا معناي مكتملٌ ولا شكلي مثيرُ

كانت جذوري ها هنا

والآن لي شجرٌ هجينٌ لا تؤسّسه جذورُ...

فأنا المجازرُ

هيــــــــه...

وقتلي فرجة كونيَّةٌ

هيـه هيـه...

وربّي ليس يملك فسحةً للانقضاضِ سوى عليَّ...

بلى

وربٌّ مبتلى مثلي بلاهوت الدماءْ

يا ربّ لا تغفرْ فذنبي فوق عفوكَ

والوصايا لن تطوّب جثتي

لدخول فردوسِ السماءْ

واثبتْ على ما أنتَ فيه

فلستَ وحدكَ من يؤرّقه الصراعُ على البقاءْ...

*

أشرقتُ قبل الشمسِ

كانت خطوتي ريحاً تحزّ وريدَ ذاكرتي

وأمّي حلَّ في إيقاعها وحشٌ عقيمْ

أخرجتُ جثّتها من الثّلاجةِ الصّماءِ

فاهتزّت كأنّ على أصابعها الجحيمْ

هل أستطيع رثاءَ أمّي وهْي لغمُ الحزنِ وانفجرت بنا؟

وهي الرسائل دائماً تلغي عناوين الوصولْ

لم يبق شبرٌ واحدٌ فيها ولم يعطَبْ

كأنَّ شعارَها عطبٌ شموليٌّ عظيمْ

الشعرُ حولي أصدقاءٌ ذابلونْ

وهناك طيفُ أبي أراه حائماً بالنعشِ

أحضرتِ المقابرُ فجأةً ميراثها

ومضت ترحّبُ بالضيوفْ

وتقدّمُ المأوى وتسليةً لوحشة نفسها

لكنني منْ بعدِ نفض النعشِ من أطيافها

أبصرتُ في تابوتها دمَها...

أقول دماً ولا أعني مجازاً

تلك أمّي آخرُ الأشباح في ليلي

تطوف على النوافذ كالشّهابِ المدلهمِّ

وتلك أمّي

أرجوك لا تدعي جوارك لي مكاناً آخراً

لم أخترع للموتِ أيَّ مؤونةٍ

ليخفَّ وزنُ النَّعشِ

أو لأريحَ حفّارَ القبورْ

فأنا ضئيلٌ فوق ما تتخيّلينْ

أنا ليس يلزمني سوى ثقبٍ بنايٍ كي يطيّرني الأنينْ

حتى بلوغ المشتهى في قطرة عجفاء في شط العربْ

أو رملةٍ خرساء في أرض النقبْ

أنا لا أكنُّ سوى سلامٍ أزرقٍ لأبي احمليه

وأخبريه بأنني ما زلتُ أشرب طاسة الرعب التي

امتلأت نقوشاً أو بلاداً أو رموزْ

ودعيه يكملْ سيرةً منقوصةً ويقولُ:

ها قد عدتِ أيتها العجوزُ إلى العجوزْ...

*

هذا خيالي قطّعتْ أوصالَه الخضراءَ سكّين الجنونْ

والشعرُ إما أن يكون مبرّأً من أي غشٍّ فاسدٍ

أو لا يكونْ

من أجلِ هذا قلتُ:

لي أمٌّ فلسطينيَّةٌ تلدُ المنازلَ من جِرابِ الذكرياتْ

وأقولُ لي أمٌ على الليلِ المخيّم بين دجلةَ والفراتْ

أمٌّ تدرّبُ كربلاءَ على الحياةْ...

أمٌّ وفي أهدابها أجراسُ أمواتٍ

منافٍ في يديها

وعلى مدى نظراتها قبرٌ جماعيٌّ بحَجْمِ الرّملِ في شريانِها

وعلى أظافرها مشى الحرّاسُ

مذعورين من إحساسها السّريّ أنّهمُ جناةْ

وبأن ابنَيْها هناك معلّقان كصرختين يتيمتين على الفلاةْ

وبأن خرفانَ الصّحارى لامستْ وقتَ الضّحى

جثثاً بلا عدٍّ فجفَّ حليبها الباقي...

وأمّي شاهدٌ ماتت وما اعترفت

ولكن سمعتُ الروحَ منذ سنين تعوي في مجاهلها

وتعلن أن صحراء الظنونْ

كذبتْ عليها...

من يصدّقُ أن أمّاً يُعدَمُ ابناها ويخطىء حدسُها؟

صحراء ذاكرةُ الأمومةِ

إنّما النفسُ الذّبيحةُ نفسُها...

والفرقُ بين ملامحِ الموتى خفيفٌ:

قد نموتُ من الرّصاصِ

وقد نموت من العناقِ

وقد نموت من الطغاةِ

وقد نموت من الغزاةِ

وقد نموت من اليمين أو الشمال أو الوسطْ

لكنَّ موتاً واحداً... موتاً فقطْ

"هزم المعانيَ والفنونَ جميعها"

الموتُ من فرْطِ الفراغْ

هو وحده يعني انفجاراً في الدماغْ

هو وحده يعني النّفورَ من الوجودْ

هو وحده الإحساسُ باللاّ شيء

واللّوبانُ

والتَّلفُ النّحيلْ

وهو الدخول بدون معنى في مجابهةِ الرحيلْ

وهو انبثاقُ البؤبؤين يدوّران الوقت كي يمضي سريعاً

مترعاً بالزنجبيلْ

الموتُ من قهرٍ هو الموت النبيلْ...

*

كم كان أجملَ لو تأمّلنا هنا القبرَ الغريبْ

لا وقت عند الكائناتْ

ليشاهدوا غدهم هنا

وبأنّ فحوى الموت أصدقُ من نبوءتنا

ومن ندمٍ على مجد الحياةْ

*

أشرقتُ قبل الشمسِ

كان الكونُ أدراجاً لخطْواتِ الظلال

تسيرُ في ضوءٍ هزيلٍ مستكينْ

وهناك حولَ القبرِ كنا شاحبينْ

نتلو على روحِ الغيابِ أم الحضور؟

تجمّع الموتى حوالينا

ـ صباح الخير

فابتسموا...

رأيتُ جميع موتى العائلةْ

يتهافتون على مصافحتي...

ارتعدتُ...

وقلتُ للشعرِ: انتظرْ

حتى أرتّب قبرَ قافيتي لأسقط فيهِ

مثلَ فراشةٍ ظلّت تعبّ النورَ حتى أُتخمت بالليلِ...
يا أمي وداعاً

واغفري لي إن أردتِ... لتغفري لي

نامي ولا تتساءلي عني

فإني عائدٌ كالمسخ للنّفقِ الطويلِ.

 

محمد علاء الدين عبد المولى - 27.12.2004 - خاص بالإمبراطور


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri