حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

يمضي المساء..

وأنا، سأغرق في جدول الألوان

سيأتي المساء..

ووعدنا أن يأخذني إلى أزقة الألوان،

حينها يعتدل الجو،

حتى نشمّ سوية في حقلٍ لأزهار عبّاد الشمس

رائحةَ إبط تلك الزنابير، التي

ترتفع منها رائحة البطيخ الناضج،

ولنقولَ لأسراب الغربان في طريقنا: مساء الخير.

ونمسك بأجنحة تلك النملات المتمرغة في التراب،

حيث تنزلق من على أوراق جرجير الماء اللزجة

إلى خرير الوادي عطشاً.

ولنقولَ لسرطان البحر، لاتحزن من

دلال تدفق الماء

علينا ألا ننسَ اليرابيع، كي نقول لها:

أن الوقت متأخر، فاخرجي.. سنذهب نحن.

سيأتي المساء، وسيأخذني معه؛ أعرف ذلك.

سيأخذ بيديّ، وسيقول لي: علينا قبل ذهابنا

زيارة بيت الصمت،

ننهل له من بئر الخيالات سطلاً من الماء،

ونقول مساء الخير.. سنذهب نحن

وقد آن أوان إرواء الوحدة.

اني على عجل، والمساء يقول لي:

علينا ألا نتركَ وراءنا

عتاب البومة، ونقول لها:

أديري رقبتك، حتى نغيب عن الأنظار،

لنسلّم على القطا والقمري والحجل،

ونهز رأسنا للقبّرة.

نفتح شقاً في باب عين القطة، ونقول لها: لاتعاندي.

نستمع إلى زقزقة قلب أشجار الصنوبر، ونقول لها:

يالرحابة صدرك.

فلننفخ على حزّات البطيخ الأحمر، على صينية العصر، بتؤده،

ونمعن النظر في وجه حبّات العنب المغسولة.

فلنغمس أصبعاً في ماء الخوابي.

ونشمّ ملء أنوفنا رائحة الريحان الأسود على المخدّات،

ونمر بالقرب من أزهار الشبو.

يدي في يد المساء، ويقول لي: لا تخف،

فقد أعطيتك حناني، وسآخذك معي،

ليس السفر فقط، إدارة الظهر لكل هذا الجَمال.

انظر إلى تلصص تلك الفتيات، قبل اغلاق باب الفناء،

يستحيل ماء سطولهن حروفاً متناثرة للرسالة الأولى.

تحسس كؤوس العرق الندية لهؤلاء السكارى

واستمع إلى همسات تلك الحناجر الباكية،

بعدنا.. ستكتب الرسائل إلى ليلى بالأغاني.

استمع إلى وحدة يوسف في صوت "حافظ" ذاك،

الملىء صدره باليقين، وعيناه بالنور.

سأقول للمساء.. من الأفضل أن نذهب

قبل أن يرتدي خفّاشٌ عباءته

وقبل أن ينظف زيزٌ حنجرته،

وقبل أن يغادر خضاري ركنَ زقاق الألوان،

يقول المساء: لا تكن عجولاً، استمع إلى

طقطقة منقار اللقلق

إلى البيت الأخير من غربة اليمامة

إلى بؤس عدم العثور على عناوين رسائل "شَمال"،

إلى مواويل "خداداد علي"، لـ "ألْوَن"

إلى "هوره" قد تقوس ظهرها، وتدخن الغليون بعيون ندية.

فلنرتشف شيئاً من الشاي، جالسين تحت أشجار صفصاف الحزن هذه،

ونضع سيجارة بين شفاهنا،

ونبتسم في وجه السلحفاة العابس، ونقول له:

لاتحزن على عمر لم يمهلك أن تقهقه ولو مرة.

فلنتعرّ في حقلِ شبتٍ، ونتنفس الصعداء

نُزيح شعر الصفصاف عن عيون المربع،

ونحتفظ بجرعة من الشراب بين شفاهنا

ونُرسل قبلة من خلال الريح،

ونقول للمالوش: كم هو مؤسف، حين تباغت جذور العشب

وزهرة اللؤلؤ، وحلق السَّبْع على حين غرة،

ثم نقول للتوت الأحمر:

كم أنت وفي لهدر دم أول عاشق،

ونقول للحباحب:

وداعاً، اشعلي فوانيسك، فها نحن ذاهبون

ثم، نمر متمايلين بالقرب من دريئة صيد خيال الشعراء

حتى نصل زقاق الألوان.

لا ننسَ أن نصف جَمال عروس البحر من أعماق قلبنا،

ونلمس شفاهها، ونقول لها:

أيا عروس البحر، كم أنت جميلة!

وعدني المساء بالمجيء، كي يأخذني معه،

ولكي أقع كأرانب بيضاء

على مرمى بندقية عين القمر،

ونقول ككل المرات، في زقاق الألوان

ونحن ملطخون بالدماء، حتى الأبد:

وداعاً أيها الليل

فثيابك السوداء

وطمأنينة انثيال الضوء

وهمسات ندم النجوم

وبكاء المطر

وتوبة الثلج

ولهاث العاصفة

وانتظاري للمساء، كي يأخذني معه

كلها.. ذهبت أدراج الرياح.

جاء المساء، وكنتُ قد صرتُ شهيد حلمٍ

فَلَمْ يأخذني معه.

سيمضي المساء، وأنا أقول لنفسي:

العشق شهيد.. شهيد

وأنا بدوري قد أصبحتُ شهيداً ـ شهيداً.


ستوكهولم

يونيو 1999

هيوا قادر

شاعر من جيل الثمنينات

من كتبه المطبوعة:

(العيون الصفراء) مجموعة شعرية - عام 1991

(قبعتي ملآى بالمطر و الورود) 1994 مجموعة شعرية

(المرآة السرابية) - رواية

(قارة من الحلم) - شعر - 1998

(سفرنامة) - لارواية - 2000)

(ندفتان من الثلج) قصة للأطفال 2000)

يقيم حاليا في السويد.

 

ترجمة: آزاد برزنجي - خاص بالامبراطور - 13.02.2004


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri