مختارات
من الشعر الأميركي المعاصر
إذا
كنت ستغارُ من الزهور، انسها من فضلك!
ليس من السهل أن
نقدم صورة شاملة عن الحركة الشعرية المعاصرة في الولايات
المتحدة الاميركية. ولعل هذه الصعوبة تتمثل، أولاً، في
التنوع الذي عرفه الشعر هناك واتخذ ابعاده في حركة نقدية
وتيارات شعرية ناشطة منذ مطلع الستينات. كذلك تتمثل في
تعدد المصادر الثقافية والادبية للشعراء الذين استلهموا
ثقافات الأجداد (الاسبانية والانكليزية والاوروبية الشمالية
والفرنسية والافريقية والشرقية...)، هذا بالاضافة الى
الاتساع الجغرافي الذي أدى الى نشوء تيارات أدبية ونقدية
ترسخت ملامحها، على نحوٍ ما، قبل أن تأخذ طريقها الى التوسع
والانتشار.
لقد ساد في الشعر
الأميركي لأكثر من ثلاثين عاماً نمط تقليدي وضع أسسه ت.
س. اليوت وعدد من النقاد الجدد. وفرض هذا النمط، الذي
اتسم بـ"التناسق" والعمل الذهني، نفسه في النشرات الأدبية
والجامعات ولكنه بدأ يفقد تأثيره ببطء مع ظهور موجةٍ جديدة
لم تتمكن من توفير البدائل التعبيرية الا في فترة متأخرة
مع بداية الستينات...
هنا مختارات من
شعراء معاصرين لعبوا دوراً في تطور الحركة الشعرية، بعد
ما سمي جيل الرواد، منذ أواسط الستينات حتى نهاية الثمانينات.
جون هينز
ولد عام 1924 في
فيرجينيا، وفي أواخر الأربعينات درس الرسم والنحت في واشنطن
ونيويورك. ذهب الى الاسكا عام 1947 وعاش في كوخ بناه على
مسافة سبعين ميلاً عن "فيربنكس". له: "اخبار الشتاء" ـ
1966 و"القيتار الحجري" 1977.
هاجس
شيءٌ ما هائلٌ ووحيد
يقسّم الأرض عند
المساء
لتسع سنواتٍ راقبت
من بوابة داخلية:
كما لو في مشهدٍ
مضطرب،
اشكالاً كالرجال
تتقدم، تغطي
وجوهها وتمر،
مثقلة بالأغلال،
والمسافة.
لا صوت لكن الريح
تعبر الطريق، مالئة
الممرات بغبار دقيق
كالطباشير
كإقفال باب داخلي
يبدأ اليوم رحلته
المظلمة، عبر تسعة
جسور
حُطمت واحداً تلو
الآخر.
أن نعود
ناس المراعي يحنون
رؤوسهم أمام الريح
كيف سيكون
ان نقف بينهم، حانين
رؤوسنا هكذا...؟
نعم... ولا....
ربما
رافعين الرؤوس المغبرة
كما لو أننا ننتظر
المطر...؟
ناس المراعي يقفون
طوال السنة صبورين
ومطيعين
أن نكون بينهم
يعني ان نملك، فقط،
افكاراً
بسيطة وودية
وألا نخاف
وحين يأتي الرجل
الأخضر
الرجل مرتدياً
لحاء البيتولا
عصافير صغيرة معلقة
بأطرافه
وواحد يبني
عشاً في أذنه.
جلبة الهرج
تغزو شعره.
ريح...
تهب في رأسه
تهز (الى اسفل)
فكرة تتحول
الى طحلب وأشنة
(1)
عند قدميه
عيناه محجوبتان
بنيسان،
نفسه مقطر
من فراشٍ
ونحل، وفي لحيته
نغني اليرقات
يجيء ثانية
بنثارٍ
وصفائح فارغة
حذاؤه ممتلئ بالوحل
والروث؛
جيش من الكلاب المنتشرة
يلازمه
الوادي يرتعدُ حيث
يقف،
أريج الورود
يعبق
في المطر المتدفق.
وليام هيث
تخرج من "حيرام
كولدج". درس في كينيون (ترانسلفانيا). ظهرت قصائده وقصصه
ومقالاته في عدد من المجلات والصحف. له بالاضافة الى مجموعاته
الشعرية روايتان
أغنيات حب الى ليديا
(l)
أنتِ تجعلينني أرغب
في أن أكون أفضل
أنظف اسناني (بالفرشاة)
قبل الحديث إليك
على الهاتف.
(ll)
الغرة التقليدية
لشعرك
المعقوص
عنقك العاري
الطويل
كعنق البجعة
وجهك
الجوهرة (المنقوشة)
الهادئة.
(Ill)
انت تتحركين
في المقعد
الى جانبي توشوشين
في أذني، تغنين
بعذوبة "انت تعرف
كيف أشعرُ".
أقود (سيارتي) الى
البيت
في المطر
وجنتاي تؤلمانني
من الابتسام
قلبي
يقفز
نقبل (بعضنا)
بلا صوت.
مايا انجيلو
من أعمالها المعروفة
"أعرف لماذا تغني العصافير السجينة" و"أعطني ماءً بارداً
قبل ان أموت" و"قلب امرأة". قدمت مسلسلاً من عشرة أجزاء
حول حياة الافريقيين في أميركا.
مقدمة لفراق
بقربك، منبطحة،
جسدي العاري يحسّ
الذنب في اللمس.
ومع ذلك أنت
الذي تبتعد.
الحقيقة الصامتة
هي:
الخوف الرهيب من
الخسارة
لا يكفي ليجعل
حباً زائلاً
يبقى
ريتا دوف
ولدت في آكرون (أوهيو)
عام 1952. درست في ميامي، وفي جامعة أريزونا. حازت جائزة
بوليترز عام 1987 من أعمالها: "توماس وبيولاه"، "البيت
الأصفر على الزاوية".
مراهقة (ll)
(من ثلاث قصائد
تحمل العنوان نفسه)
مع ان الوقت ليل،
اجلس في الحمام انتظر
العرق يخزني خلف
ركبتي، نهداي الطفلان يقظان.
الستائر الفينيسية
(6) تجعل القمر شرائح، الأجر يتلألأ في مساحات طولية شاحبة.
ثم يجيئون. الرجال،
الفقمة الثلاثة بأعينهم المدورة كأطباق العشاء، والأهداب
المستدقة كالاشواك.
يجيئون برائحة عرق
السوس. واحدٌ جلس في حضن المغسل؛
واحد على حافة "البانيو"؛
واحد يتكئ على الباب.
"هل تستطيعين ان
تشعري بها الآن؟"
همسوا.
لا أعرف بماذا أرد.
يضحكون في سرهم وهم يربتون اجسادهم الملساء "حسناً ربما
في وقتٍ قادم" وينهضون ملتمعين كبُركٍ من الحبر تحت ضوء
القمر.
ويختفون، أتشبث
بالأسمال الممزقة التي يتركونها وراءهم. هنا على حافة
الظلام الليل يبقى ككرة من الفرو على لساني.
توم كلارك
ولد عام 1941. نشأ
في شيكاغو. تخرج في جامعة ميشيغان عام 1963. درس في كمبردج
وعاد الى الولايات المتحدة عام 1967، يعيش الآن في كاليفورنيا.
له: "أحجار" 1969، "هواء" 1970.
نظارتان
من هذا البيت أعرف
النافذة الخلفية
تحمل ستة أعشاش
للدوري في القرميد
تحت الأسكفة، وهي
العصافير التي تطوف هذه السقوف طوال الشتاء بحثاً عن الدفء
أو عن أي شيء آخر. اثنان يتنازعان الآن
على بضعة انشات
لموضع فوق الإفريز.
كيف يتحرك العقل
ويلقي الضوء على الأشياء حين تكون الـ "أنا" مجرد نظارة
للرؤية: أقف على النافذة
أسجل كل عصفور،
سقفٍ، مدخنة كما تجعل حدود التقارب بينها. أرتدي سترتي
الصوفية القديمة الزرقاء
كل ساعتين أمسح
نظارتي.
جون آشبري
ولد في روشستر،
نيويورك عام 1927. عاش ردحاً من الزمن في باريس كان خلالها
الناقد الفني لـ"الهيرالد تريبيون. عاد ليعيش في نيويورك
عام 1965. من أعماله: "بعض الاشجار"، "انهار وجبال"، "الحلم
المزدوج للربيع" و"صورة ذاتية في مرآة محدّبة". حصل على
عدد من الجوائز الأدبية أبرزها "جائزة بوليتزر"، وجائزة
"الكتاب الوطني" وجائزة "النقاد للكتاب الوطني".
أفكار فتاة
انه يوم جميل جداً
كي أكتب اليك رسالة من البرج، وكي أظهر أني لست غاضبة:
أنا تزحلقت، فقط، بقرص صابون الفضاء وغرقت في "بانيو"
العالم.
لقد ترفعت عن البكاء
كثيراً من أجلي
والآن أدعك تذهب.
التوقيع: القزم
مررت متأخراً في
المساء
والبسمة لا تزال
تحوم حول شفتيها
كما كانت لقرون.
انها تعرف دائماً
كيف تبدو فرحة الى
الحد الاقصى، آه يا ابنتي،
يا حبيبتي، ابنة
موظفي الأخير، الأميرة
أرجو ألا تتأخري
على الطريق!
زهرية
الإناء أبيض ويمكن
القول انه اسطواني
إذا كان (الشكل)
الاسطواني اكثر
اتساعاً من الاعلى
مما هو في الأسفل.
الزهور حمراء، بيضاء،
وزرقاء.
كل احتكاكٍ بالزهور
ممنوع.
الزهور البيضاء
مشدودة الى أعلى
في فضاء دلالاتها
الشاحب
دفعت قليلاً بالزهور
الحمراء والزرقاء
اذا كنت ستغار من
الزهور،
انسها من فضلك.
انها لا تعني لي
شيئاً على الاطلاق.
ــ يحلمون فقط بأميركا
يحلمون فقط بأميركا
أن يضيعوا بين الثلاثة
عشر مليون
عمود من العشب:
"هذا العسل شهي
مع انه يحرق الحنجرة"
ومختبئين من الظلام
في المخازن
باستطاعتهم أن يكونوا
راشدين الآن
ومنفضة المجرم أكثر
سهولة -
البحيرة مكعب ليلك.
يمسك مفتاحاً بيده
اليمنى.
"من فضلك" سأل برغبة.
هو في الثلاثين
من عمره.
ذلك كان قبل
ان نتمكن من ان
نسوق مئات الأميال
في الليل عبر الهندباء
(البرية).
حين ازداد وجع رأسه
سوءاً
وقفنا في محطة تعبئة
أسلاك.
الآن هو يهتم بالاشارات
فقط
هل كان "السيكار"
اشارة؟
وماذا عن المفتاح؟
دخل ببطء الى غرفة
النوم.
"لم أكن لأكسر ساقي
لو لم أقع على طاولة غرفة الجلوس. ماذا تعني العودة الى
جانب السرير؟ لا شيء نفعله من اجل تحررنا، سوى أن ننتظر
برعب.
وأنا ضائع بدونك".
ترجمة وإعداد: حمزة
عبود