حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

أسمال جان دمو وادعاءات الأصدقاء

-1-

في نهاية الثمانينيات اعد الشاعران زاهر الجيزاني وسلام كاظم انطولوجيا تعنى بالشعر العراقي الحديث الذي كان من المفترض إن جان دمو أحد قلاعه الذين لم يغادروا العراق وبالتالي فلقد أضطر إلى تحمل مطارق السلطة بكل عفونتها وقذارتها.

كان ذلك بالطبع قبل أن أجمع شعر جان وقبل أن يغادر جان نفسه إلى عمان في رحلة غرائبية يتذكرها كل أصدقاء جان، أولئك الذين كان يشاطرهم الشعر والشرب والأكل وربما المنام مضطرا ًلأنه حسب رأيه لم يكن يستطيع أن يحيا كإمبراطور إلا بينهم، وكان يسميهم (جماعة أبو نواس) * هذه التسمية التي أطلقها عليهم الجناح الصدامي في اتحاد الأدباء، من أمثال، مرشد الزبيدي، عبد المنعم حمندي، ومحمد تركي النصار، ورعد بندر، وعبد الستار ناصر الذي اتصل ذات مرة بأمن وزارة الداخلية، عندما كان خفرا في نادي اتحاد الأدباء على الشاعرين جان دمو وزعيم نصار عندما شتما صدام حسين وازلامه أمام باب الاتحاد الأدباء، ولولا تدخل بعض الأصدقاء منهم شوقي كريم، والمرحوم محمد شمسي، وغيرهم في تهريب الشاعرين قبل وصول سيارات الأمن، لبقى هذا الاتصال جريمة في عنق القاص عبد الستار ناصر.

-2-

عودا على بدء أقول إن الجيزاني وسلام كاظم لم يعثرا على أية قصيدة يمكن نشرها له داخل الانطلوجيا التي تم نشرها بعد أشهر معدودة رغم حرصهما معا على تزيين كتابهما بقصيدة لهذا الشاعر العدمي وهكذا وكما يبدو فلقد ذهبت جهودهما أدراج الرياح.

بعد اشهر من طبع الانطلوجيا التي أشرنا إليها أجرى المدعو هاتف الثلج حوارا مع جان دمو نشره في مجلة ألف باء وكان السؤال الأبرز فيه.. من أنت؟ ورغم بساطة السؤال فلقد أثار الجواب وقتها الكثير من المشاكل وكان جواب جان كلمة ونصف لاغير.. بالبنط العريض قال جان (أنا شبح) فيما تصدرت صورته الكاريكاتيرية الصفحة. بالطبع لقد كانت إجابة جان شعرية مجازية ولان جان كان يفترض العمق في المحاور الذي كان أحد معارفه، فلم يكن يعتقد حينها إن المحاور سيستغل اجابته للترويج ضد شخصه النبيل ونواياه الطيبة.

ولأن جان دمو لم يكن شبحا، لقد كان شاعرا في حياته أكثر منه في نصه، أو شعره لقد كان بلا مشروع شعري كبير، بل لا يكترث لأي مشروع من هذا النوع، أما الآخرون لم يروا شاعريته إلا حين تجلت من خلال ردود الأفعال التي أثارها موته وحياته التي نظر إليها من خلال نسيج الموت.

-3-

في الحقيقة لم يكن في نيتي أن أخوض في هذا الموضوع، وان أقلبه في الدفاتر القديمة مثلما يقال ولكن الموضوع جرني اليه أكثر من مرة لكثرة الحديث عن المجموعة اليتيمة التي خلفها جان والتي يتحدث الجميع عنها على اعتبارها جمعت من قبل (الأصدقاء). ولا أدري أين كان (الأصدقاء) حين بحثا زاهر الجيزاني وسلام كاظم عن قصيدة واحدة يدرجانها في الانطلوجيا التي أخرجاها ولم يكن فيها حرفا واحدا لهذا الشاعر الذي يقول (البعض الكثير) انها جمعت من قبلهم (أي الأصدقاء). في الحقيقة أن المجموعة لم تكن من إعداد (الأصدقاء) أو أي شيء من هذا القبيل فلقد مرت بأكثر من مرحلة, مرحلة الإعداد ومرحلة التحرير وان (الأصدقاء) الذين تم ذكرهم في مقدمة الناشر (وهم: نصيف الناصري، وعلي السوداني، ويوسف الحيدري، وسلام كاظم) لم يساهموا لا في الإعداد ولا في التحرير ولذلك أقول إنني جمعت شعر جان وحررته مثلما نزل في المقدمة وان كان بشكل ناقص، فعلت ذلك لأن جان كان مطالبا بتبرير وجوده كشاعر من قبل أولئك الذين لا يعترفون بالشاعر الاحين يصدر كتابا، فلقد كان وضعه دائما ًهشا، وأن أحتفي به رغم أنف السلطة التي أقصته، وأن أجعله صرخة مسموعة بوجه الصداميين من الذين كان يشتمهم علنا وأمامهم مباشرة، ولكم صال وجال جان وجماعته (أبو نواس) على الاتحاد مستنقع الصداميين وجلاسهم. أقول قررت أن اجمع شعر جان دمو من هذا المنطلق الإنساني_ والسياسي.

حصل هذا في بداية معرفتي بدانتي أو جان دمو ومثلما يعرف الجميع يوم قررت أن اجمع ما بحوزة صديقي الجديد ومعلمي فيما بعد، ولقد قمت بجمع القصائد من اجل أن امنحه قوة مضافة لصلابة موقفه المضاد للسلطة. ولقد حصل جان على هذه القوة في حياته حين رأى ديوانه الوحيد ينتقل بين الأيدي ويحتفى به لانه كان مغايرا وغير مألوف وشجاعا في وقت كانت الساحة الشعرية خالية الوفاض، والطبالون يسرحون ويمرحون ويلهجون بحب القائد الضرورة، من أمثال عدنان الصائغ وجماعته في منتدى الأدباء الشباب، ورعد بندر وجماعته في اتحاد الأدباء، وجواد الحطاب وجماعته في التجمع الثقافي لعدي المقبور ومجلته (أسفار المعاد إصدارها تحت اشراف (كروبها) المعروف بارتداده لثقافة الهمج) قمت غالبا بجمع هذه المجموعة حين كان جان يعطيني قصائده قبل أن يهم بتمزيقها،أو لأنها كانت غير مكتملة ولم يضع اللمسات الأخيرة لها، وكان هكذا مع شعره الذي يكتبه تحت مزاح تدوين لحظته. بالطبع قمت بجمع ما نشر من شعره القديم والذي لم يكن يتعدى خمس قصائد لاغير.... فشعر جان دمو وهو في الحقيقة لا يتجاوز ديوان (أسمال) وبضعة قصائد عثرت عليها بعد طبع الديوان.

فمجموعة جان دمو (أسمال) في الحقيقة لم أقم بإعدادها فقط بل قمت بتحريرها وهذا ما يعرفه الكثيرون من أصدقاء جان أو أصدقائي على حد سواء من ضمنهم الشاعر الراحل رعد عبد القادر وسلام كاظم وخالد المعالي وزعيم نصـّار وعبد العظيم فنجان وعبد الزهرة زكي ونصيف الناصري وعلي السوداني وناظم السعود وغيرهم. فثمة جمل كثيرة داخل المجموعة هي لي وليس لجان دمو ولعل المصادفة وحدها هي التي جعلت مفتتح الديوان قصيدة صغيرة كتبتها في منتصف الثمانينيات وهي: حبيبتي فمك حمار كهربائي حيث أسناني تسافر مع الريح.

كما إنني أحب ان أشير إلى إن القصيدة التي وضعها الناشر على غلاف المجموعة هي للشاعر زعيم نصار وليست لجان دمو، وقد دخلت الديوان بدون درايتي و دراية الناشر، ولكني أتذكر أن جان دمو بعد تاريخ كتابة هذه القصيدة الذي هو (30 نيسان 1992 - حانة خه رمان) بأيام كان قد أعطاني هذه القصيدة وكان ثملا، فدفعتها ضمن قصائد ديوانه وبعد طباعته عام 1993وكان الشاعر زعيم نصار آنذاك معتقلا في سجن (أبو غريب) منذ بداية عام 1993 أخبرني جان دمو بقصة هذه القصيدة قال لي: حسين القصيدة القصيرة على غلاف المجموعة هي لزعيم نصار حيث كتبها تحت قصيدتي عندما دفعتها له ليقرأها، وكنا جالسين سوية في الحانة المذكورة، فهي قصيدة مشتركة بيني وبينه، ولكني نسيت الموضوع في لحظة الثمالة ودفعتها لك كما هي وبهذا يكون المقطع الأول لي والذي ينتهي بجملة (ما من جواب هناك) والذي بعده لزعيم نصار، وقد أشار لشعرية صديقه زعيم ومستقبله الشعري بمحبة نادرا ما يتفوه بها لأحد، وهذه القصيدة منشورة في ديوان (أسمال) صفحة (22) وهي كما يلي :

(........)

أيكون الموت غياب الذاكرة؟ أم صفــّـا من طيور البطريق ينتظر مخلصــّـا ما تحت شمس بنفسجية لن نغامر بالجواب لأنه مامن جواب هناك

ماذا سنخلـّف لأطفالنا؟

ماذا سنخلف لهم في القرن المقبل؟ هل سنخلـّف لهم سموما ًحارة؟ هل سنخلـّف لهم موتا جاهزا؟ هل سنخلـّف لهم جنائز؟

وقد أعاد جان دمو نشر قصيدته تلك دون نشر قصيدة زعيم نصار، مع أربع قصائد أخرى، في مجلة الأقلام في عدد شباط 1993 بعد صدور ديوانه بشهر واحد فقط، ليؤكد هذه لنا الحقيقة.

-4-

مثلما قال الشاعر عباس بيضون (جان دمو من ورائه قصائد كثيرة تلـقـّطها البعض وأصدرها في كتاب لكنه ما كان يميز بين قيئه وشعره) وفي الحقيقة إن هذا البعض لم يكن غير حسين علي يونس كاتب هذه السطور.

لا أريد أن اقلل من أهمية جان دمو أو أن أثلم ما تبقى منه ولكنها حقيقة يجب أن تعرف وأن تحترم فجان كان صديقا عزيزا وإنسانا كبيرا لم يجد الوقت الكافي لبلورة شعره ولقد قمت أنا ببلورة هذا الشعر غالبا ما أعدت كتابته وتنظيمه وهذا ما فعلته له أنا الذي لم يكن يعرفه أحد وقتها بالطبع. في مقدمة طبعة ديوان (أسمال) التي كتبها منذر عبد الحر تم الحديث عن طريقة جمعه ولقد قال ما نصه: (و أغلب هذه الطرق نوادر لايمكن إغفالها) قصائد جلبها الشاعر نصيف الناصري، وأخرى جلبها الشاعر حسين علي يونس، وأخرى جلبها القاص علي السوداني وأخرى جلبها القاص يوسف الحيدري، وقصيدة مسجلة بصوت الشاعر سلام كاظم والحقيقة خلاف ذلك حيث ان الموضوع تم بالشكل التالي: سمعت أن دار الأمد في نيتها إصدار مجموعة للشاعر جان دمو ولكنهم كانوا حائرين لان جان نفسه ليست لديه مجموعة أو أي شيء يمكن أن يفيدهم، فهو لم يكن يعرف أين توجد هذه الأشعار فكل ما نشره خلال حياته قصائد قليلة، وعندما أخبرتهم إنني امتلك مجموعة جان فرحوا بذلك واتفقت مع الشاعر منذر عبد الحر على موعد في مقهى حسن عجمي ولقد ذهبت إلى هناك مصطحبا معي مجموعة جان التي عملت بها شهورا طويلة..

وهناك التقيت بالشاعر نصيف الناصري الذي ظل يتصفح المجموعة في المقهى على أمل أن يسلمها إلى منذر عبد الحر الذي تأخر في موعده.. ولكني فيما بعد فوجئت بوضع اسمه على اعتباره أحد المساهمين بجمع المجموعة ليس هذا فحسب فلقد وضع اسمه قبل اسمي في مقدمة الناشر أيضا، رغم انه لم يكن له فيها لا ناقة ولا جمل، ولم يكن من الملازمين لجان دمو كما كنت .أما القصيدة التي جلبها القاص علي السوداني فكانت مسجلة بصوت سلام كاظم ولقد حذفت لأنها قصيدة ركيكة، أما قصيدة المرحوم القاص يوسف الحيدري سنونوة وحيدة فلقد كانت منشورة في مجلة لم يستفد منها لأنها كانت ضمن القصائد التي أحضرتها، وهكذا لقد كنت الوحيد الذي جمع أشعار جان دمو وحرّرها في آن واحد، رغم إن هذا قد لا يرضي البعض من أصدقاء الشاعر. (الصباح)

 

حسين علي يونس / شاعر من العراق


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri