حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

من أغاني " لوركا " الدمشقي

إلى الشاعرة: سمر دياب

أحبّك في ضفة الذاكرةْ

ممدّدةً كحرير الغياب الطويل

لتنقصَ أوتارُ هذا الكمانِ نهاراً

وأعدو إلى وحدتي بعد ليلٍ يرمّم أقداحه في يديكِ

...

لماذا تثير الأنوثةُ أعماقَ بئر الحكايةِ في شهريارْ

وأنتِ لماذا تديرين بين الأناملِ أسطورةَ هشّةً

لا تقاومُ إزميلَ عاصفةٍ قادمةْ؟

لماذا تضيئينَ بالملحِ قلبي؟

فيقطع عنك وعنه صلاة الحوار ْ؟

...

سأبحث عمَن يجدّد موتي: أجلْ

ولكنني لا أحب التي تنتقي خنجراً ذهبيا

تشقّ به مخمل الكلماتِ

وتزعمُ أنّ الأنوثةَ في أن تهينَ صدى القلبِ وهو يئنّ

كنايٍ على جبلِ الغيمِ...

...

هل في القصيدةِ متّسعٌ لملاك البنفسج

حين يعيد إلى الوزنِ تعويذةَ الانفجار الشهيّ

على حجرِ اللازوردِ اليتيمْ؟

ولي في النهايةِ فائضُ غيمٍ

يمهّد سربَ السنونو ليرحلْ

ولي جبلٌ يعصمُ القلبَ من موجكِ المتعجرفِ

آخذُ وحش الحنينِ إلى جهةٍ لا تدلّ على شاطىء الأندلسْ

وأمعنُ في رقصتي مفرداً مثل عادة كل النبيين

في سيرة غائبةْ

نبيّ فقيرٌ ولا ليَ دعوى بنصّ الكتابِ

ولا لي صحابةْ

ولكنّ قلبي غنيّ بأفراحهِ العبثيّةِ وهو يعضّ على ذاتِهِ

ويهشّ على غنمٍ شاردٍ في تلال الكآبةْ

...

أحبّكِ عائدةً نحوَ كهفكِ

والليلُ فيكِ عديمُ الغناءِ

سأصغي إلى هجرتي عن ندائكْ

أصدّقُ ما تزعمينَ من الموتِ في نفسكِ الأبديّةِ

أو من سقوطٍ قديمٍ على مطهرِ المريمياتِ

لكنني لن أصدقَ بعد الحوارِ الأخيرِ

عذوبةَ قلبكِ

أو رنّةَ الاحتفالِ البهيّ تسيلُ كأيقونةٍ من غنائكْ

أصدقُ ليلي الشقيّ

وأغلقُ خلفكِ بابَ الصدى

سوف أوصد بابي أجلْ؛

لأليقَ بطيفكِ بعد غروبِ مسائكْ

...

أحبّكِ في عبقِ الرّيحِ ساهيةً عن منامكْ

وأحرسُ شِعركِ من هفواتِ الضجيجِ

ومن شططِ الروحِ حين تبعثر كلّ المقاماتِ

تحرفُ صوتكِ نحو قناعٍ غريبٍ

أصوّبُ قلبي عليكِ

وأمسكُ خلفكِ ليلاً طويلاً تدفقَ من صورتكْ

أعلقها في الممرّ الأخير الذي بين قبري وبعثي

لأشغلَ حرّاسَ آخرتي عن حسابي

وأدخل وحدي جحيمي مطيعاً كما ينبغي بالمغنّي الوحيدْ

وأتركُ خلفي كلامكِ ملحمةً فارسيةْ

أضيف إليها منمنمةَ الموتِ: شغلَ يديّ

وأمنح بابلَ في سحركِ المرّ طعمَ دمشقْ

وأنبعُ من كلّ غربٍ وشرقْ...

...

أحبكِ ذاهبةً في الينابيعِ وحدكِ:

لا أحدٌ واقعٌ تحت تأثيرِ طقسكْ

أحبّكِ ضائعةً في هديل الجنونِ بمفردِ نفسكْ

ولا شاعرٌ يتتبّعُ أنفاسكِ الآثمةْ

ولا راكعٌ خلف ظلّكِ يتلو عليك مصاحفه النادمةْ

خذي نفسكِ المشرئبّةَ وامضي

إلى حيثُ تُمضينَ

وقتَ الكواكبِ وهي تمارسُ لعبتها الخلبيةَ

ثم تصدّقُ أن لها في الأعالي مكانا

...

خذي بعض هذا الصهيل الضعيف

ولا تزعمي أنّ ما كان كانَ...

...

أحبّ انقطاعَ الغناءِ إذا كانَ فيه قليلُ نشاز

وأذهبُ في هودجِ الخائبين اليتامى إلى نفحةٍ

نسّمت من أريج الحجاز

ولستُ من الراكعينَ لتمثالِ سيدةٍ تتعالى

وتكسرُ نُبْلَ المجاز

...

خذي كلّ هذا العلوّ العليّ

سيسقطُ آخرةَ الأمرِ نسرُ الفضاء

على ظلّه الملكيّ،

ولن يدفنَ النّسرُ فوقَ السماء

...

أحبّكِ بوّابةً لدمشقَ

ولكنّ صاعقةً في يديكِ

سترجعني نحو كهفي لأقطعَ رحلتنا

لن نصيدَ سوى الرّيحِ في اللانهاياتِ

فاتخذي لرحيلكِ ثوب الخريف

أحبّكِ بوابةً، لا أشكّ، ولكنني في النهايةِ

أوسعُ من لغةٍ نصبتْ شركاً للغرابْ

ولستُ غراباً إذا انسدل الليلُ في القلبِ

لكن~ هي الأرضُ سوداءُ في نظري

رغم هذا البهاء الشبقْ

...

أريدُ منَ الشعر ما لا يريد النشيدُ

وأبحثُ فيك عن الآخر ِالغامضِ

لأنهي حواري مع الزبدِ العارضِ

فكيف تصيرين ظلّ العبثْ؟

وكيف أواصلُ فيك التهام رغيف الهسيس

وكيف أصلّي وقد حوصرت قِبلتي بالعسسْ؟

وأنت شميم عراري على أرض نجد

وأنت جمالُ الحوار على كتف جردٍ

وأنتِ التي والتي والتي...

...

أريد من الحبّ ما لا يريد المحبونَ:

بعضاً من السلّةِ الفارغةْ

ونصفَ نهارٍ عجوزٍ أوسّده ساعدي

ليمرّ على الجسرِ نحوي

أريدُ القليلَ من القمرِ الجبليّ الصريعِ

أشيّعهُ نحو أنثاه بين الأساطير...

فاحتفلي ببقيةِ عمري

أنا زورقٌ رامبويٌّ يجدّف سكرانَ

حتى يواجه طعنة موجٍ على شاطىء الأطلسيّ

فيكملُ فصل الجحيم

...

أنا ضوءُ زنزانةٍ أكلتْ قلب لوركا

وأنتِ التي من غجرْ

تسوقين سربَ الكمنجاتِ في مغربٍ عدميّ...

" أحبّكِ خضراءَ خضراءَ في جسدٍ أخضرٍ

وعينينِ من فضةٍ باردةْ " (1)

أحبكِ " في ضفة النهر

ليلةَ تغسل لوليتا نهدينِ

ثم تغني على جسر آذار

حيث الغصون تموتُ من الحبّ " (2)

لكنني لا أحبكِ حين تعودين من الْجسرِ

أو تصرخين على الزهر في جسدي: كن ذليلا

أحبكِ، كلّ الجمالِ تنفّس فيك، أجلْ؛

غير أني اختنقتُ أمامَ كثافةِ هذا العسلْ

لهذا أحبّكِ؛

لكن أحبّ الرّحيلا...

لأبقى جميلا...

وأترك عندكِ قيثارتي نازفةْ...

 

(1) من قصيدة لوركا " أغنية السائر في نومه " – ترجمة سعدي يوسف – ديوان الضفاف الأخرى جزء 4 - دار المدى دمشق 1998 – ص 77

(2) المصدر السابق – من قصيدة لوركا " سيريناتا " – ص 61

(والنموذجان خضعا لتحوير طفيف وذلك حسب مقتضى سياق القصيدة هنا).

 

محمد علاء الدين عبد المولى / شاعر من سوريا


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri