عن
الشمعة والخمرة والمرآة والزهرة والخال
مختارات
من الشعر الإيراني
الشعر الإيراني
بكل مراحله يشكل مساحة مؤثرة وغنية في خريطة الشعر في
العالم، ويرتبط هذا الشعر بصلات قديمة متبادلة مع الشعر
العربي، على الرغم من عدم الانتشار الكبير للشعر الإيراني
في الأوساط العربية طبعاً يجب أن نعترف بأن البعض من المهتمين
بالترجمة والنقل بين اللغات الفارسية والعربية، بذلوا
جهدا ليرفعوا من مستوى هذا التفاعل الذي وفر فرصة للاطلاع
على نماذج من الشعر الايراني وساعد في تأمل هذا الشعر
وهويته مثل عبد الوهاب عزام، يحيى الخشاب، إبراهيم الشواربي،
غنيمي هلال، عبد الحميد بدوي، محمد عبد المنعم، الدسوقي
شتا، وصلاح الصاوي في مصر ومحمد الفراتي، ومحمد التونجي،
وعيسى العاكوب من سوريا وحسين البكار من الأردن، وأسماء
أخرى.
حاضرا هناك من ترجم من الفارسية نماذج من عيون الشعر الإيراني
المعاصر لكن هؤلاء يعدون على أصابع اليد. وكانت محاولاتهم
ترجمة مختارات من هذا الشعر للمجلات والصحف مثل أحمد عبد
الحسين، محمد الأمين، حميد كشكولي وهاتف الجنابي ويعقوب
المحرقي وغيرهم، وهي محاولات يمكن ان تتطور الى ترجمة
مشاريع كبرى من الشعر الإيراني.
نماذج الحداثة في الخريطة الشعرية الايرانية المعاصرة
جاهدت للخروج على المهيمنات التي حكمت الشعر الايراني
قروناً طويلة، فتجارب سبهري وفروغ وغيرهما انشدت كثيرا
وبدون توقف إلى اللحظات المليئة بحضور الأحداث المعجزة
التي في كل لحظة، ومع كل استرجاع للأنفاس، تنجز المصير
اللامرئي لكوننا.
فروح عصرنا حاضرة بقوة في نصوصهم ولكن لما تزل تقرأ الوجود
قراءة شعرية بمنظار مستقدم من عمق الروحانية الايرانية،
والانحدار التدريجي للقيم كان موضوعا لبعض هولاء عالجوه
بمزاج ايراني امتزج بمنجزات الحداثة المادية للعالم، وظهور
فكرة البحث عن الجذور تجد صداها في أعمال شعراء الحداثة
الايرانية. ولكن قلق الشاعر المعاصر بدا مستعيرا للماضي
بكل هيمنته القاموسية والرؤيوية.
نقدم في صفحة آداب شرقية هذه نماذج من الشعر الايراني
الحديث لالقاء نظرة وان كانت سريعة على انجازات المغايرة
التي قام بها هؤلاء للافلات من حضور الشعر الكلاسيكي الذي
يتمتع في ذاكرة القارئ الايراني بحضور مؤثر، ان اختيار
هذه النماذج لم يعتمد تصورا مسبقا بقدر ما جاء انتقاء
عفويا حاولنا فيه بسط اوسع مسافة ممكنة أمام القارئ العراقي.
مقطع من قصيدة (وقعُ قدم الماء)
يعد سهراب سبهري واحداً من الوجوه
الشهيرة للشعر الايراني المعاصر ، ولد (سهراب سبهري) في
(كاشان) في العام 1928. وبعد انهائه مرحلة الدراسة الثانوية
انتقل الى العاصمة (طهران)، وبعد سنتين حصل من أحد معاهدها
على دبلوم، سمح له بالعمل في أحدى المؤسسات الثقافية.
نشر أول ديوان له "قريبا من أصيص الزهر أو عشق ما بعد
الموت " ولم يتجاوز عمره العشرين عاما. ترك عمله في المؤسسة
المذكورة بسبب تقدمه الى قسم الفنون الجميلة في جامعة
طهران. لكن ضرورة اعالة نفسه بنفسه دفعته في الوقت ذاته
للعمل في أحدى شركات النفط التي لم يمكث فيها أكثر من
ثمانية أشهر. في عام 1952 صدر ديوانه الشعري الثاني "موت
اللون".
منذ العام 1954 أخذ سبهري يتنقل من بلد الى آخر جامعا
ما بين كهف السائح وتعطش الفنان والدارس. فدرس الرسم والحفر
أو النقش في كل من باريس وروما وطوكيو والهند. بعدها أخذت
تنهال عليه الدعوات للاشتراك في معارض الرسم والبينا ليات
المحلية والأجنبية.
أصدر ديوانين شعريين في العام 1961، الأول بعنوان (فتات
الشمس )والثاني (شرق الحزن). في 1964 زار الشاعر الهند
وباكستان. وفي السنة نفسها كتب قصيدته الشهيرة (وقع خطوات
الماء) التي صدرت في 1965 بحيث ثبتت مواقعه كشاعر فذاع
صيته داخل ايران وخارجها بعدها بسنة صدرت له قصيدة أخرى
طويلة بعنوان (مسافر). وبها تعزز موقعه الشعري أكثر. غير
أنه سرعان ما فاجأ الوسط الأدبي في العام 1967 باصداره
واحدا من خيرة دواوين الشعر الايراني المعاصر بعنوان (حجم
الخضرة، في 1977 صدرت الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر
بعنوان (ثمانية كتب) وضمت آخر دواوينه «نحن لا شي ء، نحن
نظرة). لقيت أشعار سهراب ترحيبا واسعا وليس أدل على ذلك
من ترجمتها الى لغات عديدة منها: الانجليزية، والعربية،
والفرنسية، والالمانية، والايطالية والبولندية. في ابريل
من عام 1980 مات سهر اب سبهري بسرطان الدم (لوكيميا)،
مضاعفا بذلك من نسبة الشعراء المأساويين في الأدب الايراني
المعاصر.
من أهل كاشان أنا
دهري لا بأس به
لي كسرةُ رغيف، نتفة ذكاء، رأس إبرة ذوق
لي أم أحسن من أوراق الشجر
أصدقاء أفضل من الماء الرقراق،
بين أزهار الليلك هذه، عند الصنوبرة الشامخة تلك،
فوق وعي الماء، فوق قانون العشب.
مسلمٌ أنا
قِبلتي وردة حمراء
مُصلاتي النبع، تربتي النور
سجادتي السهل،
إني أتوضأ بنبض النوافذ
خلف صلاتي متجل هو الحجر
إني أقيم الصلاة حينما:
تنطقُ بآذانها من على منارة السرو
إثر "تكبيرة إحرام" العشب
إثر "قد قامت" الموج.
كعبتي على حافة الماء
كعبتي تحت أزهار الأكاسيا
كعبتي كالنسيم تتنقل من بستان إلى بستان
ومن مدينة إلى مدينة
حجري الأسود ضياء الحديقة.
من أهل كاشان أنا
مهنتي الرسم
أحياناً أصنع باللون قفصاً أبيعكم إياه
كي يترطب قلب عزلتكم بغناء الشقائق الحبيسة فيه
يا للخيال!.. أعلم أن قماشة رسمي بلا روح
أعلمُ جيداً أن حوض لوحتي بلا سمك.
من أهل كاشان أنا
النسيم ربما يصل إلى عشبة في الهند، إلى آنيةٍ
خزفية من تراب الـ "سيلك"
النسيم ربما يصل إلى امرأة داعرة في بخارى.
أبي بعد مجيء الخطاطيف مرتين
بعد سقوط الثلج مرتين
بعد إغفاءتين في الرواق
ـ أبي خلف الأزمنة ـ
مــات.
حينما مات أبي، كانت السماء زرقاء
فزّت أمي من نومها، وازدادت أختي جمالاً
حين مات أبي، كان كل الحراس شعراء
سألني البقال: كم "منّاً"3 من البطيخ تريد؟
سألته: رطل قلبٍ مبتهج بكم؟.
الحب و السؤال
طاهرة صفار زاده
شاعرة، باحثة و مترجمة. ولدت بمدينة
سيرجان (جنوب شرق ايران) عام 1936 في أسرة ذات خلفية صوفية.
تعلمت قراءة القرآن و تجويده في مكتب المحلة و هي في السادسة
من العمر. بعد انهائها الدراسه الثانوية في مسقط رأسها
دخلت جامعة طهران في فرع اللغة الا نجليزية لتتخرج منها
بشهادة ليسانس.
غادرت الى بريطانيا و من ثم الي أمريكا لمواصلة الدراسة
وحصلت على شهادة الدكتوراه. بعد عودتها الي ايران تم تعيينها
أستاذة في قسم اللغات الاجنبية في الجامعة الوطنية (الشهيد
بهشتي حالياً) لتدرّس في مجال الترجمة و النقد الادبي.
و على صعيد الشعر، نجحت صفارزاده في تقديم لغة شعرية جديدة
و اسلوب شعري مميّز، أثار الكثير من النقاش في بادئ الامر،
و لأن النظام الحاكم لم يكن يحبذ الشعر و المقاومة الممزوج
بالسخرية من السياسة و اصحابها، لذلك فصلت من الجامعة
عام 1976 بتهمة كتابة شعر المقاومة الدينية.
بعد انتصار الثورة الاسلامية، أختيرت الدكتورة صفارزاده
رئيسة لجامعة الشهيد بهشتي و عميدة كلية الآداب في هذه
الجامعة. و بعد سنوات من العمل الدؤوب أحيلت الى التقاعد
لتتفرغ للكتابة والبحث و الترجمة في المؤسسة الخاصة بها.
للشاعرة تسعه دواوين شعرية طبعت كل منها عدة طبعات. و
مما يستوجب ذكره ان احد دواوين الشاعرة و هو بعنوان ”المظلة
الحمراء“ كتبت قصائده بالانجليزية اصلاً. من دواوينهاالاخري:
الحركة والامس، السد و السواعد، طنين في المصب، السفر
الخامس، لقاء الصباح، البيعة مع الوعي و رجال محنيون.
اليكم ترجمة لبعض قصائدها القصيرة.
(ــب)
من ثوبينا
اللذين اضعناهما في الليل
الليل البارد
البرد الذي ذاب على جلودنا
جلودنا التي صارت نبضاً
النبض الذي قدناه الى الدمار
لم يبق لنا منه
سوى طراوة التكرار
من ثوبينا
اللذين اضعناهما في الليل.
(سؤال)
أيتها الشمس
يا قامة الكينونة الرفيعة
قولي لي.
قولي
كيف أتمسك
بحبل الثقة المهترئ
وسط لظاكِ اللا منتهي
عندما يشوه
خوف الهبوط
والحفر الارضية العمياء
_ التي تشبه اضطراب لحظة التسليم_
روعة المساعي الأخيرة.
قلت انا سماؤك
قلتُ لتكتظ الارض بحماكِ
ولم ينهمر المطر
واينعت بذور الشك
في معابر التكرار.
ابتهالات
سلمان هراتي من أشهر شعراء الثورة
الإيرانية، اتسمت قصائده بالمزاوجة بين النفس الملحمي
والمضامين العرفانية المنفتحة على مفردات الحياة اليومية.
توفي هراتي في حادث سير عام 1985، وهو لم يزل في ريعان
الشباب، وهذه المقتطفات من مجموعته الشعرية: السماء الخضراء.
سلمان هراتي
ـ 1 ـ
الليل يسقط.. وأنا أنضج
أفتحُ فمي نحو السماء كالنيلوفر
اشتياقاً لهطول الندى
يا خالق الغيم والندى
هلاّ أنهيت ظمئي..
أريد أن أرتوي بك.
ـ 2 ـ
أقفُ جوار الليل
أتأمل عباءة السماء الزرقاء
أتأمل نجوماً نُسجت بخيط النور
أسمعُ ترنم الأشجار:
ـ يا له من نسيم منعش
أنا لبُ برعمة
ستغدو كمثرى.
أقفُ جوار الليل
الليل مرتو بك
وأنا قاب قدمين
مبلل بالندى.
ـ 3 ـ
أحياناً، كزهرة قرنفل
تأتي من النافذة
وتجلس محل أشعاري
وأنا مجرد حتى من كلمة واحدة
عيناي طافحتان ببصيرة
هي ذروة تكامل عين.
يسألني جاري: ما هي الصفات الثبوتية؟
أقول مرة أخرى
يا لها من رائحة عطرة
ملأت هذا المكان.
ـ 4 ـ
أحياناً
تتجسد إلى حدٍ
يسجدُ فيه جبيني لغيمة،
أتأمل شجرة
وأتوقع العطف من الأحجار.
المطرُ يهطل على كتفي
فتغمرني البهجة.
أحياناً، تتجسد إلى حدٍ
أسمعُ فيه صوت انهيار أكتاف الشيطان الحجرية
ولا عجب أن أرى القمر
يحصد الريحان مع أطفال الجبال.
فـوق التراب
ولدت فروغ فرغ زاد في طهران عام 1935، من عائلة من الطبقة
الوسطى، تزوجت في عمر السابعة عشرة، سافرت إلى أوربا عام
1958، وبقيت تتجول ما يقارب العام، أصدرت فروغ أربعة دواوين
شعرية، الأول كان في صيف 1955 بعنوان الأسير،وآخر عام
1964 (ولادة أخرى)، وقال النقاد عن هذه المجموعة الشعرية
أنها عصفت بالمشهد الشعري الايراني، وعد النقاد هذه المجموعة
بوصفها قمة انتاج فروغ، جمعت القصائد التي لم تنشرها فروغ
في حياتها ونشرت بعد وفاتها تحت عنوان (لنؤمن ببداية فصل
البرد). عانت فروغ من انهيار عصبي عام 1955، واصدرت عام
1956 مجموعتها الشعرية ( الحائط )، وانجزت عام 1962 فيلما
وثائقيا بعنوان (البيت المظلم). مجموع القصائد التي كتبتها
فروغ 127 قصيدة في خمس مجموعات شعرية، مع عدد قلبل من
القصائد في بعض الصحف.توفيت فروغ عام 1967 في حادث سير
مخلفة حياة وقصائد أثارت الكثير من الجدل.
فروغ فرخزاد
لم آمل أبداً
أن أصبح نجمة في سراب السماء
أو كروح الأولياء
جليسة خامدة للملائكة
لم أنفصل عنش الأرض
ولم أُصادق نجمة.
واقفة أنا على التراب
بجسدي الشبيه بساق نبتة
تمتص الهواء والنور والماء
كـي تحيا.
مُلقحة بالشهوة
ملقحة بالألم
واقفة على التراب
كي تمدحني النجوم
ويداعبني النسيم.
أنظرُ من نافذتي
لستُ سوى دوي أغنية.
لا أرغب إلا بصدى نجمة
في صراخ لذة
أنقى من صمت حزن ساذج.
لا أرغب عشاً
في جسدٍ هو الندى
فوق جسدي الزنبقة.
على جدار كوخي ـ الحياة
ترك المارة بخط العشق الأسود
ذكريات:
قلباً مطعوناً بسهم
نقاطاً صامتة باهتة
فوق أحرف جنون مبعثرة.
كلما لامست شفة شفتي
تشكلت نطفة نجمة
فلماذا أتمنى أن أصبح نجمة
في ليالي الجالس جوار نهر الذكريات؟.
هذه نغمتي
المحببة للقلب.
قبل الآن لم تكن
قبل الآن..
((المدى))